04 - 07 - 2026

سلوى بكر وجائزة البريكس وقوة مصر الناعمة

سلوى بكر وجائزة البريكس وقوة مصر الناعمة

عندما فكر الزملاء في "مبادرة النهوض بقوى مصر الناعمة"، في تنظيم احتفال بفوز الأديبة المصرية سلوى بكر بأول جائزة ثقافية يطلقها تجمع دول البريكس، لم تشغلنا كثيرا مسألة موعد ذلك الاحتفال وإنما انشغلنا أكثر بدلالته والرسالة التي تريد المبادرة إبلاغها للمعنيين بالشأن الثقافي في مصر. لم تكن الاحتفالية التي نظمتها المبادرة واستضافها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي في مقره الجديد، الاحتفالية الوحيدة. ففوز الأديبة الكبيرة والمثقفة المبدعة سلوى بكر بهذه الجائزة وحيثيات هذا القوز المستحق، حدث جدير بأن تحتفل به العديد من المؤسسات والهيئات والفاعليات والمبادرات الثقافة في مصر، وربما في العالم العربي، ويستحق أن تُقام له العديد من الاحتفالات وأن يكون محفزاً لضرورة الاهتمام بملف الثقافة والإبداع، باعتباره ركيزة أساسية للقوة الناعمة لأي دولة أو مجتمع. 

وقد نظم بالفعل عدد من الاحتفالات بهذا الحدث، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير الماضي، بعد أسابيع من إعلان الجائزة، كما احتفلت وزارة الثقافة المصرية بفوز الأديبة الكبيرة بجائزة البريكس الذي جاء بعد عامين من حصولها على جائزة الدولة التقديرية في الأدب. واحتفل بفوزها العديد من المنتديات والصالونات الأدبية والثقافية في مصر. وسط هذه الاحتفالات، كان السؤال ماذا يمكن أن تضيف احتفالية تنظمها المبادرة، التي شاركت الأديبة الكبيرة في تدشينها وكانت لها مساهمة بارزة في أول فاعلية للمبادرة في مناقشة ملف "الكتاب والنشر"، من خلال الندوة التعريفية الأولى في أغسطس 2024، وكانت مساهمة في ملف الأدب والقصة في أكتوبر 2024؟ 

الإجابة على هذا السؤال جاءت في فقرات الحفل الذي أقيم مساء الخميس 2 يوليو، من خلال كلمات المشاركين، وفي الكلمة التي ألقتها الأستاذة سلوى بكر. القاسم المشترك بين هذه الكلمات هو تأكيد محورية الثقافة لأي مجتمع وأي دولة. بالنسبة لنا في المبادرة، كان فوز سلوى بكر بجائزة البريكس الثقافية تأكيد لما خلصنا إليه في الندوة التعريفية الثانية عن حالة الإبداع الأدبي القصصي والروائي في مصر، وهو من أقوى ملفات الثقافة المصرية من حيث استمراريته وإنتاجه وتعاقب أجياله.

كما كان فوز سلوى بكر بالجائزة تأكيد للدور الذي يلعبه الأدب في التعبير على ثقافة المجتمع، وهو معيار أساسي أشارت له النائبة ضحى عاصي، عضو لجنة الثقافة والفنون بمجلس النواب المصري، وعضو مجلس أمناء جائزة البريكس الثقافية والتي اقترحت تدشين الجائزة في اجتماع بين برلمانيين من دول البريكس لإنشاء مجلس للثقافة للمجموعة، والتي قامت بترشيح أديبات وأدباء من مصر للجائزة استنادا إلى هذا المعيار وصل ثلاثة منهم إلى القائمة القصيرة للأعمال الفائزة. وفوز سلوى بكر بالجائز تأكيد بأن إبداعها الأدبي في القصة القصيرة والرواية يمس قضايا في صميم الثقافة المصرية. وهو أمر أوضحه الناقد الكبير شعبان يوسف، شيخ مؤرخي الثقافة في مصر ومؤسس ورشة الزيتون، الذي يعد أحد المنابر الأساسية في الإبداع الأدبي والنقدي في مصر، الذي أشار إلى ارتباط مشروع سلوى بكر الأدبي بالسياق السياسي والفكري في مصر وارتباط مشروع سلوى بكر الأدبي بنشاطها السياسي ومشروعها الفكري المدافع عن خصوبة الثقافة المصرية في مواجهة التصحر والتي تنبه إلى ما تتعرض له الثقافة في مصر من تجريف.

