كشف ،داتشيان تشولوش، المرشح المدعوم من رومانيا لمنصب الأمين العام لمنظمة الفرنكوفونية (OIF)، عن رؤيته الاستراتيجية تحت عنوان “رؤية الفرنكوفونية 2030.. لنتحد من أجل البناء”، وذلك خلال جلسة الاستماع التي عقدت أمام المؤتمر الوزاري للفرنكوفونية، مؤكدًا أن المنظمة تقف اليوم أمام لحظة مفصلية تستوجب إعادة صياغة دورها بما يتلاءم مع التحولات الدولية المتسارعة.
وأوضح تشولوش أن العالم يشهد تغيرات جيوسياسية متلاحقة، وتزايدًا في الأزمات، بينما تبحث المجتمعات عن مرجعيات جديدة، ويتطلع الشباب إلى فرص حقيقية وآفاق أوسع ونتائج ملموسة. وفي ظل هذه التحديات، شدد على أن الفرنكوفونية تمتلك إمكانات استثنائية تؤهلها للاضطلاع بدور أكبر على الساحة الدولية.
وأشار إلى أن ارتباطه بالفرنكوفونية لم يكن بحكم المولد، بل جاء نتيجة اختيار شخصي، موضحًا أنه كروماني لم يولد ناطقًا بالفرنسية، وإنما اكتسبها عبر التعليم والتجارب الإنسانية والثقافية التي فتحت أمامه آفاقًا فكرية ومهنية واسعة وأسهمت في تشكيل مسيرته داخل رومانيا وعلى المستوى الدولي.
وأكد أن المنظمة الدولية للفرنكوفونية أسهمت في بناء مستقبله المهني، وأتاحت له التعرف على ثقافات متعددة وأساليب مختلفة في التفكير وبناء المستقبل، معربًا عن رغبته في رد الجميل لهذه المؤسسة من خلال العمل على تطويرها، بحيث تصبح قدرتها على تحسين حياة المواطنين هي المعيار الحقيقي لنجاحها.
وأضاف أن دور الأمين العام لا ينبغي أن يقتصر على إدارة مؤسسة بيروقراطية، بل يجب أن يكون قائدًا يجسد رؤية الفرنكوفونية، ويوحد مختلف مكوناتها، ويلهم أعضاءها للعمل المشترك.
وأكد المرشح تمسكه بالرؤية التي وضعها مؤسسو الفرنكوفونية، مستشهدًا بمقولة الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور الذي وصف الفرنكوفونية بأنها “إنسانية متكاملة” ولدت من تفاعل طاقات القارات المختلفة، معتبرًا أن هذه الفلسفة لا تزال تحتفظ بكامل قيمتها حتى اليوم.
وأضاف أن الفرنكوفونية لم تعد مجرد إرث تاريخي، بل أصبحت مشروعًا مستقبليًا يبنيه الجميع بصورة جماعية، مستلهمًا في ذلك أفكار الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان.
وتناول تشولوش الانتقادات المتعلقة بكونه ليس أفريقيًا، مؤكدًا احترامه لهذه التساؤلات، لكنه شدد على أن الفرنكوفونية لم تكن يومًا مشروعًا تحدده الجغرافيا أو الأصل، وإنما تقوم على اللغة المشتركة والقيم والرؤية والالتزام الجماعي.
وأشار إلى أن رومانيا، التي تعد من أبرز الداعمين للفرنكوفونية، تمتلك تاريخًا طويلًا من الشراكات المتكافئة مع أفريقيا، وأن خبرته القادمة من منطقة نجحت في بناء الجسور بين عوالم مختلفة تمنحه القدرة على الإسهام في تعزيز هذه الشراكة.
وأكد أن القضية الأساسية ليست جنسية الأمين العام المقبل، وإنما نوع الفرنكوفونية التي يسعى إلى بنائها، ومدى قدرته على توحيد جميع الأعضاء حول رؤية مشتركة.
وفي إطار رؤيته لعام 2030، دعا إلى تخيل شكل الفرنكوفونية بعد خمس سنوات، متصورًا منظمة أصبحت فضاءً عالميًا للثقة في عالم يشهد انقسامات متزايدة.
وأوضح أن هذه الفرنكوفونية الجديدة ينبغي أن ترسخ مفهومًا مبتكرًا للتعددية الدولية، يجمع بين الحكومات والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني والمواطنين لإنجاز مشاريع مشتركة، بما يعزز سيادة الدول الأعضاء، ويكرس الاحترام المتبادل، ويتيح لكل دولة الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي مع العمل الجماعي لخدمة المواطنين.
وأكد أن المنظمة يجب أن تكون قادرة على الوقاية من الأزمات، والتدخل عند وقوعها، وتعزيز الحوار في أوقات التوتر، بما يثبت أن الدول ذات السيادة تستطيع التوصل إلى حلول مشتركة تخدم شعوبها.
وشدد تشولوش على أن أفريقيا يجب أن تكون في قلب مستقبل الفرنكوفونية، معتبرًا أن القارة تمثل المحرك الأساسي لنمو المنظمة، في الوقت الذي تكمن فيه قوة الفرنكوفونية في قدرتها على الربط بين أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط والأمريكتين وآسيا وأوقيانوسيا داخل فضاء سياسي وثقافي واقتصادي موحد.
وأضاف أن إشراك جميع الأقاليم بصورة كاملة يمنح أفريقيا مساحة أكبر لإظهار قوتها وتنوعها وإبداعها، مؤكدًا أن المساواة بين جميع الأعضاء تمثل الأساس الحقيقي لتعزيز حضور القارة ونفوذها.
