اعتبر نفسي قارئا محترفا، على الأقل بحكم عملي سواء في مجال الصحافة أو في مجال البحث، وانشغلت منذ سنوات مبكرة، وتحديداً في بداية حياتي المهنية بعد تخرجي بسنوات قليلة بأساليب القراءة وتقنياتها. علاقتي بالقراءة بدأت في سن مبكرة للغاية..
انتمي لأسرة من الأسر المتوسطة الحال. كنا نعيش في مدينة صغيرة في محافظة الشرقية، حيث كانت القراءة تنحصر أساسا في الجريدة اليومية، ويتوزع القراء حسب ميولهم بين ثلاث صحف كبرى هي الأهرام والأخبار والجمهورية، وقلما وصل إلى بيتنا كتاب، لكني تمكنت من القراءة اعتمادا على الكتب الخاصة للأستاذ جورج غطاس المحامي، وكان ابنه عماد زميل دراسة لي وكانت تربطني صداقة معه ومع أخيه، الذي يكبره بعامين، ميلاد، وكنت أتردد على منزلهم، وكانت والدتهما تعاملي معاملة الأبناء وكذلك الحال مع عماد عندما يزورنا، وأحيانا كان أخوه يحضر معه. سمح لي والدهما الأستاذ جورج باستعارة كتب من مكتبه الخاصة لقراءتها وإعادتها. أذكر أن من أولى الكتب كان كتاب للأستاذ عباس محمود العقاد بعنوان "الجريمة والعقاب"، والعبقريات. وقرأت مبكراً كتاب بعنوان "جواسيس وخونة"، يتضمن قصصا لأشهر الجواسيس في فترة الحرب العالمية الثانية، وأثار هذا الكتاب تحديدا اهتماما لدي بالمعرفة أكثر عن الشؤون الدولية وعن الصراع الدولي ومسألتي الحرب والسلام، وربما بسببه اخترت مبكرا أن أدرس العلوم السياسية وأن أخطط جيدا لتحقيق هذا الهدف.
كانت هناك مصادر أخرى متاحة للقراءة في محيط العائلة، من بينها مكتبة جدي لوالدتي الشيخ أحمد مصطفى خليل، وكنت أقضي معظم العطلة الصيفية في بيته في دقادوس مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، وكان اليوم موزعا في تلك الفترة بين صيد السمك والقراءة والسمر، الذي لم يخل من نقاشات استفدت منها كثيرا. ثمة مصدر ثالث هو الكتب التي كانت مقررة علينا في فترة الدراسة. توسع الأمر كثيرا مع بداية دراستي الجامعية، حيث بدأ تعاملي الممنهج مع الكتب والمكتبات. القراءة في تلك الفترة كانت قراءة على طريقة المذاكرة والاستذكار والاطلاع بقصد المعرفة، لكن إحساسي دائما أنها كانت محدودة بحدود الوقت المتاح والقدرة على الاستيعاب، صحيح أنني جاهدت من أجل التغلب على مشكلة القراءة بلغة أخرى غير العربية، وكانت الإنجليزية هي الأقرب نظرا للتراكم الذي تحقق من خلال دراسة الإنجليزية كلغة ثانية في المرحلة الإعدادية، لم يكن يُدرس سوى اللغة العربية في المدارس الابتدائية في ذلك الوقت، واعتمدت في برنامجي لتعلم الإنجليزية على قسم الكتب الإنجليزية في مكتبة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ووضعت برنامجا للتعلم الذاتي وبدأ الأمر يتطور شيئا فشيئا بالدراسة من خلال التراكم وتعلم مهارات الكتابة.
في تلك الفترة في بداية ثمانينات القرن الماضي كنت أشعر بفارق كبير بين المكتبة العربية والمكتبة الإنجليزية في الكلية. وبعد تخرجي، اتيحت لي فرصة حضور دورة تدريبية كان ينظمها مركز البحوث والدراسات السياسية بالكلية الذي أسسه الأستاذ الدكتور علي الدين هلال، عميد العلوم السياسية وأبرز أساتذتها الكبار في مصر وفي العالم العربي. كان ذلك في مطلع التسعينات. في سياق هذه الدورة جرى تنظيم جولة للدارسين في مكتبة الجامعة الأمريكية في القاهرة اكتشفت خلالها الفارق بين طرق التدريس والتدريب الأكاديمي فيها وفي كلياتنا وجامعتنا. ما لفت انتباهي حقا هي كيف أن المعرفة وتحصيلها عندهم ليست أمر متروكا للصدفة وللاجتهاد الشخصي للطالب أو الدارس أو الباحث. وظلت ترن في أذني لسنوات ما قالته أستاذة المكتبات قبل أن نبدأ جولتنا في المكتبة حول أن الفارق بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات الأقل تقدمًا، إنما يكمن في التراكم، قانون التراكم هذا الذي كشفه كارل ماركس في كتاب "رأس المال" لا يعمل فقط في مجال الاقتصاد وإنما يعمل أكثر في مجال المعرفة والبحث العلمي.
