02 - 07 - 2026

ما بين 25 يناير و30 يونيو: منعطفات حرجة في مسيرة الثورة المصرية

ما بين 25 يناير و30 يونيو: منعطفات حرجة في مسيرة الثورة المصرية

قبل عامين ونصف كتبت مقالا بعنوان "13 عاما عجافا في ظل الثورة المضادة: لماذا هزمت يناير؟"، شرحت فيه أسباب هزيمة ثورة 25 يناير، والأسباب التي ذكرتها في ذلك المقال تساعدنا أيضا على فهم ما حدث بعد عام ونصف من ثورة يناير، والذي بدأت مقدماته، بعد الإعلان الدستوري المكمل في 22 نوفمبر 2012، الذي أصدره محمد مرسي رئيس الجمهورية آنذاك، مفجراً سلسلة من المواجهات بلغت ذروتها في 30 يونيو بعد خطاب الشرعية الشهير، الذي تحدي فيه الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، الذي كان واجهة لمكتب إرشاد الجماعة، تطلعات المصريين إلى حكم دستوري يوسع من حقوق المحكومين ويقيد من صلاحيات الحاكم ويخضعها للرقابة والمحاسبة، تحقيقاً للفلسفة الأساسية التي يقوم عليها الدستور، الذي كان مطلبا أساسيًا للمصريين منذ ثورة عرابي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. لقد كان النضال من أجل الدستور هو الركيزة الأولى، إلى جانب مطلب الاستقلال الوطني، في ثورة مصر الوطنية في عام 1919، وكان تعطيل الدستور والانقلاب عليه أو الالتفاف عليه عبر سلسلة من التعديلات والإعلانات الدستورية، الآلية الأساسية التي تعتمد عليها السلطة في تركيز الصلاحيات في يد الحاكم وفرض قيود على الحريات العامة والخاصة، على النحو الذي ميّز مسيرة مصر السياسية منذ عام 1930، مع انقلاب إسماعيل صدقي، وفي العقود التي تلت الإطاحة بالنظام الملكي بعد حركة "الضباط الأحرار" في 23 يوليو 1952، ولم تعرف مصر دستورا دائما إلا في عام 1971، الذي جرى تعديله أكثر من مرة ولاعتبارات تخص السلطة وترتيباتها وبعيداً عن الجماهير وتطلعاتها.

"البديل" وتجاوز ثنائية العسكر والإخوان

النظم لا تحكم بالدساتير فقط. فإلى جانب الدستور، والذي قد يكون معطلًا فعليًا، تمارس النظم الحكم عبر سلسلة من التشريعات والقوانين التي قد يؤثر بعضها على حقوق أساسية منصوص عليها في الدستور وكذلك عبر الأجهزة الإدارية للدولة، وتعتمد بشكل رئيسي على أجهزة الأمن وإنفاذ القانون. المهمة الأساسية للحكم هي التعامل مع التناقضات الاجتماعية والسياسية بما يحقق التوازن ويضمن استقرار النظام السياسي. ومن المهم لفهم السياسات المتبعة في دولة ما تحليل التناقضات الرئيسية والثانوية التي يتعين عليها إدارتها. فما هو التناقض الرئيسي الحاكم للصراع الاجتماعي والسياسي في مصر. هناك من يعتقد أن التناقض الرئيسي في هو بين النظام الذي يدير شؤون منذ عام 2013، وبين جماعة الإخوان المسلمين والتيارات التكفيرية الأخرى، غير أن هذا التناقض يظل ثانويا مقارنة بالتناقض مع القطاعات الاجتماعية الواسعة والأحزاب والتيارات السياسية التي تطالب بإحداث تغيير جذري في سياسات الدولة وتحالفاتها الاجتماعية وتحالفاها الإقليمية والدولية، على الرغم من حظر جماعة الإخوان المسلمين، رسميًا، وعلى الرغم من المواجهات الدامية للمنتمين للجماعة وبين أجهزة الأمن والناجمة عن ميل هذه الجماعات والتيارات التكفيرية المتحالفة معها، أو التي تطرح تصورات أكثر تشددًا، للجوء إلى العنف المسلح واتباع تكتيكات إرهابية لزعزعة الاستقرار. 

