أكد رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ أن الابتكار أصبح المحرك الرئيسي لمسيرة التنمية الصينية، مشددًا على أن بلاده تدخل مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي عالي الجودة مع انطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة، في وقت يشهد فيه العالم تحديات جيوسياسية واقتصادية متزايدة.
جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها خلال الجلسة الافتتاحية للاجتماع السنوي لمنتدى الأبطال الجدد (دافوس الصيفي 2026)، الذي استضافته مدينة داليان، حيث أكد أن الصين استطاعت الحفاظ على قوة اقتصادها رغم الاضطرابات العالمية، معتمدة على الابتكار والانفتاح والتكامل مع الاقتصاد الدولي.
وأوضح رئيس الوزراء الصيني أن الاقتصاد الصيني حقق بداية قوية في عام 2026، وهو العام الأول للخطة الخمسية الخامسة عشرة، رغم تصاعد النزاعات الجيوسياسية وتباطؤ التعافي الاقتصادي العالمي، لافتًا إلى أن أداء الاقتصاد الصيني يمكن تلخيصه في أربعة محاور رئيسية هي: الاستقرار، والابتكار، والحيوية، والتكامل.
وأشار إلى أن الاقتصاد الصيني سجل نموًا بنسبة 5% خلال الربع الأول من العام، مع استمرار تحسن الأرباح الصناعية وارتفاع مستويات المعيشة واستقرار الأسعار، مؤكدًا أن الحفاظ على هذا الأداء في ظل اقتصاد يتجاوز حجمه 140 تريليون يوان، وفي ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وأزمات الطاقة، يعكس قوة الاقتصاد الصيني وقدرته على توفير عنصر الاستقرار للاقتصاد العالمي.
وأضاف أن الابتكار أصبح السمة الأبرز للاقتصاد الصيني، موضحًا أن الصين حققت خلال النصف الأول من العام تقدمًا كبيرًا في مجالات الفضاء التجاري، والمعلومات الكمية، وأشباه الموصلات، والاندماج النووي، إلى جانب الطفرة غير المسبوقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث سجلت نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية إنجازات جديدة، فيما بلغ متوسط عدد استدعاءات الرموز اليومية مئات التريليونات، وهو الأعلى عالميًا، كما بدأت تطبيقات الذكاء الاصطناعي المجسد تدخل مرحلة الاستخدام التجاري واسع النطاق.
وأكد أن السوق الصينية الضخمة تواصل إطلاق إمكاناتها الاستهلاكية، خاصة في مجالات الخدمات، والاستهلاك الأخضر، والتقنيات الذكية، موضحًا أن فعاليات السياحة والرياضة والعروض الفنية تشهد إقبالًا كثيفًا، بينما تضاعفت مبيعات المنتجات الذكية مثل الساعات والنظارات الذكية، في وقت تتعامل فيه الصين مع أكثر من 550 مليون شحنة بريد سريع يوميًا، وهو رقم يفوق إجمالي الشحنات في بقية دول العالم مجتمعة.
وشدد على أن الصين ستواصل سياسة الانفتاح الاقتصادي رغم تنامي النزعات الحمائية عالميًا، مشيرًا إلى أن بكين طبقت سياسة الإعفاء الجمركي الكامل على واردات 63 دولة، وحافظت للعام السابع عشر على التوالي على مكانتها كثاني أكبر مستورد في العالم، بينما ارتفعت الواردات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام بنسبة 20.5%، وهو معدل يفوق نمو الصادرات.
وأكد لي تشيانغ أن النجاح الاقتصادي الصيني يستند إلى بيئة مستقرة وسياسة قائمة على الابتكار طويل الأمد، موضحًا أن الصين لم تحقق تقدمها العلمي عبر التقليد، وإنما من خلال استثمارات ضخمة ومتواصلة في البحث العلمي والتطوير.
وأوضح أن الإنفاق على البحث والتطوير نما بمتوسط 10% سنويًا خلال الخطة الخمسية الرابعة عشرة، فيما سجل الإنفاق على الأبحاث الأساسية أعلى مستوى في تاريخ الصين، مؤكدًا أن الحكومة ستواصل خلال السنوات المقبلة زيادة تمويل الأبحاث الأساسية وتعزيز الابتكار الأصلي والتكنولوجيا الأساسية.
