05 - 07 - 2026

الجنازات التاريخية ودلالاتها | قراءة فى أكبر الجنازات تشييعاً عبر التاريخ حتى جنازة "خامنئى" بإيران

الجنازات التاريخية ودلالاتها | قراءة فى أكبر الجنازات تشييعاً عبر التاريخ حتى جنازة

أعاد مشهد انطلاق مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق للجمهورية الإسلامية الإيرانية "علي خامنئي" بعد أكثر من أربعة أشهر على اغتياله (28 فبراير2026 ) في الهجوم الأمريكى – الإسرائيلى على مقر إقامته بطهران، والتى ستستمر لمدة ستة أيام وسط توقع من السلطات الإيرانية بمشاركة ما بين 12 إلى 20 مليون شخص ، والتى يهدف صناع القرار فى إيران من خلال إقامتها إلى تثبيت مكانته أو مكانة المرشد الدينية بشكل عام، وكذلك استعراض القوة أمام خصوم الجمهورية الإسلامية وإظهار تأييد شعبي للنظام بعد الضربات التي تعرض لها.

أقول أعاد ذلك المشهد إلى ذهنى تلك الجنازات أو الجنائز التى شيعها الملايين من البشر عبر التاريخ؛ إذ شهدت البشرية على مر التاريخ جنازات مهيبة وضخمة، تكاد تكون خرجت في بعضها شعوباً بأكملها الى الشوارع لتودع شخصيات شهيرة، وقد حملت تلك الجنائز الكثير من الدلالات التاريخية ؛ إذ عكست الأثر العميق الذي تتركه الشخصيات في وجدان الشعوب، وشكلت مقياساً لمستوى التأثير (السياسي – الديني- الفني ... الخ) للشخصية المشيعة، كما كشفت مراسمها عن قيم المجتمعات ومدى تمسكها بما تعتقده.

وبغض النظر عن نتيجة التجربة الإيرانية الحالية، والتى لا نعلم تحديداً ما ستنتهى إليه وهل ستحقق المرجو منها بالنسبة للقيادة الإيرانية أم لا، لأنها لم تنته بعد، فإن تلك الظاهرة وجدت تاريخياً وتنوعت الشخصيات التى سجلت جنازاتها أرقاماً قياسية من المشيعين ما بين شخصيات (سياسية ، ودينية ، وفنية ، وعامة) ، وإن كانت الغلبة حتى الأن للشخصيات السياسية على حساب الشخصيات الأخرى.

ومثلما تنوعت الشخصيات تنوعت معها الدلالات التى عكستها عبر التاريخ، ومن تلك الدلالات: التأثير الشعبي والسياسي، ومثلتها جنازة "سي إن أنادوراي" عام 1969م  بولاية "تاميل نادو" في الهند، والتى سجلت كأكبر جنازة في التاريخ بحضور نحو خمسة عشر مليون شخص، وقد عكست الولاء والانتماء الإقليمي والسياسي العميق في الثقافة الهندية، كما مثلتها أيضاً جنازة الإمام "الخميني" بإيران عام 1989م وهو أول مرشد أعلى للثورة الإسلامية الإيرانية التى قامت عام1979م ، والتى قدر عدد من حضرها  بنحو عشرة ملايين ومائتى الف شخص، وجاءت جنازته كأكبر جنازة في إيران ؛ إذ قدر من حضر بما يقارب سدس سكان البلاد، وقد عكست أو عبرت عن قوة الارتباط بين القاعدة الشعبية والقيادة الدينية والسياسية للثورة الإيرانية.

ومن ذلك النوع أيضاً جنازة الرئيس المصرى "جمال عبد الناصر" عام 1970م ، والتى شهدت خلالها القاهرة خروج ما بين خمسة إلى سبعة ملايين شخص في مشهد وُصف بـ "العظيم" (وتصل بعض التقديرات إلى رقم 30 مليون مشيع من من بينهم جميع رؤساء دول الوطن العربي)، كما قدر عدد متابعيها عبر التليفزيون بـــ ثلاثمائة وخمسون مليون شخص حول العالم. مما يعكس أو يرمز إلى قوة المد القومي العربي وحالة الزعيم الملهم التي تجاوزت حدود مصر، وكذلك جنازة المهاتما "غاندي" بالهند عام 1948م ، والتى شارك فيها نحو مليوني هندي، كما شارك أكثر من ثلاثة ملايين في مراسم حرقه، مما يعكس ايضاً الثقافة الهندية.

