01 - 07 - 2026

السخرية النبيلة في الملهاة المصرية | قراءة في رواية "نقطة نظام" لصبحي موسى

السخرية النبيلة في الملهاة المصرية | قراءة في رواية

تختفي طائرة، وتنمحي منطقة بكاملها في قرية مصرية أثناء زيارة صحفي مغمور، وروائي مبتدئ لها، وتلجأ الدولة لحلها المعروف؛ إرسال قوة أمنية كبرى للسيطرة على الوضع، وقمع التمرد أيا كان القائم به.

وهكذا يتحول الصحفي إلى متلقٍ للأخبار، والمتعلم المثقف إلى مستمع للحكايات ثم مصدق لها ثم مروج لها ثم أحد صناعها، فالحضري القادم من العاصمة حيث العلم يتحول إلى مؤمن بالجن والعفاريت والقوى الخفية، ثم إلى قطب الأقطاب: "المهدي المنتظر"

تلك إشارة – أعتذر عنها لأنني رأيتها ضرورية في قراءتي، وربما لا تكون كذلك – عن رواية "نقطة نظام" الصادرة في 238 صفحة واثنين وثلاثين فصلاً، عن الدار المصرية اللبنانية، للروائي المصري صبحي موسى. 

الإشارة الثانية أن هذه الرواية بعض أحداثها قد وقعت بالفعل في قرية شما، وأشهرها "عركة المياه" وصعود نجم عائلة "أبوحريرة" التي تتاجر في المخدرات، وقدرتها على السيطرة على مجريات "الأمن العام" في قرية شما وما يجاورها، وما يخضع لها من أراض على الضفة الأخرى من نهر النيل في العمق الصحراوي التابع لمحافظات المنوفية والجيزة والبحيرة، وانكسار هذه العائلة مؤقتًا مع ثورة يناير والقبض على بعض كبارها، ثم إطلاق سراحهم؛ ليكون أول ما يفعلونه هو قتل الشهيد "محمد العليمي" في مشهد لم تستطع السينما المصرية صنعه؛ إذ قام أحد المفرج عنهم بتفريغ أربع خزائن بندقية آلية في جسد الشهيد، وحين تحركت الشرطة جاء ذلك لقمع المظاهرات التي لم تقمع؛ فاضطرت للقبض على القاتل.. لكن الروائي هنا يختار اسم "أبوالنمرس" بديلا لأبي حريرة. [يمكن الرجوع لأرشيف صحيفتي: المصري اليوم واليوم السابع والبحث عن: محمد العليمي – أبوحريرة، كما يمكن مطالعة قنوات التلفزيون على اليوتيوب بالبحث عن الاسمين[

الإشارة الثالثة أن تقنيات الكتابة التي وضعها الكاتب تضع القارئ في حيرة، هل يصدق ما يقول، أو لا يأخذه على محمل الجد، أو يصنع نسيجًا خاصًا؟ وقد اخترت الثالثة؛ فرغم أن الكاتب يختم روايته بتاريخ أغسطس 2011؛ ورغم أن البعض سيقول إن النص يتحدث عن أحداث رئيسية منها ثلاثة حدثت هي: عركة المياه، وصعود أبوحريرة، وما يجرى منهم، وثورة يناير، وحدث مفترض: اختفاء منطقة بسكانها وطائرة بركابها؛ فإن قراءتي لمسار النص، تفترض شيئًا آخر.

(1)

"العجائز" و "خبراء الحروب القديمة" هكذا تطالع أول ما تطلع في عتبة الغلاف الخلفي، وربما تتعامل معهما على أنهما من قبيل الاستدعاء الحر، على أن الدخول لميدان الرواية المتشعب، سيكشف أننا أمام وصفين كاشفين، لما يجري من "ارتجال منهجي" في كل أزمة تتصدى له الحكومة المصرية، الأمن ثم الأمن ثم الأمن ثم الأمن.

فيشبه الأمر "قتل بعوضة بقنبلة نووية" كما يقول بركة ساكن في رائعته "الجنقو" وحتى تخفي الجهات خيبتها وانتهاكاتها فإنها تزرع أو تستعيد أحد رجال الحزب الأثرياء ثراء غير مشروعًا، ومعه عدة الشغل: "المسبحة وما يلازمها" ومشاديده: "رجال الخرافات والصف الثاني" لذلك فالعجائز الذين شاهدوا ارتفاع الموج الغريب وانكساره مخلفًا الأورام السرطانية الجديدة، و "خبراء الحروب القديمة" الذين يعرفون مقطع الأمر من مطلعه.. هم على الحقيقة ملوك الليل وحرس النهار.

