في الليلة الماضية، لم يكن المشهد الأكثر إثارة هو الهدف، ولا ركلات الترجيح، ولا صافرة النهاية.
المشهد الحقيقي كان في البيوت.
أم لم تحفظ أسماء اللاعبين يوماً، وقفت تزغرد من شرفة منزلها.. طفلة أمسكت بالألوان ورسمت علم مصر.. شباب لا يعرف بعضهم بعضاً تعانقوا في الشوارع.. وعلى مواقع التواصل، اختفت الأغاني المعتادة، وحلت محلها أغاني الوطن.
فهل كانت كل هذه الملايين تحتفل بكرة القدم؟
ربما لا.
حين يلعب المنتخب المصري، تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة.. تصبح واحدة من آخر المساحات التي يشعر فيها ملايين المصريين أنهم قلب واحد، وتذوب فيها الفوارق: الغني والفقير، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، ومن يعشق الكرة ومن لا يعرف عنها شيئاً. الجميع يصبح مشجعاً لشيء أكبر من النادي واللاعبين، يصبح مشجعاً لاسم مصر.
ولهذا كانت كرة القدم مجرد المناسبة، أما ما احتفل به المصريون فكان شيئاً أعمق بكثير: شعوراً نادراً بأنهم، ولو لساعات قليلة، ينتمون إلى شيء واحد.
يصف عالم الاجتماع إميل دوركايم هذه اللحظات بما يعرف بـ"الوهج الجمعي"، وهي الحالة التي يشعر فيها الناس بأنهم جزء من كيان أكبر منهم، فتتوحد مشاعرهم وتذوب الفوارق بينهم. في تلك اللحظة لا يعود السؤال: "هل أفهم كرة القدم؟"، بل يصبح: "هل هذا الانتصار يحمل اسمي أيضاً؟".
ولهذا زغردت الأم.
لم تكن تعرف كيف يحتسب التسلل، ولا لماذا احتسب الحكم ركلة جزاء، لكنها كانت تعرف شيئاً واحداً: أن اسم مصر انتصر.
وأحياناً، لا تحتاج القلوب إلى أن تفهم تفاصيل اللعبة، يكفيها أن تشعر بأن الوطن هو من فاز.
ورسمت الطفلة العلم، لأنها فهمت بالفطرة ما قد تعجز الكلمات عن شرحه: أن هناك لحظات يصبح فيها الوطن شعوراً يرى ولا يقال.
وهذا يفسر أيضاً لماذا امتلأت مواقع التواصل بأغاني الوطن.. ففي لحظات الفرح الجماعي، يبحث الناس عن أكثر الرموز قدرة على التعبير عن هويتهم، فلا يجدون أصدق من العلم، ولا أقرب من أغنية تحمل اسم الوطن.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا فرح المصريون؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا كانت هذه الفرحة بهذا الحجم؟
لأن الإنسان لا يعيش على إنجازاته الفردية وحدها.. يحتاج، بين حين وآخر، إلى لحظة يشعر فيها أن نجاحاً ما يخصه، حتى وإن لم يشارك في صنعه. يحتاج إلى ما يذكره بأنه ليس وحده، وأن هناك ملايين القلوب تنبض بالإيقاع نفسه.
ولهذا كانت الفرحة أكبر من مباراة.
كانت لحظة نادرة اختفت فيها أسماء المحافظات، واختفت الانتماءات الصغيرة، ولم يبق إلا اسم واحد يردده الجميع: مصر.
لا أعلم إن كان مقدراً لنا أن نصل إلى أبعد من ذلك، وأتمنى من كل قلبي أن يحدث. لكنني أعلم أن ما حدث بالأمس كان انتصاراً من نوع آخر.
انتصاراً أعاد إلينا شعوراً نفتقده كثيراً؛ أن نفرح معاً، لا بجوار بعضنا فقط.
فالأمم لا تبنى بالاقتصاد والسياسة وحدهما، رغم أهميتهما الكبيرة، بل تبنى أيضاً بالذكريات المشتركة، واللحظات التي يشعر فيها الملايين أنهم يروون القصة نفسها، ويهتفون للهتاف نفسه، ويحلمون بالحلم نفسه.
قد تنتهي البطولة، وقد تتغير النتائج، وقد تُنسى تفاصيل المباراة بعد سنوات...
لكن سيبقى في الذاكرة أن هناك ليلة خرجت فيها أم لا تعرف شيئاً عن كرة القدم لتزغرد، ورسمت طفلة علم مصر قبل أن تتعلم أسماء اللاعبين، وشعر ملايين المصريين، ولو للحظات، أن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل شعور يوقظه أحياناً هدف، ويحييه دائماً اسم مصر.
-----------------------------------
بقلم: أسماء حامد