كما أعلن عزمه، في حال انتخابه، العمل إلى جانب مسؤولة أفريقية تتمتع بالكفاءة والخبرة لتولي منصب إداري رفيع داخل المنظمة، تعبيرًا عن ثقته في قدرات القيادات النسائية الأفريقية.
وفي الجانب الاقتصادي، دعا إلى بناء “فرنكوفونية الفرص”، بحيث تصبح اللغة الفرنسية وسيلة عملية تتيح للشباب الدراسة، وإنشاء المشروعات، والحصول على الوظائف، وتطوير الابتكار، والانضمام إلى شبكات التعاون الدولية.
وأكد أن الشباب يمثلون المؤشر الحقيقي لمستقبل الفرنكوفونية، موضحًا أن قرارهم بتعلم اللغة الفرنسية أو الابتعاد عنها سيحدد مستقبل المنظمة أكثر من أي مؤشرات إحصائية.
وأوضح أن الفرنسية يجب ألا تظل لغة للثقافة فقط، بل ينبغي أن تصبح أيضًا لغة للاقتصاد وريادة الأعمال والاستثمار والشراكات الدولية.
وشدد على أن نجاح المنظمة لا يقاس بعدد المبادرات التي تطلقها، وإنما بعدد الأشخاص الذين تغير حياتهم بالفعل.
واستعرض عددًا من النماذج التي تعكس أثر الفرنكوفونية، من بينها الفنانة والصحفية الفيتنامية السابقة لي فو، التي ساعدتها اللغة الفرنسية على بناء تجربة فنية تجمع بين الثقافتين الفيتنامية والفرنسية، وسيدة الأعمال الكندية روث فاشون، التي اعتبرت الفرنكوفونية منصة لبناء شبكات اقتصادية ودعم ريادة الأعمال النسائية، إضافة إلى ماري لور كونان، الإيفوارية المقيمة في كيبيك، التي جسدت من خلال عملها دور الفرنكوفونية في تعزيز اندماج المهاجرين والتعاون الاقتصادي بين أفريقيا وكندا.
كما أشاد بالتجارب الثقافية الناجحة التي اطلع عليها في مكتبة الإسكندرية وكندا في مجال الترويج للمحتوى الثقافي الفرنكوفوني، داعيًا إلى تعميم هذه النماذج في مختلف الدول الأعضاء.
وأكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقال الفرنكوفونية من الاكتفاء بالدفاع عن اللغة الفرنسية إلى أن تصبح محركًا حقيقيًا للتنمية والتعاون والنفوذ الدولي، من خلال التركيز على التعليم، والتنمية الاقتصادية، والأمن الغذائي، والزراعة المستدامة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ومواجهة التغير المناخي، وريادة الأعمال، وتمكين المرأة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز السلام.
وأشار إلى أن البعد الاقتصادي يجب أن يصبح امتدادًا طبيعيًا للرسالة الثقافية للفرنكوفونية، مؤكدًا أن المطلوب ليس استبدال البعد الثقافي، وإنما دعمه بآليات اقتصادية أكثر فاعلية.
كما دعا إلى إعداد مواطني الدول الأعضاء للتحولات المقبلة، وخاصة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يسمح لهم بالمشاركة في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي.
وفيما يتعلق بالإصلاح المؤسسي، شدد على ضرورة زيادة موارد المنظمة وتحسين إدارتها وفق مبادئ الكفاءة والشفافية والمساءلة، مع تعزيز التعاون بين أجهزتها المختلفة، واستقطاب شركاء جدد من الحكومات، والبنوك التنموية، والمؤسسات الدولية، والقطاع الخاص.
وأوضح أنه، خلال حملته الانتخابية التي شملت القاهرة ودكار وكيبيك وأوتاوا وبروكسل وهانوي وفينتيان وبنوم بنه وباريس، لمس وجود قناعة مشتركة لدى رجال الأعمال والأكاديميين ومؤسسات المجتمع المدني بأن الفرنكوفونية تمتلك إمكانات هائلة، لكنها بحاجة إلى رؤية استراتيجية موحدة تحول هذه الإمكانات إلى قدرة فعلية على الإنجاز.
وأكد أن طموحه يتمثل في جعل الفرنكوفونية أكثر تأثيرًا على المستوى الدولي، ليس لأنها ستكون أكبر منظمة دولية، وإنما لأنها ستكون الأكثر فائدة لمواطنيها، والقادرة على تحسين حياتهم بصورة ملموسة.
واختتم تشولوش رؤيته بالتأكيد على أن الفرنكوفونية لا تحتاج إلى إعادة اختراع نفسها، بل إلى توفير الظروف التي تمكنها من استثمار كامل طاقاتها، موضحًا أنه لا يرى نفسه مجرد مدير للمنظمة أو مسؤول يسعى إلى تركيز السلطة، وإنما شخصية تعمل على توحيد جميع الفاعلين الفرنكوفونيين حول مشروع جماعي للمستقبل.
وأكد أن الفرنكوفونية التي يسعى إلى قيادتها ستكون وفية لقيم مؤسسيها، ومتمحورة حول خدمة المواطنين، وتضع أفريقيا في قلب أولوياتها، وتعزز التعاون بين جميع أقاليمها، وتثبت أن الدول ذات السيادة قادرة على بناء تعددية دولية قائمة على الثقة والشراكة، وصناعة الفرص، وتحسين حياة الشعوب تحت شعار: “لنتحد من أجل البناء”.






