01 - 07 - 2026

إبداعات | صدمة عكسية

إبداعات | صدمة عكسية

وقفت والطبيب يفحصه، تراقب ملتاعة، ضائعة بين اليأس والرجاء.

الهواء ثقيل برائحة الأدوية؛ فهذا ليس أول طبيب تحضره، ويبدو أنه لن يكون الأخير.

الطبيب، بنظارته الطبية الأنيقة ونظرته العملية الجادة، يعيد الفحص.

يبدو مندهشًا.

بعناية، يرفع جفون الزوج المتراخية، يتحسس نبضه، يمرر ضوء المصباح أمام عينيه الساكنتين.

الرجل على الكرسي بلا حراك، عيناه زائغتان وكأنهما تنظران إلى عالم آخر.

الزوجة في الزاوية، تلتهمها مشاعر الذنب والقلق.

باهتمام تنتظر أن يخبرها الطبيب بشيء، أيّ شيء، يمكن أن يعيد زوجها إليها.

يتنهد الطبيب، ثم يخبرها:

— "الأمر واضح يا مدام... صدمة عصبية حادة".

وضعت يدها على صدرها في ذعر حقيقي.

أدار وجهه نحوها:

— "حالته ليست جسدية، بل نفسية بحتة. فقد القدرة على النطق بسبب صدمة قوية. رأى ما لم يتحمله، عقله يرفض المواجهة، أصيب بالشلل والعجز التام".

ارتجفت شفتاها، نظرت إلى الرجل الذي كان يومًا ممتلئًا بالحياة، الصاخب بضحكاته.

كانت تعرفه، تحفظ خطوط يده، تعرف متى يمتلئ بالرغبة الحقيقية ومتى يفعل الأمر كواجب.

لكنه في كل الأحوال كان يفيض حياة.

لكنه الآن كان... خواءً.

في رجاءٍ حقيقي قالت:

— "أرجوك، افعل شيئًا، أيّ شيء، لابد أن يعود لي. لن أتحمل رؤيته هكذا، سأموت. انقله إلى أفضل مشفى، سافر به للخارج، سأرهن البيت والسيارة، سأبيع نفسي".

فكر الطبيب،

أخيرًا تكلّم:

— "لابد أن أعرف أولًا سبب الصدمة لأتمكن من علاجه. هو لا يتحدث، وأنتِ لا تعرفين!!"

أعادت سرديتها التي ملت من فرط تكرارها:

— "عاد إلى البيت ذاهلًا وفاقد النطق، ثم سقط فجأة، ولم يتحرك بعدها. أنا بالفعل لا أعرف ماذا حدث له، ولا يهمني أن أعرف، ما يهمني هو أن يعود كما كان".

قال وهو يزن كلماته ليرى تأثيرها:

— "العلاج الوحيد، ربما، صدمة عكسية أقوى تجبره على التفاعل معها وكسر الجمود".

"صدمة أقوى؟" قالت مندهشة.

— "نعم يا سيدتي، شيء يهزه أكثر مما رآه".

كادت تسأله: "وهل هناك ما هو أشدّ؟" لكنها صمتت.

كانت كلماته ترنّ في رأسها: "شيء يهزه أكثر مما رآه..."

ـــ

قبل يومين...

لم يكن موعد عودته المعتاد.

فتح الباب بهدوء، وحين عبر إلى الداخل، تجمد جسده.

كانت زوجته تنحني أمام رجل آخر، تئنّ وتتوجع، وبفُحش تطالب بالمزيد.

انتفض الغريب، لملم قطعة أو اثنتين من ملابسه المتناثرة على المقعد، وفي هرولته اصطدم به.

استلقت، وبحركة لا شعورية، سحبت الغطاء وكأنها تستحي منه.

تجمدت الدماء في عروقها.

الصمت — سوى من نشيجها المتقطع — يصبح سيد الموقف.

العجز يتسيد اللحظة، يطوّق كل حركة وكل تفكير.

