01 - 07 - 2026

ورش حسن غانم تلتهم ضغوط الحياة.. سحر الجرافيك الذي يداوي القلوب

ورش حسن غانم تلتهم ضغوط الحياة.. سحر الجرافيك الذي يداوي القلوب

في عالم يتسارع فيه كل شيء، وتتراكم فيه الضغوطات اليومية لتثقل كاهل النفس والجسد، يبحث الإنسان دائما عن ملاذ آمن يفرغ فيه طاقته السلبية ويستعيد فيه راحة روحه. ومن بين شتى الفنون والأساليب الإبداعية، تبرز ورش فن الحفر والطباعة (الجرافيك) كواحدة من أهم النوافذ الفنية التي تقدم علاجا حقيقيا ومتكاملا للنفس البشرية، وهو ما يتجلى بوضوح في تلك الحالة الإبداعية الفريدة التي يقودها الفنان القدير حسن غانم في ورشه المخصصة للفنانين ومتذوقي الفن على حد سواء.

وبرغم أن الأساس هو التعليم فى ورش فن الحفر (الجرافيك) التى تقام يوم الأحد والاربعاء من كل أسبوع بحديقة جاليرى ضى الزمالك تحت رعاية رئيس مؤسسة العرب للثقافة والفنون الناقد هشام قنديل . إلا إن ممارسة فن الحفر ليست مجرد عملية تقنية لإنتاج لوحة مكررة فقط، بل هي رحلة سيكولوجية عميقة تبدأ من اللحظة الأولى لمواجهة السطح - سواء كان خشبا، أو لينوليوم، أو معدنا. لمن يعانون من ضغوطات الحياة، يمثل هذا السطح الصلب تحديا ومرآة في آن واحد؛ حيث تتحول أدوات الحفر الحادة من مجرد أدوات قطع إلى قنوات شرعية لتصريف الشحنات الانفعالية المكبوتة. كل خدش، وكل حز، وكل قوة تبذل لإزالة جزء من هذا السطح، هي في الواقع عملية "تفريغ منظم" لتوترات النفس وقلقها.

ولعل من أصدق الشواهد على قوة هذا الفن وتأثيره العلاجي الساحر، هو ما نلمسه بأم أعيننا في ورش الفنان حسن غانم؛ حيث يقف المشتركون - فنانين محترفين وهواة ومتذوقين - لمدد تتراوح بين ست إلى ثماني ساعات متواصلة دون كلل أو ملل، ودون حتى أن يشعروا بمرور الوقت. هذا الاندمـاج الكامل والتركيز المطلق هو ما يعرف في علم النفس الإيجابي بحالة "التدفق"، وهي الحالة التي ينفصل فيها الإنسان عن مشاكله الخارجية ويذوب في تفاصيل عمله الإبداعي، ممارسا الحفر بمتعة وشغف حقيقيين.

ولا تتوقف الرحلة العلاجية عند مشقة الحفر الممتعة، بل تصل ذروتها عند اللحظة الأكثر سحرا وتشويقا: "لحظة الطباعة". إنها لحظة المكافأة والولادة الجديدة للعمل الفني. بعد ساعات من الجهد البدني والذهني، تأتي مرحلة تحبير السطح والضغط عليه بأدوات خشبية ابتكرها حسن غانم، لينتظر الجميع بشغف بزوغ الصورة على الورق. وفي تلك اللحظة بالذات، يتحول الحضور إلى ساحة من البهجة والتهليل عقب كل تجربة طباعة؛ فالطفل الكامن داخل كل مشترك يستيقظ ليحتفل بإنتاجه، وتتحول الطاقة المكبوتة إلى فرحة عارمة تملأ المكان.

ومع نهاية هذه التجربة الثرية، لا يخرج المشاركون براحة نفسية وطاقة متجددة فحسب، بل يحصدون في أيديهم لوحات فنية مدهشة تحمل بصماتهم الخاصة، إلى جانب مهارات تقنية وفنية جديدة يكتسبونها ويبدعون في تطبيقها وتطويرها خلال الورشة؛ مما يمنحهم شعورا عميقا بالإنجاز والفخر بامتلاك أدوات تعبيرية جديدة.

إن هذا الابتهاج الجماعي والفردي، وهذا الصبر الطويل المتوج بمتعة بصرية ملموسة ونتاج فني باهر، هو جوهر ما نسميه "العلاج بالفن" (Art Therapy). فالحفر يعيد صياغة علاقتنا بالضغوط؛ يعلمنا الصبر، ويمنحنا القدرة على التحكم، ويحول مشاعرنا السلبية من طاقة مدمرة إلى أثر فني جميل، مهارة مكتسبة، ولوحة مدهشة تظل شاهدة على تعافي الروح. تحية للفنان حسن غانم الذي يجعل من محترفه الفني مصحة للروح، وتحية لفن الحفر الذي يثبت يوما بعد يوم أنه الملاذ الأجمل لراحة الأنفس المتعبة.
----------------------------------
كتب: د. سامى البلشي