(2)

في وصف الروائي (الخائن) لقريته: " التي لا يعرف أحد مكانها على الخريطة، وإذا ذكرت في أجهزة الإعلام فإن المذيعة تقرأها بشكل خاطئ" هي قرية إذن من آلاف القرى المصرية التي لا يعرف أهلها غالبا سبب تسميتها، ولا يعرفها إلا من أهلها ومن يتعاملون معهم، ويتواطأ الروائي فيتجاهل أهله مفضلا أن يكتب عن غير أولئك الذين (ما زالوا يسكنون بين العشش وحوائط الطوب اللبن) ورغم محاولة القار إخفاء هذه القرية، وانطباق صفاتها على معظم القرى المصرية؛ فإن ذكر حادثة مشهودة يكشف اسم هذه القرية: "عركة المياه" 

عركة المياه هي حادثة جرت في قرية شما التابعة لمركز أشمون محافظة المنوفية، وهي مسقط رأس الروائي – الذي عمل فترة في مكتب القبس الكويتية – وسبب الحادثة هي منع المياه عن أرض هذه القرية لصالح قرية أحد أعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو، ولما وجد الفلاحون زروعهم تجف، وعمدتهم لا يفعل شيئًا، قاموا بفتح المياه؛ بفؤوسهم، شاركهم في هذا العمل "العيارون والشطار" والتقطت إسرائيل الخبر؛ لتعلن أن هناك قرية مصرية أعلنت الاستقلال عن نظام عبدالناصر؛ فاتجهت المدرعات لسحق التمرد الانفصالي.

يشبه الروائي قريته بالبطيخة – وهي جغرافيا قريبة الشكل من ذلك – لكنه يتخذ هذا الوصف الماهر؛ ليقربها من الطبيعة المتعارف عليها للأرض: البيضة، الدحوة، البطيخة.. ربما ليخرج بها من كونها قرية محددة إلى اعتبارها نموذجًا أو علامة أو رمزًا أو عتبة لفهم ما يجري على هذه الدولة منذ آلاف السنين.

(3)

يبني الروائي نصه على أربعة أحداث، يورد الأول تقريبًا كما تعرفه الجماعة الشعبية في شما ومحيطها – وكما يرويه العجائز وخبراء الحروب القديمة – وهو عركة المياه 1965.

الحدث الثاني، يورده الكاتب مع تغيير في الأسماء؛ فهو مستند إلى صعود "جمهورية أبوحريرة" تاجر المخدرات وأولاده في قرية شما، وسيطرتها على القرية بما فيها، بمساعدة النظام المصري قبل ثورة يناير، وبعد الثورة لم يتحمل شباب القرية ما تحمله آباؤهم؛ فقاموا بمهاجمة قصور المجرمين ومعاقلهم، وتدخلت الشرطة فهرب تجار المخدرات في حراستها، ومن قبض عليهم تم الإفراج عنه بحكم قضائي؛ ليقوم أحدهم بتفريغ أربع ذخائر بندقية آلية في الشاب المصري الذي قاد الثوار، وما تزال القضية تؤجل..

ما يسرده موسى هنا من حكايات تفوق الخيال هي وقائع شديدة التحديد، يعرفها الجميع، لكن القضاء - الذي يطمئن بما يصل إليه من أدلة وبراهين – يجد أمامه محاضر وتحريات ومحامون يحصلون على الملايين؛ لذلك فقبل نطقه بالحكم، تمر الحاجة "رئيفة" وهي توزع ألف جنيه على كل من يقابلها، حلاوة الإفراج المنتظر، ويقف حفيد أبي حريرة أمام الضابط الذي قبض عليه مهددًا ومتوعدًا بالخروج، ولا يفكر الضابط في الرد لأن القانون يحمي أبا حريرة – القانون الخفي، وهو مزيج من الأوليجاركية والثيوقراطية وكل ما هو ما هو مشوه – يعرف أنه يستطيع بقلب بارد أن يضغط الزناد ليقتل شابا في مظاهرة، فيما يردد خلفه جمهوره – جدع يا باشا جبته في عينه – لكنه يعرف أن هذا المحبوس مؤقتًا لديه عصبته وتحالفاته.

الحدث الثالث، حدث مفترض، يشبه ما جرى لأطلانطا الغارقة، أو إرم ذات العماد، أو المدن المسحورة، وهو حدث يفترضه الناص، ويشكله ويبني عليه لحمة سدى نصه. اختفاء لمنطقة بأهلها دون نقطة دم، ودون أثر لقتيل.