وأشار إلى أن الشركات الصينية تحملت لسنوات طويلة ضغوطًا مالية وخسائر كبيرة نتيجة الاستثمار في البحث والتطوير، كما تعرض بعضها لما وصفه بـ”الضغوط الخارجية غير العادلة”، لكنها واصلت الاستثمار حتى حققت النجاحات الحالية.
وأضاف أن قوة الابتكار الصيني لا تكمن فقط في المختبرات، بل في سرعة تحويل الاكتشافات العلمية إلى منتجات صناعية، بفضل امتلاك الصين منظومة صناعية متكاملة وسوقًا تضم أكثر من 1.4 مليار مستهلك، ما يسمح بتحويل أي فكرة مبتكرة إلى صناعة عالمية خلال فترة زمنية قصيرة.
وأشار إلى أن الصناعات الصينية، وعلى رأسها السيارات الكهربائية والطاقة الجديدة، تستند إلى تطورات علمية حقيقية في مجالات البطاريات والمواد الجديدة والاتصالات، مؤكدًا أن تنافسية المنتجات الصينية لا تعتمد على الدعم الحكومي كما يروج البعض، بل على الابتكار والتقدم التكنولوجي.
وأوضح أن الصين عملت كذلك على بناء منظومة ابتكار متكاملة، من خلال إنشاء مراكز بحثية ومنشآت علمية كبرى، وتخريج نحو 7 ملايين طالب سنويًا في تخصصات العلوم والهندسة والزراعة والطب، إضافة إلى امتلاكها 24 تجمعًا ابتكاريًا ضمن أفضل 100 تجمع عالمي للعام الثالث على التوالي.
كما أكد أن بكين تواصل تطوير بيئة الابتكار عبر تعزيز حماية الملكية الفكرية، وتحسين آليات تقاسم المخاطر، وتقديم حوافز جديدة للابتكار، إلى جانب الاستثمار في شبكات الكهرباء الحديثة، وشبكات الحوسبة، والبنية التحتية الرقمية.
وتطرق رئيس الوزراء الصيني إلى ما وصفه بالجدل الدائر حول مفهوم “صدمة الصين 2.0”، مؤكدًا أن الواقع يشير إلى ظهور مفهوم جديد هو “فرصة الصين 2.0”، موضحًا أن الصين لم تعد تقدم للعالم فقط سوقًا استهلاكية ضخمة، وإنما أصبحت توفر أيضًا عوائد ابتكارية وتقنيات متقدمة وفرصًا استثمارية واسعة.
وأشار إلى أن عددًا متزايدًا من الشركات العالمية بات ينقل مراكز البحث والتطوير والمقار الإقليمية إلى الصين، في تحول من مفهوم “صنع في الصين” إلى “الابتكار في الصين”، موضحًا أنه تم تأسيس 14 ألف شركة أجنبية جديدة في قطاع البحث العلمي والخدمات التكنولوجية خلال عام 2025، بزيادة بلغت 27.2% مقارنة بالعام السابق.
وأضاف أن الصين تتبنى نهج الابتكار المفتوح، حيث تجاوزت عمليات تحميل نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر الصينية 10 مليارات تحميل حول العالم، كما فتحت منشآت الأبحاث الخاصة بالاندماج النووي والعلوم الكمية أمام الباحثين الدوليين، في حين تستعد محطة الفضاء الصينية لاستقبال رواد فضاء أجانب.
وأكد أن هذه الإنجازات تثبت أن التكنولوجيا الصينية لا تمثل تهديدًا للعالم، بل توفر فرصًا جديدة للتنمية المشتركة، خاصة للدول النامية.
وفي ختام كلمته، شدد لي تشيانغ على أن التعاون الدولي في مجال الابتكار أصبح ضرورة لمواجهة تباطؤ النمو العالمي، داعيًا إلى إزالة الحواجز أمام التعاون العلمي والتكنولوجي، وبناء اقتصاد عالمي أكثر انفتاحًا، وتعزيز الحوكمة الدولية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة بما يضمن استخدامها لخدمة البشرية.
كما دعا مجتمع الأعمال العالمي إلى الاستثمار في الصين وتعميق التعاون معها، مؤكدًا أن أبواب الصين ستظل مفتوحة على نحو أوسع، مع توسيع فرص دخول الأسواق، وتوفير معاملة متساوية للشركات الأجنبية، وتحسين بيئة الأعمال، بما يتيح للمستثمرين الاستفادة من الفرص التي يوفرها الاقتصاد الصيني والمشاركة في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا للجميع.






