القانون والقانون وحده هو الذى يفصل ويحكم البشر فى الإطار الجغرافى لأى دولة ولأى شعب. وذلك لأن الأحكام القانونية قد مرت بمرحلة التشريع من خلال المجلس التشريعى الذى التزم بفلسفة التشريع التى تبغي المصلحة العامة للمواطن والدولة. كما أن هذا القانون هو المصدر الأساسى لإصدار الحكم القضائى بعد مرور القضية بكل الاجراءات القانونية والقضائية ولذا يصبح الحكم هو عنوان الحقيقة. وهذا غير التعاليم والتفسيرات والآراء والمعتقدات والإرشادات الدينية والكنسية. فالقانون يلزم بتطبيق الأحكام، أما التعاليم والارشادات الدينية فتترك للفرد فى إطار الايمان والاقتناع بها من خلال علاقته الخاصة بينه وبين الله. فعدم تطبيق القانون يقابله جزاء ولكن عدم الالتزام بالإرشاد والعظات الدينية فحسابها عند الله. (مملكتي ليست من هذا العالم).
ولذا فقد رأينا رجال الدين فى اوربا فى العصور الوسطى قد حولوا الإرشاد الكنسى إلى استبداد كنسى، من خلاله تحول رجال الدين إلى وكلاء لله على الأرض يفرضون سيطرتهم وسطوتهم مما أساء للدين ولرجاله.
هنا وجدنا الكنيسة ترسل مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين لمجلس الوزراء الذي أرسله إلى البرلمان لإقراره. ودون الدخول فى تفاصيل المواد فهناك قضايا إنسانية ووجودية تخص الإنسان الذى هو سابق الأديان وجاءت الأديان لمصلحته، منها قضية الزواج الثانى فى المسيحية.
بداية لابد أن نفرق هنا بين النص وبين فهم النص وتفسيره وتأويله. فالنص واحد ولكن اختلاف تفسيره، بل تناقض هذا التفسير أحيانا جعل هناك تعددية طائفية تتناقض وتتصارع فيما بينها لحد الاقتتال المسلح طوال التاريخ!!
وهذا يعنى أن آراء الطوائف والكنائس فى المجمل ليست هى الحقيقة المطلقة، ولكنها كانت لصالح المؤسسات الدينية وليست لصالح الدين أو البشر. كما أن الدين جاء لصالح الإنسان (السبت لصالح الإنسان وليس الإنسان لصالح السبت).
كما أن الزواج بشكل عام ليس حقا دينيا أو كنسيا ولكنه حق وجودى يرتبط بالإنسان وجودا وعدما. أى لا يملك أحد التحكم فى زواج أحد، ولكنها الأعراف الأجتماعية التى تتطور وتتغير حسب معطيات الواقع ومستحدثات التطور. فما كان مرفوضا فى مرحلة تاريخية أصبح الآن مقبولا. ولكن الإشكالية هنا أن الكنيسة هى التى تقوم بمراسم الزواج الأول أو الثانى تحت مسمى سر الزواج. يعتبرون أن قيام الكنيسة بهذا الطقس يحول الاثنين إلى جسد واحد. وهذا بالطبع مفهوم روحى وليس مفهوما حرفيا حسب تفسيرهم لنص (ما يجمعه الله لا يفرقه الإنسان). واعتبروا أن قيام القس بطقس الزواج باعتباره مندوب الله وكأن الله هو الذى قام به. ماشى هذا مفهوم روحى جميل ورائع. ولكنه ليس واقعا عمليا وإلا لماذا يختلف بل يتقاتل الزوجان ويُطلقا بعد ذلك إذا كان قد جمعهما الله وجعلهما واحدا وليس اثنين. هنا نريد أن نقول يجب أن نأخذ الأمور بمجازيتها وليست بحرفيتها لأن الأساس والهدف هو مصلحة الإنسان. قالوا ويقول الأنبا بولا متشدقا وواثقا أنه لا زواج ثان للزانى. فمن قال لك ومن هو الذى بستطيع إثبات الزنا الفعلى تحديدا؟ فهل كنا شركاء ومشاهدين؟ ام أن هناك من يدعى على الاخر أو على نفسه بالزنا للتخلص من الشركة الزوجية!!
كما هو وهذا هو الأهم، فماذا فعل السيد المسيح مع الزانية التى أرادوا رجمها (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) أى أنه قد عفى عنها. فالسيد المسيح يعفو ويسامح وانت لا تعفو؟ ومن جعلك هكذا تعفو أو لا تعفو!!!
فهل سماحة السيد المسيح والمسيحية فى الغفران تجعل الكنيسة لا تغفر؟ والإعلان عن ندم الزانى فهذا نوع من التوبة التى يقبلها الله. كما أن عدم التصريح بالزواج الثانى هو الحكم بالإعدام على إنسان لا يملك ممارسة حياته الإنسانية وهى حق وجودى يتجاوز كل شئ. الأهم أن الكنيسة تحكم عليه أن يظل زانيا طوال حياته. فهل هذه هى المسيحية؟ وهل هذا هو مبدأ التوبة؟ وما رأيك يا أنبا بولا برجال دين أمسكوا بذات الفعل ولم يحاسبوا حسب تعاليم الكنيسة ولا زالوا رجال دين مع زوجاتهم!
الزواج حق إنسانى ودستوري وقانوني. وعلى الدولة حماية حق المواطن ولذا إلى أن يتطور المجتمع يجب أن يقنن الزواج المدنى كحق للإنسان. كما أن الكنيسة لا يجب أن تمنع مسيحيا تزوج مدنيا بعيدا عن الكنيسة فى أن يمارس عبادته. لأن الكنيسة ليست ملكية خاصة، فهى بيت الله الذى يقبل كل القادمين إليه والقابلين له .
حمى الله مصر وشعبها العظيم .
-------------------------------------
بقلم: جمال أسعد