الحدث الرابع هو الثورة وخروج الناس؛ لتطيح بالنظام القديم: تتنزع عائلة أبي النمرس من مخبئها، و ذبح الميرزا الدجال بعد محاكمته، وهي تصرخ: الشعب يريد إسقاط النظام

خضع إيراد الحدث لترتيب غير واقعي؛ فالروائي يبدأ بالثالث، مع ظهور الثاني من خلال أبطاله في خلفية المشهد، فحتى ترابيزة اجتماع الشرطة: "مجلس إدارة العالم" تخص فُساد الحدث الثاني، ثم يظهر الأول :"عركة المياه" ممهدًا للرابع، بشكل خفي؛ فكما ضج الناس من التجاهل فقاموا بقطع المياه، فـ(سيخرجون) للثورة بعد حين، لكن هذه المرة بوعي أكثر، وأهداف أدق، مع تمييزهم الواضح، للعدو من الحبيب من المخطئ من المقصر، وتختفي هنا "الحدية الرومانسية القامة على اتباع الخطاب السلفي (بالمعنى الثقافي) فلا ليل في مواجهة نهار، ولكل منهم ملوكه وحرسه المكلفون المعصومون، بل العصمة للشعب ولغضبه النبيل. 

لماذا لجأ الروائي لجعل الثورة تأتي بعد الهجوم على أولاد أبي النمرس، رغم أنها جرت قبلها؟ ألان البعض سيرون في ما جرى أول مرة لأولاد "أبو النمرس" انقسم شطرين؛ الأول هجوم الشرطة عليهم لأنهم حرقوا قرية تقريبًا متخطين الخط الأحمر، والشطر الثاني هو قيام الأهالي بالهجوم على هذه العائلة – التي عادت ببطشها لتحتل شارع السوق في مدينة أشمون بداية أبريل 2017، بعد انتصارها على العائلة التي تفرض إتاوة على البائعين الجوالين - ؟ ربما..

ألانه يعتقد - كما يعتقد كاتب هذه السطور- أن الثورة قادمة؟ 

 (4)

يقسم النص إلى اثنين وثلاثين فصلا، دون عناوين، ويبدو البحث عن دلالة لهذا الرقم تعسفًا – إن افترض أنه الأصوب- ماذا لو عزلنا الفصل الأخير وحده.. لماذا؟

الفصل الأخير، يأخذ لغة دينية هي مزيج من سفر التكوين، مع تفكيك ظاهر السياق عبر دلالة كلماته؛ فالقول من بشري وليس من إله، والقول يطلب مواجهة غيب بواقع، والقول ينتج دلالة مغايرة للمهدي؛ فكل شخص عرف أنه هو المهدي، وكلهم عرفوا عدوهم، وأسقطوا من حساباتهم الشرطة.

يتبقى لدينا واحد وثلاثون فصلا، ولو مددنا الخط على استقامته لوجدنا أننا أمام شهر طويل؛ فأقل عدد أيام هو ثمانية وعشرون يومًا – ناهيك عن مسرى – وأقصاه واحد وثلاثون، كما تقول المروية فإن الله خلق الدنيا في ستة أيام، وجعل للإنسان اليوم السابع؛ ليحاسبه في اليوم الآخر، فإن الشعب يصبر على النظام شهرا (كبيسًا) ويمحوه في يوم، حين يخرج المهدي المستتر في أعماقه: "ليملأ الدنيا عدلا، بعد أن ملئت جورًا" إنها الثورة: "اللهم ابتدئ التخريب الآن| فلإن خرابًا بالحق| بناء بالحق (مظفر النواب)

(5)

يمكن تقسيم الشخصية بعدة اعتبارات، التسمية في مواجهة اللقب، أقارب الكاتب، وغيرهم.. لكن ثمة جوامع تجعل كل تقسيم قاصر بشكل، ففي الأقارب مثلا، يكتفي بالدرجة حينًا، ثم يذهب إلى الاسم وربما إلى اللقب، وفي شخصيات القرية يمزج بين الاسم "إبراهيم" واللقب "العمدة – الميرزا"، لكنه – بمكر – حين يتحدث عن الشرطة فإنه يسميهم بحسب ما على أكتافهم من رتب، وما في أيديهم من صلاحيات وتفويضات.. إن لجوء الروائي لتجريد شخصية من اسمها، لصالح علامة زائلة يضعنا أمام تشيؤ للإنسان، وتحويله إلى آلة أو بالأحرى ترتبط قدرتها بما على كتفها – بالطبع قد يكون هذا رأيي ولا علاقة للمؤلف به – فلماذا اختار مثلا: السني، وإبراهيم وعمي، والميرزا، ونونو، و"ذو السيفين"؟