إنه ذلك الشعور بالشلل الذي يجمد الروح، فيصبح الفعل مستحيلًا حتى مع أشدّ الرغبات فتكًا.

كل شيء في رأسه يتناثر.

فضاء فارغ بينه وبينها، رغم أن الفاصل بينهما خطوة واحدة.

تلطم خديها وتقول ما لم يعيه.

عجز، فقط عجز.

الطنين في أذنه أخرسها، بل أخرس العالم من حوله.

نظر طويلًا، حتى تجمدت ملامحه كوجه تمثال قديم.

لم يصرخ، لم يسبّ، لم يرفع يده.

فقط وقف، كأن الهواء سُحب من رئتيه، ثم سقط على الأرض، خائرًا كدمية فارغة.

ومن بعدها لم ينطق.

صار جثةً بنبض.

لكن، داخل ذلك الجسد الساكن، كان يعيش في جحيم خاص.

كان يسمع كل شيء: حفيف ملابسها، دقات الساعة، تنهدات الطبيب، ونحيبها الخافت.

كان يرى ظلالهم يتحركون في حقل رؤيته الضيق.

لكن بين سمعه وبصره وبين قدرته على الاستجابة، تضرب مطرقة السؤال رأسه:

"أيّ رجل أنا؟".

كان بإمكانه تحريك إصبعه لو أراد.

لكن ماذا سيفعل بعد أن يتحرك؟

يواجهها؟ يطلب تفسيرًا؟ يعرف أنها لا تملك التفسير.

الأفضل أن يبقى هكذا.

في هذا العالم الهادئ، حيث لا يحتاج أن يقرر، لا يحتاج أن يواجه، لا يحتاج أن يكون "رجلًا" بالمعنى الذي تؤمن هي به.

ـــ

عاد الطبيب لزيارته.

طلب من الزوجة أن تتركهما بمفردهما.

أغلق الباب وراءها، ثم جلس مقابله.

لم يكن بحاجة إلى المعدات الطبية هذه المرة، لكنه أخذ معصم الزوج ليستشعر نبضه.

— "أعلم أنك تسمعني." بدأ الطبيب بهدوء.

"لقد رأيت ارتعاشة أصابعك عندما تحدثت عن الصدمة العكسية".

لم تكن هناك استجابة، لكن الطبيب لاحظ أن النبض تسارع قليلًا.

— "لا أحب هذه الفكرة... فكرة الصدمة العكسية".

وتابع:

— "أعتقد أنك تعاقبها. أو تعاقب نفسك. في كلتا الحالتين، يمكنك الشفاء".

ثم بنظرة عميقة في عينيه:

— "لكن... الشفاء قرارك".

حسّ بذَبذبة طفيفة في الجفن الأيسر، فابتسم.

كان متأكدًا:

— "أنت تختبئ هنا. هناك إرادة حرة وراء العجز".

هذه المرة كانت الاستجابة أوضح: ارتعاشة خفيفة في الشفة السفلى.

قرر عدم إخبار الزوجة.

كان يريد أن يرى كيف سيتطور الأمر.

ربما كانت هذه هي الطريقة الوحيدة للعلاج.

ـــ

جلست بجواره.

كانت تحبه، تعرف ذلك تمامًا، حتى وسط لحظتها الدنيئة تلك.

حتى وهي تتلوّى بين ذراعي رجل غريب، كانت تعرف أن ما تفعله ليس نابعًا من كره له أو احتياج لغيره،

بل من رغبة لا تفهمها، تحتقرها، وتغواها.

إنه شيء لا تستطيع تفسيره.

لكن الآن، عليها أن تتخذ قرارًا.

أمامها رجل ميت، هي من طعنته، ليس في جسده بل في روحه،

وعليها أن تُحييه من جديد.

الطبيب قال: "صدمة عكسية".

ما الشيء الذي قد يكون أشدّ من رؤية خيانة؟

بقيت هكذا، تحدق في وجهه الخاوي،

وفي عقلها كانت تنمو فكرة قاتلة،

فكرة ستحتاج منها إلى تنازل، إلى تضحية، إلى جرم آخر قد يكون أشنع مما ارتكبته.

