02 - 07 - 2026

محمد عبده الشاذلي.. ملوخيّة بالقنفد!

محمد عبده الشاذلي.. ملوخيّة بالقنفد!

توقفتُ فترةً عن تسطير مواقفَ من سِيَر رموز قريتنا الأصيلة، التي يقف أفرادُها بشرف في ميدان الشّقا؛ بحثا عن لقمة العيش. سبب ذلك التّوقف هو انشغالي ببعض البحوث العلمية، والاستغراق في مهام العمل ببلاط صاحبة الجلالة، التي اهتزت جلالتها مؤخّرا لحدوث طفرة في عالم الذكاء الاصطناعي، سحبتْ البساط من تحت أقدام الصحيفة الورقية، التي مازال لها رونقُها وحظوتها عند محبّي رائحة الحبر والورق.

في جلسة سَمر ليلة أمس، لم تستغرق وقتا طويلا؛ لحرصي على العودة للبيت لمشاهدة مباراة بلجيكا والسنغال مع ابني الأوسط، الكروي الصميم، والأهلاوي القديم، رغم أنّه لم يُشاهد عبده نصحي أو يُشجّع صالح سليم، إلا أنّ الكرة في دمه، وتذهب دراسته للطب البيطري للجحيم!

وللقارئ فابني مُشجّع مُتعصّب. أثناء مشاهدته للمباراة، تكون أخلاقه في (مناخيره)، «وعَوَضْنا على الله» في كنبة الأنتريه، التي تحطّمتْ لانتفاضاته المتكررة؛ تفاعلا مع التمريرات والجمل الكروية. أقول: في تلك الجلسة السريعة أمس، سألني أخٌ عزيز عن مقالاتي، التي تُمتعُه في وقت شحّت فيه الابتسامة تأثرا بالظروف الاقتصادية الطاحنة، فأجبته سأعود، وشرعت صباح اليوم في استئناف ما توقفتُ عنه.

ومقال اليوم، لن أسلط فيه الضوء على سيرة صاحبه، بل سأنقل عنه مواقف مضحكة؛ لأستلّ الضحكة من قلوب ران عليها الحزن والنكد، وغادرت الابتسامةُ الشفاه. 

الحاج محمد عبده الشاذلي، هو بطل هذا المقال، وهو رجل (منشّي) في هندامه، وأناقه ثوبه، وتكتمل أناقتُه بارتدائه الجلباب البلدي، مُميّز القماش والتفصيل، ونظارته (الريبان) السوداء، التي تُخفي عينيه، أثناء استقلال دراجته البخارية، التي يجوب بها شوارع القرية صباح مساء، كما لو كان في دورية شرطية. شكا لي الحاج محمد يوما من أخيه الأكبر الحاج عفيفي أبو عبده، وهو شيخ بلد من العيار الثقيل، زاعما أنّه ضيّع مستقبله الدراسي، وأملَه في الالتحاق بكلية الشرطة، حينما أخبره - على خلاف الحقيقة - برسوبه في الثانوية ليصرفه عن الذهاب للمدرسة لاستخراج أوراقه، ويتركه بمفرده في (أمينة) الطوب اللبن، يصنع قوالب طوب (مقاعد) الزوجية! فامتثل محمد وظل في بِركة الطين من طلعة الشمس لغطستها، بينما ذهب عفيفي لقضاء مصالحه بمركز طوخ، تاركا محمدا وحده يندب حظّه العَكر.

وحتى ألقي ظلال الفكاهة على الحوار، عقّبت قائلا: «لقد صنع الحاج عفيفي بالناس خيرا يا حاج محمد، فلو التحقت بكلية الشرطة لكانت داهية سودة، لأنك كنت ستعامل الناس بالحديد والنار، وسيقطع من يقع تحت يديك الخَلَف»، فيضحك بملء فيه، وهو يردد ما قاله فريد شوقي في فيلم الأبطال: «ضاعت فلوسك ياصابر» إشارة إلى ضياع حقه.

الحاج محمد عبده الشاذلي، عنده مقدرةٌ على استنطاق الحجر، فقد لامني في حديث جانبي يوما بأنّني أركّز في مقالاتي على (العبّ) الغربي من قريتنا، وأنسى (العب) الشرقي، فوعدته بأنني سأتناول قريبا سيرة خاله عمدة القرية السابق السيد أفندي عصر بالعب الشرقي، وأوصيته بألا يُحدّث المهندس جمال عصر عمدة القرية الحالي بذلك؛ حتي لا يفوّت عنصر المفاجأة، ولكيلا يُجبرني أن أكتب تحت ضغط، فهزّ رأسه من أعلى لأسفل تعبيرا عن موافقته على ما أقول، وما إن انصرف حتى أخبر العمدة بما دار، فصارت الكتابة عن والده العمدة السابق أمرا لا يحتمل التأجيل.

ودليلُ قدرة الحاج محمد الشاذلي على استنطاق من أمامه، أنه جلس يوما في (مدشّة) علف أولاد الحاج عبد الفتاح أبو صالح، وقال لأستاذ التاريخ العملاق مهدي عطوان: أيه آخر أخبارك يا مهدي؟ فقال مهدي، وقد تهللت أساريره، فأضاء بياضُ أسنانه سُمرةَ وجهه. زار أحدُ الأصدقاء صديقا له في(جِنينة) عنب، قطوفها دانية، والنخلُ فيها باسقات لها طلعٌ نضيد، تجري بها جداولُ المياه العذبة، وتحيط الخضرةُ بالمكان، فقضى الصديق مع صاحبه سحابةَ يومه، ولما همّ بالانصراف، أقسم المُضيّف أنّه لن يتركه قبل الغداء، فامتثل، وجيء للضيف بطبق ملوخية خضراء، طفت على سطحها فقاعاتُ الدّسم، وعدة أرغفة (مفقّعة) فأكل الضيف بنهم، وتساءل بعدما أثنى على روعة مذاق الملوخية: هو أنت طابخ فيها أرانب أم دجاج؟ فقال والله لا هذا ولا ذاك، بل ذبحتُ لك فيها (قنفد)، هكذا كما قرأت (قنفد)، فأدخل الضيف أصبعه في حلقه؛ ليستقيء، وظل يتمرغ في جنينة العنب، كما لو أن سكينا يُقطّع أحشاءه.

الحاج محمد عبده الشاذلي عضو بالجمعية الزراعية بقرية إمياي، وهو رجل خدوم ومضياف وفكاهي، وصاحب صاحبه، ونموذج واضح لابن البلد الجدع.
---------------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام

مقالات اخرى للكاتب

محمد عبده الشاذلي.. ملوخيّة بالقنفد!