بين الثقافة والسياسة

الرسالة الأساسية في هذه الاحتفالية، جاءت في كلمة الأستاذة سلوى بكر، التي رأت في الاحتفالية وانعقادها في مقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي مناسبة للتذكير بالدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة في فعالية الأحزاب السياسية، التي تفتقر جميعا إلى الخيال السياسي المبدع. وأشارت إلى النقلة التي يمكن أن يحدثها اهتمام الأحزاب السياسية بملف الثقافة والفنون، وهو ملف غائب عن أنشطة الأحزاب السياسية المصرية، التي لا تزال في حالة خصام مع الثقافة والنشاط الثقافي، رغم محورية الثقافة في أي عمل حزبي. لم تكتف الأديبة الكبيرة بالنقد، وإنما حرصت على تقديم أفكار ثرية وعملية لما يمكن أن تقدمه الأحزاب السياسية من أنشطة فنية وفكرية وثقافية، منبهة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأنشطة والفعاليات في تنشيط الأحزاب، وفي جذب أجيال جديدة للنشاط الحزبي والسياسي. وعبرت الأديبة الكبيرة عن أسفها لغياب ملف الثقافة والإبداع عن نشاط الأحزاب المصرية جميعها، سواء كانت موالية أم معارضة، وأشارت إلى أن هذا الغياب سبب رئيسي في جفاف وجدب الحياة السياسية في مصر، وافتقارها إلى أي خيال أو إبداع.

النقطة الثانية التي أشارت لها الأستاذة سلوى بكر في كلمتها تخص دلالة جائزة البريكس نفسها، لاسيما فيما يخص مسألة المركزية الثقافية الأوروبية. فتجمع دول البريكس الذي يضم دولاً من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ويضم ثقافات كبرى في العالم، يؤكد واقع التنوع الثقافي في العالم تعبر عنه هذه الدول التي ينتمي معظمها لما يعرف بالجنوب العالمي، الذي تجمعه خبرة مشتركة في مشروع التحرر الوطني والثقافي وتأكيد هوياته المتمايزة وتنوعها الثقافي، وهو تنوع يعطي لهذا التجمع أبعادا أعمق فيما يخص التفاعل والحوار بين الثقافات ويقدم تجربة مغايرة للتجربة الأوروبية في المجال الثقافي والسياسي.

النقطة الثالثة، ركزت على الدور الذي تلعبه المبادرات والمجتمع الأهلي في النهضة الوطنية، مشيرة إلى أن مصر صاحبة خبرة كبيرة في مجال النشاط الأهلي، الذي لعب دورا كبيرا في نهضتها الفكرية والثقافية والتعليمية بجهود مصرية وبأموال مصرية وأننا في غنى عن المنح الأجنبية، ونوهت بشكل خاصة إلى نشأة الجامعة الأهلية المصرية، التي أصبحت فيما جامعة فؤاد الأول، ثم جامعة القاهرة، والتي نشأت باكتتاب أهلي وتبرعت الأميرة فاطمة بالأرض التي أقيمت عليها الجامعة التي ظلت لعقود منارة تعليمية وأكاديمية في مصر والعالم العربي. 

والاحتفالية والكلمات التي ألقيت فيها من المشاركين كانت غنية بالأفكار والاقتراحات، وهي بلا شك نقطة انطلاق جديدة في مسيرة مبادرة النهوض بقوى مصر الناعمة إذ تقدم خطة وبرنامج يمكن للمبادرة أن تنشغل به في الفترة المقبلة. فاحتفالية المبادرة تميز عن الاحتفالات الأخرى بفوز الأدب المصري، ممثلا في إبداع سلوى بكر، بأولى جوائز البريكس الثقافية، بأنه كان بمثابة تأكيد للالتزام وتجديد للمبادرة ونشاطها.  
--------------------------------------
بقلم: أشرف راضي

   

مقالات اخرى للكاتب

سلوى بكر وجائزة البريكس وقوة مصر الناعمة