02 - 07 - 2026

أيهما انتصر في المعركة.. الكرسي أم صاحبه؟

أيهما انتصر في المعركة.. الكرسي أم صاحبه؟

منذ أيام، وبينما كنت في طريقي إلى العمل داخل أحد الأتوبيسات المزدحمة، شهدت موقفًا بدا في بدايته عابرًا، ثم تحول في دقائق قليلة إلى مشهد يستحق التأمل أكثر مما يستحق الحكاية.

بدأ الأمر بعتاب بسيط بين رجلين، كلاهما تجاوز من العمر ما يكفي ليمنحه هدوءًا وخبرة بالحياة ، كان الخلاف على مقعد شاغر، كل منهما يرى أنه الأحق بالجلوس عليه ، لم يكن المقعد في ذاته يساوي شيئًا، لكنه فجأة أصبح ساحة معركة صغيرة، وراح كل طرف يدافع عن حقه بكل ما يملك من كلمات وانفعال.

ارتفعت الأصوات، وتطايرت العبارات كأنها سهام خرجت من أقواسها، ولم يعد أحدهما يحاول أن يفهم الآخر، بل صار هم كل واحد منهما أن ينتصر عليه ، كان المشهد مرهقًا للنفس أكثر مما كان صاخبًا للأذن.

وفجأة، ودون مقدمات، حمل أحد الرجلين حقيبته، واتجه نحو باب الأتوبيس، ونزل قبل أن يصل إلى وجهته. لم يغادر لأنه اقتنع بأنه مخطئ، ولم ينسحب لأنه عجز عن مواصلة الجدال، وإنما بدا وكأنه اختار أن يغادر الضجيج كله ، أما الرجل الآخر فظل جالسًا على المقعد الذي دار حوله النزاع، يلتقط أنفاسه بعدما كسب المكان، لكنه – في ظني – خسر شيئًا أثمن من الكرسي؛ خسر سكينة قلبه.

حينها أدركت أن بعض الانتصارات باهظة الثمن، وأن الإنسان قد يربح الموقف كله، لكنه يخسر نفسه ، وقد يثبت أنه صاحب الحق، لكنه يدفع من راحته وصحته وأعصابه أكثر مما يستحق أي حق.

ولأول مرة وجدتني أتساءل: ماذا لو كنت أنا أحد طرفي هذا الموقف؟

أعرف يقينًا أنني لا أصلح للعداوات، ولا أجيد الخصومات، ولا أحتمل الأماكن المشحونة بالغضب، إلا إذا كان هناك خطر حقيقي يهددني أو يهدد من أحب ، ليس لأنني لا أرى الخطأ، ولا لأنني أبرر الإساءة، وإنما لأن قلبي لا يحتمل أن يحمل خصومة طويلًا.

لقد تعلمت مع الأيام أن الخصام لا يستنزف الكلمات فقط، بل يستنزف الروح أيضًا، وأن الكراهية لا تؤذي من نكرهه بقدر ما تؤذي القلب الذي تسكنه.

كم من مرة نام إنسان منتصرًا في جدال، لكنه لم ينم مرتاح البال؟ وكم من شخص تنازل عن كلمة كان يستطيع أن يقولها، ثم عاد إلى بيته بقلب خفيف، وكأنه ربح الدنيا كلها؟

وفي هذا يقول مولانا جلال الدين الرومي: "بالأمس كنت ذكيًا فأردت أن أغير العالم، واليوم أنا حكيم فأغير نفسي."

ولعل أعظم ما يغيره الإنسان في نفسه هو أن يتعلم ألا يسمح للإساءة بأن تتحول إلى حقد، ولا للخلاف بأن يصبح أسلوب حياة.

فالتسامح لا يعني أن الآخر كان على صواب، ولا يعني التنازل عن الحقوق، وإنما يعني أن القلب أكرم من أن يتحول إلى مستودع للمرارة، إننا نسامح أحيانًا لأننا نحب أنفسنا، ولأننا نرفض أن تبقى أرواحنا معلقة بلحظة مؤلمة صنعها غيرنا.

وليس كل انسحاب هزيمة، كما أن ليس كل انتصار نصرًا.

أحيانًا يكون الانسحاب هو قمة الحكمة، لأن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها أصلًا. هناك نقاشات إذا دخلتها خسرت هدوءك، حتى لو ربحت حجتك. وهناك أشخاص لا يريدون الحقيقة، وإنما يريدون الغلبة، ومن الحكمة ألا تمنحهم ما يريدون.

ولذلك قال الإمام الشافعي:

"إذا نطق السفيه فلا تجبه... فخير من إجابته السكوت."

ولم يكن يقصد الاستعلاء على الناس، وإنما حماية النفس من أن تهبط إلى مستوى لا يشبهها.

وأتذكر هنا ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: "أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس كلهم أنصار" ،  فالحلم ليس ضعفًا، بل قوة يملكها من استطاع أن ينتصر على غضبه قبل أن ينتصر على غيره.