إن للأول دلالة ترتبط بالتدين (وهو محفظ قرآن). وإبراهيم (هو الولي الطاهر ذو العِلم اللدني القائم على تكسير أصنام المهدي. وبينه وبين إبراهيم النبي روابط يلمحها القارئ بسهولة). و"عمي" لأن طبيعة القرى تسقط أسماء الأقارب، وربما عاش الابن دون أن ينطق باسم أبيه أو بأمه، ولا يذكر الأب مصحوبًا بلقب إلا إن كان الشخص يتحدث عن عمه – وعلى هذا استند مفسرون حين نفوا أن يكون أبا إبراهيم عليه السلام هو صانع الأصنام، لأنه قال "لأبيه آزر" – ولا يذكر العم متلوا باسم إلا إن كان له إخوة. (الميرزا: "لقب يرتبط بالسحرة والجن، ولا يعرف القرويون إلا أنه علم على الدجال العتويل). (ذو السيفين، نحن أمام كيان دخيل بكامله، لذلك يلجأ الكاتب إلى هذه الطريقة لتسهل له ترتيب هؤلاء الدخلاء الطارئين، مع الاحتفاظ بمسافة بين أهل القرية الذين يصيرون شعبًا في النهاية، والدخلاء الذين يصبحون "الشرطة" التي فقدت جدواها "الإرهاب")

(6)

يميل الكاتب إلى استخدام لغة الفصحى القريبة من لغة الصحافة والشارع، الاحتفاظ الذكي بالكلمات الكبرى التي يستخدمها في بعض الأحايين العامة والشرطيون والشيوخ والمجاذيب.

جاءت صيغة الراوي المشارك؛ لتجعل لغة النص سائلة بلا حد، فلا فرق بين السرد والحوار، كما سمحت للروائي أن يستخدم تعبيرات تنتمي للواقعية السحرية أو للوهم؛ فهو يقول إنه بعد خدعة المهدي صار يسير في دقيقتين ما كان يسيره في عشر دقائق، وهذا من كرامات الانبياء والأولياء وأهل الخطوة: ريح سليمان، سير المسيح على الماء، براق محمد، انتقال الولي. كما يمكن فهمه في إطار مختلف، وهو أن البطل ينقل تصوراته وأوهامه – صدق نفسه كما تقول الجماعة الشعبية -.

لجأ الكاتب للسرد الشعري، عبر إعادة ترتيب الأحداث الكبرى، وعبر تقطيع جزئي للأحداث التي دارت غالبا بين ثلاثة أماكن، شقة الصحفي القاهرية، مكتب الصحيفة التي يعمل بها، وعدة أزمنة، مفتتحها التمهيدي عند بدء كتابة الرواية – النص عبارة عن رواية صحفي يكتب رواية عن قريته – والأساسي هو عودته وابتلاع الأرض – ويستطيع ربط الأمكنة والأزمنة عبر "تضفيرة" محكمة،، تجعل حضور بقية الأطراف – رغم غيابه عنها - ممكنا ومقبولا رغم هيمنة مكان السرد الآني.

التناص أحد التقنيات المهيمنة على الرواية، ورغم أن القارئ يحتاج إلى جهد في تفكيكه معرفة أصوله – وهذا ما قد يدفع البعض إلى اتهام الرواية بالغموض- فإن أي رجل عامي سيستمع للنص لن يجد صعوبة في فهم المراد؛ هذا التداخل موجود على أرض الواقع يعايشه القروي وينطقه وكأنه يتحدث عن (زرعته).