لكنها، وكامرأةٍ مذنبة، وكإنسانةٍ تبحث عن الخلاص،

والأهم، كزوجةٍ محبة مخلصة، كانت مستعدة لفعل أيّ شيء...

حتى لو كان ذلك يعني تحطيم كل ما تبقّى.

اتصلت بالطبيب، طلبت منه الحضور، وقالت له:

—"سأجرب شيئًا الليلة... إذا لم ينجح، فليكن ما يكون".

دخل الطبيب، وجدها ترتدي فستانًا أسود جريئًا،

يلتصق بجسدها كما يلتصق الندم بالذاكرة.

في الغرفة رجلان غريبان، وسيمان، يجلسان بثقة، يتبادلان النظرات معها،

ثم يلتفتان إلى الزوج الساكن، وعلى وجهيهما تعبيرات تتقلب بين السخرية والقسوة.

قالت:

—"سأعيد المشهد... أمامه... لكن هذه المرة..."

فهم الطبيب. أراد أن يمنعها، لكن النظرة في عينيها أعلمته أنه لن يقدر.

أراد أن ينصرف، لكنه بقي.

إنه أمام تجربة لم يُذكر مثلها في كتب الطب ولا كتب الغفران.

لم يعرف إن كان شاهدًا أم مشاركًا متواطئًا.

ولم ينطلِ عليه خداعه لنفسه: "أنا هنا بصفتي الطبية للمساعدة".

تحركت بخطوات محسوبة، كمن يسير على جمر.

كل التفاتةٍ منها كانت نداءً صامتًا له.

اقترب أحد الرجلين، همس في أذنها بشيءٍ لم يسمعه أحد،

لكنّ الارتعاشة التي عبرت كتفيها كانت كافية لتقول كل شيء.

في إغراءٍ مدروس، سحبت الرجل خلفها من ربطة العنق التي لم يكن يرتدي سواها،

وفي شراهةٍ متوحشة، مالت على الآخر تقبله،

لكن هذه المرة بعينين مفتوحتين، تنظر إلى زوجها مباشرة، تتحداه أن يبقى ساكنًا.

فهذا العرض مصنوع خصيصًا لِيَحيَ الذي مات.

ورغم ذلك، لم يتحرك.

لكن شيئًا ما بدأ يتغير.

عَيْناه ارتجفتا.

أصابعه ارتعشت.

وهي تزداد جرأة، تزداد انكسارًا داخليًا في تماسكٍ ظاهري.

وفي لحظةٍ من اللحظات، حين التفتت إليه،

رأت كيف تشنجت عضلات فكه للحظة عابرة،

وكأنما الألم يتماسك داخله كطوفانٍ يبحث عن منفذ.

ستفعل أيّ شيء ليعود.

لكنه... فقط، ينظر في الفراغ.

لكن عينيه لم تكونا فارغتين تمامًا كما اعتادت؛

كان هناك بريق خافت، قبل أن يختفي كلمحة صامتة.

استمر المشهد.

يئست.

طردت الجميع.

جلست بجواره، ألقت بنفسها على قدمه، أخذتها في صدرها، توسلت:

—"فعلت كل شيء... كل شيء... لماذا لا تعود؟"

هدها التعب، غفت، واستيقظت إلى الحمام.

وبينما تنظر إلى وجهها في المرآة، رأت انعكاسه خلفها.

تجمدت.

صوته المألوف...

هادئًا.

مجروحًا.

مرتبكًا:

— "كنت موجودًا طوال الوقت".

تجمدت.

التفتت.

كان واقفًا، بكامل انتصابه، ينظر إليها.

"لماذا؟!" سألت.

صمت، ثم قال:

— "لأني أعرفك أكثر مما تعرفين نفسك..."

وتوقفت الكلمات في حلقه.

شاح بنظره عنها وتابع في خفوت:

— " لن تغفري لي ابدًا، غفراني لك...

(تمت.)
-----------------------------------
قصة قصيرة بقلم: محمد رحيم