في تلك المرحلة المبكرة لم يكن العالم قد عرف حالة الانفجار المعرفي التي عرفها مع ثورة الانترنت والتقدم المذهل الذي يحدث بوتيرة متسارعة في مجال الكمبيوتر والاتصالات، وبداية ظهور المكتبات الرقمية. اليوم، عندما أغوص في تلك المكتبات وقواعد البيانات ومصادر المعلومات أشعر بما يعنيه أننا دخلنا في عصر البيانات الكبيرة وتعلم الآلة والذكاء الاصطناعي، وما يفرضه من تحديات دفعت بعض المفكرين والدارسين إلى الحديث عن "مستقبلنا ما بعد البشري"، وكيف أن الآلة أصبحت شريكا للإنسان في اتخاذ قرارات مصيرية في كافة المجالات، وأدرك الفارق الكبير الذي حدث وتأثيرات هذه الثورات المتلاحقة والمتسارعة على المعرفة والبحث. هناك قدر هائل من البيانات والمعلومات والمعرفة التي يتعين معها أن نعرف كيف نستفيد منها ونوظفها كي لا نغرق ونتشتت.
هناك ثلاثة أمور تساعد على ذلك، الأمر الأول اكتشفته مبكراً وهو أن الكتب أيضا تعمل بموجب "قانون النقود والبنوك"، فالكتاب مثل العملة تزداد قيمته بتداوله، فالكتاب قيمته في تداوله، وقيمة هذا التداول تتعاظم بما يثيره النقاش حول الكتاب أو موضوعه، هذا هو المنطق في قاعات القراءة والبحث، وهذا يعني أن البشر وما يحملونه من أفكار وتصورات لا يزالون هم الأساس ليس فقط في إنتاج الكتب وإنما أيضا كقراء يتفاعلون معها.
الأمر الثاني، أن الانشغال بالواقع الذي نعيش فيه وقضاياه وأزماته يظل هو الهدف الأساسي من عملية القراءة، فالكتب والدراسات تعيننا على معرفة هذا الواقع معرفة منظمة، والكشف عن القوانين الحاكمة لتفاعلاته وتطوره والتعامل معه بطريقة منهجية ومنظمة بعيدا عن الانطباعات والعشوائية.
الأمر الثالث، وهو ليس سراً، لكن كثيرا من الناس لا يلتفتون إليه، وهو مقدمة الكتب، لاسيما الكتب المنهجية، وما تحتويه تلك المقدمات من كنوز لتطوير المعرفة والبحث وتفرعاتهما. أقدم مثلاً لذلك، من مقدمة كتاب شهير في العلاقات الدولية، هو كتاب الأستاذ جون ميرشايمر بعنوان "لماذا يكذب القادة؟"، وغيره من مقدمات الكتب، التي تطلعنا على موضوع الكتاب وكيف تتطورت منهجيته والأسئلة والقضايا التي يطرحها، وتغني بعض المقدمات عن قراءة الكتاب كاملاً، إذا تضمنت عرضا لفصوله وتكملها قراءة الخاتمة وترشدنا إلى ما يتناوله كل فصل إذا أردنا الاستزادة. وهنا يجب التمييز بين الاطلاع على الكتاب وقراءته والإطلاع قد يكون كافيا للمعرفة بموضوعه.
من يقرأ مقدمة كتاب "لماذا يكذب القادة؟"، يعرف كيف تطور التفكير في موضوعه لدى عالم السياسة وأستاذ العلاقات الدولية الكبير وفق القواعد التي أشرت إليها للتو. الموضوع بدأ بسؤال طرحه صحفي ولقاء صحفي ثم تطور إلى محاضرة أثارت نقاشا وكشفت اهتماما كبيرا بالموضوع لدى الجمهور العام، وطرح إشكاليات جرى التطرق إليها في محاضرات ودراسات وتعليقات ونقاشات، وتراكم مع كل هذا قدر هائل من البيانات والمعرفة حتى وصلنا إلى كتاب يُعد من الكتب المهمة في العلاقات الدولية يحمل أفكارا وتأملات في مسألة الكذب ومعناه ومحاولة لتفسير ظاهرة لم تلفت انتباه عالم السياسة الكبير لولا سؤال الصحفي.
كل هذا يؤكد حقائق ننساها غالبا في مجتمعاتنا، وهي أن الكتب تنتعش في بيئة من النقاش النقدي الحر، وقيمتها تتحدد في ضوء الواقع وما يطرحه من مشكلات وأزمات، ثانيا أن تأليف ونشر الكتب هي صناعة تتضافر فيها العديد من الموارد والأصول وهي نتاج لتراكم معرفي، لا يتجاوز حدود انشغالنا به الجانب الأكاديمي. نحن في حاجة لإطلاق العديد من المنتديات للتدريب على طرق القراءة السريعة والاطلاع المنهجي على الإنتاج المعرفي في العالم وفي بلادنا والبناء عليه والاشتباك النقدي معه. المهم أن ننمي عادة القراءة للمعرفة والتعلم والمتعة عبر سلسلة من المبادرات على كافة المستويات وللجمعيات الأهلية والنوادي دور كبير في هذا الصدد من خلال مسابقات القراءة والبحث. أمامنا تحد كبير للانتقال إلى مجتمع المعرفة ولا بد من اجتيازه لكي يكون لنا مكان في المستقبل.
-------------------------------
بقلم: أشرف راضي