التداخل الذي ورثه الفلاح المصري وارث اسم قريته الفرعونية أو اليونانية، وأدوات فلاحته الجامعة بين مختلف العصور، يتسرب مثلها في معتقده الديني الذي يتشرب المتناقضات ويخرجها نسيجًا واحدًا، ولما كانت حياته كتلة واحدة – فكأننا أمام أوان مستطرقة – وهذا ما تجده في النص؛ فالحضور الديني والثقافي والبوليسي والصحفي موجود متجاور دون تعقيد على القارئ

إعادة الحكاية، ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها موسى لهذه التقنية؛ فهو يحكي القصة مرة، ثم بعد ذلك يعيد حكايتها بمحتوى مختلف يصل حد التناقض، مثلا لماذا ترك أبوه بيت العائلة؟ 

(7)

تستحق السخرية التي كتب بها النص، بابا خاصًّا؛ إذ السخرية أرقى أنواع الكتابة؛ فسرفانتس جعلنا نضحك ضحكًا نبيلا مطهِرًا، ولعل ندرة الملهاة في الأدب العالمي، مع بقائها دليل على ذلك؛ وما يقوله سليمان العطار عن تعلم ماركيز السخرية في عشرين عامًا. 

إن السخرية في الحياة أو في الفن نوع من امتهان السلطة الغاشمة العمياء، نوع من انتقاد عماء البصيرة، وضيق النظر، منذ بدأ المصريون القدماء في الرسم الكاريكاتيري على "الأوستراكا" ومرورا بشعوب العالم وأيامه.

ومنذ البداية يسخر الروائي من المذيعة وسبب اختيارها، وضعف إعدادها، وكأن المؤلف يرمي منذ الضربة الأولى مسمار نعش النظام القديم الذي انتهى نصه بـ: "الشعب يريد إسقاط النظام"

ما إن تتابع أماكن سخرية الناص الكبرى حتى ترى أنه يعد نعشا محكمًا لنظام ميت بالفعل.. كيف: سوء الاختيار، واستبعاد الكفاءات، والضغط على جهات غير معنية وغير مختصة بمهام معقدة دون أي بيانات حقيقية، مع صلاحيات لا حدود لها.

تهاجم قرية بالمدرعات لأنها تريد ري عدة أفدنة معتمدًا على خبر لدقيقة في إذاعة صهيونية، وبدلا من طلب تقرير لن يكلف إلا نزول مشرف ري، تنزل كتائب مدرعة.. لكن الشعب يلجأ للحل الخرافي الذي ينجح.. تحمل سيدة عضو مجلس قيادة ثورة آخر، وتقف به أمام المدرعة، وتتوقف الرتبة الأقل للرتبة الأخطر، وبعد مكالمة صغيرة يعود الجند، وبعد أقل من عامين تحدث النكسة.

تستشري أسرة تاجر المخدرات وتتوغل، حتى ليصل بها الأمر لوضع يده على عشرات الافدنة بالقوة، والتدخل في تعيين ضباط ونقلهم، وفي الإتيان بعضو مجلس شعب وإزاحته، بل حينما يشكو أحد سكان القرية هذه العصابة لأعلى جهات الدولة، تقوم العصابة بصلبه أمام القرية وينزل رئيسها ومعه الشكوى، وبعد أن يقرأها يبصق على الرجل وهو يقول له: عندما تحب أن تشكوني، فتعال لي.. مع هذا لا تتحرك الحكومة إلا حين تحدث حرب أهلية بين قريتين، لكنها كالعادة تختار كل شيء لا يصلح؛ فتزداد البلوى.

ومع الاختفاء المفاجئ تأتي قوات الشرطة – كالعادة – وحين تتخبط فإنها تلجأ للممر الآمن، تجار المخدرات، والدجال، وبقية العائلة، ويتم اعتماد "كذبة" وجود سرداب وجن وعفاريت لإخفاء الضابط الذي اقترب من الحقيقة..

هذا العبث لا يجابه إلا بالسخرية والامتهان، وبلجوء الناس للخرافات والأساطير والتطرف.. يحاول الناص كثيرًا إخفاء رسالته الموضوعية تماما، وحين يختار القناع الساخر للإمعان في التخفي، يظهر الأمر جليًا: نحن أمام نظام ميت لأنه لا يرى أننا مشكلات يمكن عرضها على جهات علمية متخصصة.. بل أمام خطر داهم في لحظة حرجة أثناء وجودنا داخل عنق الزجاجية.. ولا علاج لهذا الخطر الكوني إلا بكتائب ودبابات.. لماذا خلق الله الكيمياء إذن؟ – لتتحول إلى طريقة لدمج الأدوية لتعطي أثرًا مخدرا مضاعفًا – لماذا خلق الله الطب والفن والأدب؟ الرسالة واضحة لكن في بلادي من يقرأ ليس مسؤولا.. والمسؤول لا يقرأ.. بل ينتظر: "كله تمام".. "تمام يا أفندم" لذلك فلنأخذ بحقنا سخرية في انتظار ثورة.
--------------------
بقلم: أحمد سراج