لقد رأيت في حياتي أن أكثر الناس تعبًا هم أولئك الذين يحملون دفاتر طويلة يسجلون فيها إساءات الآخرين، بينما يعيش الأسعد منهم بقلب يعرف كيف يطوي الصفحات دون أن يمزقها، وكيف يتعلم من الألم دون أن يتحول هو نفسه إلى مصدر للألم.

أنا لا أجيد الخصام، وإذا آذاني أحد فقد أسامحه، وربما لا أخبره بذلك أبدًا ، أسامحه من أجلي قبل أن يكون من أجله ، أسامحه لأنني لا أريد أن أبقى سجينة لحظة مؤلمة، ثم أمضي في طريقي، تاركة ما كان وراء ظهري، فبعض الأشخاص لا يحتاجون إلى مواجهة، وإنما يحتاجون فقط إلى أن يصبحوا جزءًا من الماضي.

ولعل أجمل ما يمكن أن يحتفظ به الإنسان هو ذاكرة نظيفة، ليست الذاكرة التي تنسى كل شيء، فذلك مستحيل، وإنما الذاكرة التي تعرف ما الذي يستحق أن يبقى، وما الذي ينبغي أن يرحل. فالذكريات مثل الضيوف؛ منها ما يملأ البيت نورًا، ومنها ما يخنق الهواء، والحكيم هو من يعرف من يبقي ومن يودع.

وفي المقابل، فإن المعروف لا ينبغي أن ينسى أبدًا.

من أحسن إليّ بكلمة صادقة، أو وقف بجانبي في محنة، أو مد لي يدًا حين احتجتها، فإنني أرى ذلك دينًا في عنقي لا يسقط بتغير الأيام ولا باختلاف المواقف. قد تتبدل النفوس، وقد تتفرق الطرق، لكن الوفاء لا ينبغي أن يتغير ، فالوفاء ليس مكافأة للآخرين بقدر ما هو انعكاس لأخلاق صاحبه.

ولذلك قال مصطفى صادق الرافعي: "ليست الأخلاق أن تكون صالحًا فحسب، بل أن تكون صالحًا في عالم يمتلئ بما يدعوك إلى غير ذلك."

وأحسب أن هذه هي المعركة الحقيقية التي نخوضها كل يوم ، ليست معركتنا مع الناس بقدر ما هي مع أنفسنا؛ أن نحافظ على نقاء أرواحنا وسط هذا القدر الكبير من القسوة، وأن نظل نختار الكلمة الطيبة في زمن أصبح فيه الجرح أسرع من الاعتذار، والصوت المرتفع أسبق من العقل، والغضب أقرب من الحلم.

ولا أنكر أن هذا الطريق ليس سهلًا.

فنحن نعيش زمنًا يحمل كل واحد منا فوق كتفيه أعباءً تكاد تهد الجبال؛ همومًا مادية، وضغوطًا نفسية، ومسؤوليات لا تنتهي، وخيبات متكررة، وقلقًا على الغد لا يفارق كثيرًا من البيوت ، ولذلك أصبح الناس أسرع غضبًا، وأضيق صدرًا، وأقل احتمالًا لبعضهم بعضًا.

لكن ربما لهذا السبب بالذات أصبح الحلم أكثر قيمة، وأصبح التسامح أكثر شجاعة، وأصبح حفظ القلب من الكراهية عملًا يحتاج إلى مجاهدة حقيقية ، فمن استطاع أن يحافظ على صفاء نفسه وسط كل هذا الضجيج، فقد امتلك كنزًا لا يقدر بثمن.

وأكثر ما يعنيني في هذه الحياة ألا أكون سببًا في وجع أحد، فالكلمات قد تغادر الأفواه، لكنها كثيرًا ما تبقى سنوات في القلوب. لذلك أحاول، ما استطعت، أن يكون مروري في حياة الناس خفيفًا، وأن أترك خلفي ابتسامة، أو دعاءً، أو ذكرى طيبة، لا ندبة جديدة في روح إنسان.

وأنا لا أرجو من هذه الدنيا انتصارًا على أحد، ولا شهرة، ولا مكانة يتحدث عنها الناس، وإنما أرجو أن يهبني الله قلبًا يظل سليمًا مهما قست الأيام، وأن أنام كل ليلة وليس في صدري ضغينة على أحد، وأن أنظر إلى صورتي في المرآة فأعرف أنني، رغم كل ما مر بي، لم أفقد إنسانيتي.

ولعل الرجل الذي نزل من الأتوبيس قبل أن يصل إلى وجهته لم يخسر المقعد كما ظن البعض، بل ربح شيئًا قد لا يدركه كثيرون. لقد عاد إلى بيته بلا خصومة جديدة، وبلا غضب يفسد يومه، وبلا معركة يحملها معه إلى أولاده أو إلى نومه.

وأدركت يومها أن الكراسي كثيرة، أما القلوب المطمئنة فقليلة. وأن السلام الداخلي ليس هدية تمنحها لنا الحياة، بل قرار نتخذه كل يوم، كلما خيرتنا الدنيا بين أن ننتصر على الناس... أو أن ننتصر على أنفسنا.
--------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


مقالات اخرى للكاتب

أيهما انتصر في المعركة.. الكرسي أم صاحبه؟