ومن دلالات تلك الجنازات أيضاً دلالات الرمزية الثقافية فى الفن والرياضة والأدب ومثلتها - على سبيل المثال - جنازة كوكب الشرق "أم كلثوم" بمصرنا الحبيبة عام 1975م ؛ ذلك أن ملايين المشيعين الذين قدر عددهم فى بعض الروايات بأكثر من أربعة ملايين شخص جاءوا من كل مكان في مصر، وانطلقوا من مسجد "عمر مكرم " في ميدان التحرير وسط نحيب وبكاء كبير، مما يعكس أو يدل على قوة الفن الراقي في توحيد صفوف الشعوب وقدرته على صناعة مكانة تتفوق أحياناً على السياسيين، كما مثلتها أيضاً جنازة "آيرتون سينا " بالبرازيل عام 1994م ، وهو ذلك البطل البرازيلى فى مجال سباق السيارات الذى لقى حتفه بعد اصطدام سيارته أثناء استحواذه على المركز الأول بحلبة الجائزة الكبير بــ "سارمارينو" ، والتى خرج نحو ثلاثة ملايين شخص لتشييعه، وامتلأت بهم الشوارع من الجانبين، وأقامت الطائرات عرضاً جوياً تقديراً له، مما يعكس مدى التقديس الرياضي للأبطال القوميين كرمز للفخر الوطني، وهناك أيضاً جنازة المطرب الامريكى "مايكل جاكسون" عام 2009م ، وهى تلك الجنازة التى أغلقت الطرق في لوس أنجلوس، والتى قدر عدد الذين اصطفوا لتقديم العزاء فيها بقرابة المليون شخص، وكذلك جنازة الأديب والشاعر الفرنسى " فيكتور هوجو" عام  1885م، والذى شيع جنازتة قرابه ثلاثة  ملايين شخص.

ومن بين دلالات تلك الجنائز كذلك دلالة الطقوس والمراسم ومكانة الدولة، ومثلتها جنازة "الملكة إليزابيث الثانية" ببريطانيا عام 2022م، والتى شهدت مشاركة ملوك ورؤساء العالم وظلت مراسمها لمدة عشرة أيام ، لتبرز أهمية التقاليد الملكية العريقة في بريطانيا واستمرارية المؤسسات الدستورية ، وقبلها كانت أيضاً جنازة الأميرة "ديانا" التى شيعها أكثر من ثلاثة ملايين محب، والتى رحلت إثر حادث تصادم عام 1997م ، وتبع جنازتها أكثر من مليوني شخص، وكذلك جنازة البابا "يوحنا بولس الثاني" بابا الفاتيكان عام 2005م والتى تجاوز عدد الحاضرين أربعة ملايين شخص بالإضافة إلى مشاركة واسعة من مختلف الديانات والمذاهب، واتسمت بالحضور الشعبي والرسمي ؛ إذ حضر جنازته أربعة ملوك وخمس ملكات، وما لا يقل عن سبعين رئيس جمهورية ورئيس وزراء ، مما  أكد على المكانة الروحية والدبلوماسية العالمية للفاتيكان .

هكذا يرى الكثيرين أنه إذا كان من المؤسف سماع نبأ وفاة أحد هؤلاء الزعماء والمحبوبين سالفى الذكر، إلا أن جنازات بعضهم قد زادتهم شهرة على شهرتهم، بسبب ضخامة الحشود التي خرجت لتشييع جثامينهم.
--------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد


مقالات اخرى للكاتب

الجنازات التاريخية ودلالاتها | قراءة فى أكبر الجنازات تشييعاً عبر التاريخ حتى جنازة