03 - 07 - 2026

الدبلوماسية الثقافية وإدارة السردية الرقمية في التحضير لتشييع القائد الشهيد

الدبلوماسية الثقافية وإدارة السردية الرقمية في التحضير لتشييع القائد الشهيد

يُنتظر أن يشكّل تشييع القائد الشهيد علي خامنئي حدثاً ذا كثافة رمزية وسياسية تتجاوز البعد البروتوكولي للمناسبة. فمثل هذا الحدث لا يرتبط بإدارة المراسم من الناحية التنظيمية فحسب، بل يستدعي أيضاً إعداداً ثقافياً وإعلامياً قادراً على تفسير دلالاته أمام الداخل الإيراني، والجمهور العربي والإسلامي، والرأي العام الدولي غير العربي. ومن هذا المنظور، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، بوصفها إحدى المؤسسات المعنية بالدبلوماسية الثقافية وبإدارة التواصل الرمزي بين إيران ودوائرها الإقليمية والدولية.

لا يتمثل الدور المركزي للمنظمة في إدارة الجوانب التنفيذية للمراسم، بل في تهيئة المجال الثقافي والإعلامي المحيط بها. فالحدث، بحكم طبيعته، سيخضع لتأويلات متعددة: داخلية، وإقليمية، ودولية. ومن ثمّ تصبح مهمة التأطير الثقافي ضرورية لمنع اختزال التشييع في مشهد حزن سياسي، وتقديمه بوصفه لحظة تعبير عن الاستمرارية المؤسسية، والتماسك الاجتماعي، وحضور البعد الديني والرمزي في الوعي السياسي الإيراني.

ضمن هذا السياق، تبدو إدارة الإعلام والفضاء الافتراضي في المنظمة ذات أهمية خاصة. فالمجال الرقمي لم يعد وسيطاً ثانوياً في نقل الأحداث الكبرى، بل أصبح ساحة أساسية في تشكيل الانطباع العام وصناعة المعنى. لذلك، فإن التحضير الإعلامي للمناسبة يفترض صياغة خطاب متزن، متعدد اللغات، ومناسب لطبيعة كل جمهور مستهدف؛ سواء كان جمهوراً عربياً يتابع الشأن الإيراني من زوايا سياسية ودينية وحضارية، أو جمهوراً غير عربي ينظر إلى الحدث من منظور الاستقرار الإقليمي، والدولة، والقيادة، والقوة الناعمة.

يمكن تحديد أهمية هذا الدور في ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو إنتاج سردية تفسيرية تساعد المتلقي، أياً كانت خلفيته اللغوية أو الثقافية، على فهم التشييع في سياقه الإيراني والإسلامي والسياسي، بعيداً عن القراءة الانفعالية أو الأمنية الضيقة. والمستوى الثاني هو إعداد محتوى إعلامي قابل للتداول، يراعي خصوصية المنصات الرقمية وسرعة انتشار الرسائل البصرية والمكتوبة. أما المستوى الثالث فيتعلق بإدارة الخطاب الخارجي، بحيث لا تُترك المناسبة مفتوحة أمام التأويلات المعادية أو القراءات التي تسعى إلى تفكيك دلالتها السياسية والاجتماعية.

إن مخاطبة الجمهور الخارجي في هذه المناسبة تحتاج إلى حساسية خاصة. فالجمهور العربي والإسلامي يمكن مخاطبته عبر مفردات الذاكرة الدينية، والروابط الحضارية، والاستقلال، والمقاومة، والكرامة. أما الجمهور غير العربي فيحتاج إلى لغة أكثر تفسيرية وهدوءاً، تشرح طبيعة الحدث بوصفه لحظة وطنية كبرى، وتبرز قدرة المجتمع الإيراني على إدارة لحظة انتقال رمزية من خلال الحضور الشعبي، والانضباط المؤسسي، واستمرار الدولة. لذلك، فإن الخطاب الخارجي ينبغي أن يتجنب النبرة التعبوية المباشرة، وأن يركز بدلاً من ذلك على الدلالات الأوسع للحدث: رمزية القيادة، تماسك المجتمع، استمرارية المؤسسات، والبعد الثقافي في لحظات الفقد والتحول.

تستطيع منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، بحكم شبكتها الثقافية خارج إيران وعلاقاتها مع النخب الدينية والفكرية والإعلامية، أن تسهم في تحويل المناسبة إلى خطاب مفهوم خارجياً. وهذا لا يعني تصدير خطاب أحادي، بل بناء لغة تفسيرية تسمح للمتلقي العربي وغير العربي بأن يقرأ الحدث من داخله، لا من خلال الصور المجتزأة أو السرديات المنافسة. فالدبلوماسية الثقافية في مثل هذه اللحظات لا تعمل على تزيين الحدث، بل على تنظيم معناه وتقديمه في سياق تاريخي وسياسي قابل للفهم.

من الناحية المهنية، ينبغي أن تقوم إدارة الإعلام والفضاء الافتراضي على مجموعة من المبادئ: وضوح الرسالة، دقة المصطلحات، الانضباط البصري، تعدد اللغات، وتجنب المبالغة اللفظية. كما أن التنسيق بين المحتوى النصي والمرئي ضروري لإنتاج صورة متماسكة عن المناسبة. فالمحتوى القصير، والترجمات العربية والإنجليزية وغيرها من اللغات، والمواد التعريفية، والتحليلات الموجزة، والمقاطع القابلة للنشر، كلها أدوات يمكن أن تساعد في بناء حضور رقمي فعّال دون الوقوع في الخطاب الدعائي المباشر.

تكتسب هذه المهمة أهمية إضافية لأن التشييع المرتقب لن يكون حدثاً داخلياً معزولاً. فالعواصم الإقليمية والدولية، ووسائل الإعلام العربية وغير العربية، ومنصات التواصل، والنخب السياسية والدينية والثقافية، ستتعامل معه بوصفه مؤشراً على طبيعة المجتمع الإيراني وقدرته على إدارة لحظة رمزية كبرى. وهنا يصبح الأداء الإعلامي جزءاً من إدارة القوة الناعمة للدولة، لا مجرد نشاط اتصالي مرافق للمراسم.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية مدعوة إلى أداء دور مركب في مرحلة التحضير: دور ثقافي يضع الحدث في سياقه الحضاري، ودور إعلامي يضبط لغته وصورته، ودور رقمي يحميه

من التشويه والاختزال، ودور خارجي يربطه بالجمهور العربي والإسلامي والدولي بلغة هادئة ومفهومة. ومن خلال هذا الدور، يمكن أن تتحول المناسبة من حدث وطني شديد الخصوصية إلى رسالة ثقافية وسياسية ذات قابلية للفهم خارج الحدود الإيرانية.

إن نجاح التحضير لهذا التشييع لن يُقاس فقط بحجم الحضور أو كثافة التغطية، بل بقدرة المؤسسات المعنية على إدارة المعنى العام للمناسبة. وفي هذا الإطار، تمثل منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، ولا سيما إدارة الإعلام والفضاء الافتراضي فيها، إحدى الأدوات المهمة في بناء سردية مسؤولة، تجمع بين البعد الوطني الإيراني، والامتداد الإسلامي، والحضور الإقليمي والدولي، دون الوقوع في التكرار أو المبالغة أو الخطاب المباشر.

-----------------------------
د. أمینة سليماني
* صحفية إيرانية