إن تصدير وهم التناقض بين النظام وجماعة الإخوان، يستهدف تهميش التناقضات الأخرى واستمرار السياسيات القائمة، واتهام من يعارضها بالانتماء إلى الجماعة المحظورة، لكن يظل هناك جانب موضوعي يتمثل في أن الجماعة، وعلى الرغم من الضربات الأمنية التي تعرضت لها، وعلى الرغم من الضربة الأساسية التي أصابت شرعيتها في أعين قطاعات عريضة من المصريين بعد تجربتهم في الحكم، لا تزال هي الأكثر تنظيمًا وتماسكًا، ولا يزال عدد كبير من كوادرها الوسطى في المنفى، ويتطلعون إلى العودة إما من خلال مصالحة ما مع النظام أو تغير في سياساته. هذا الوضع ناجم بالأساس عن تأميم السياسة وهشاشة الأحزاب السياسية الأخرى، الأمر الّذي يجعل تلك الطبقات الوسطى في المدن، والّتي لا تزال تشكّل الركيزة للنظام، تتقلّب بين ثنائيّة "العسكر والإخوان"، خصوصا في ظل عجز النخبة عن بلورة تيّار ثالث يكسر هذه الثنائيّة ويتجاوزها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الطبقة الاجتماعيّة هي الحاضن الرئيسيّ والضامن لاستقرار النظام بوجهيه، العسكريّ والأصوليّ، وهي مستمرّة في لعب هذا الدور، بالرغم من أنينها تحت وطأة الإجراءات القاسية الّتي يقدم عليها النظام لضمان احتفاظه بالسلطة، نتيجة لافتقاره لأيّ مقوّمات للشرعيّة، وعجزه عن إنتاج سياسات تضمن له رضا المحكومين. وتعوّض السلطة العرجاء والعاجزة هذا النقص من خلال الإفراط في سياسات القمع والتنكيل بالمعارضين، والاستمرار في تأميم العمل السياسيّ من خلال وأد أيّ محاولة جادّة على مستوى بناء التنظيمات السياسيّة وفرض قيود صارمة على التنظيم الّذي هو أساس العمل السياسيّ، والإفراط في استخدام الخطاب الدينيّ، والإسراع لحلّ أيّ تناقض قد يظهر مع المؤسّسة الدينيّة ورجال الدين، ويكمل هذه السياسة بالتلاعب بالتناقضات واستغلالها، وتوظيف ورقة الإخوان المسلمين وما تشكله الجماعة من تهديد لمصالح لقطاعات في الداخل وقوى في الخارج.

لقد كان توظيف الخطاب الديني أحد الآليات الأساسية التي اعتمدت عليها السلطة في مصر في سلسلة الانقلابات المتتالية في أعقاب ثورة 25 يناير، بدءا باستدعاء الشيخ يوسف القرضاوي، أحد رموز هذا التيار لإلقاء خطبة الجمعة في ميدان التحرير في 18 فبراير 2011، أي في الجمعة التالية على جمعة تنحّي مبارك، وجرى تكريس هذا الخطاب لضمان الإبقاء على دستور عام 1971 مع إدخال بعض التعديلات عليه وطرحها للاستفتاء  العام في 19 مارس 2011، وإشراك رموز من جماعة الإخوان المسلمين في صياغة هذه التعديلات وتمريرها، وما اتبع ذلك من إعلانات دستوريّة، مكملة ومضادة، وإدارة الصراع على السلطة عبر الانتخابات، التي تعد ركيزة أساسية يعتمد عليها النظام في تأكيد شرعيته، الأمر الذي استمّر في أعقاب انقلاب 2013، الّذي جاء تتويجًا لسلسلة الانقلابات عبر إعلانات دستوريّة مكمّلة جميعها يعبّر عن طبيعة الأزمة الناجمة عن الإفلات من الاستحقاق الدستوريّ المؤجّل، والّذي سيستمرّ تأجّليه مع استمرار حكم هيئة أركان الثورة المضادّة

ولعب السلفيّون دورًا في دعم النظام وسياساته المحافظة والترويج لها كنموذج من نماذج الحكم المنشود الّذي يتبنّى شعار تطبيق الشريعة الإسلاميّة. إنّ الإصرار على الصيغة السياسية الراهنة التي لا تسمح بتبلور مشروعات سياسية من خلال الأحزاب القائمة، وتهيئة الظروف التي توحي بأن جماعة الإخوان المسلمين هي البديل الوحيد في ظل أي سيناريو للتغيير بما يضمن استمرار السياسات الراهنة للنظام القائم، ووجود القوى السلفية المهادنة في الحلف الداعم للنظام، والتضييق على التيارات اليسارية والليبرالية التي قد تطرح مشروعات للإصلاح، يضع البلاد في مأزق، لأنه لا يوفر بدائل للتغيير أو حتى للتعامل مع أي سيناريو مفاجئ نتيجة لتطورات داخلية أو حتى إقليمية. والإبقاء على هذه الثنائية يعبر عن الإصرار على الإبقاء على الملامح الأساسية للاستبداد بالسلطة. والأحاديث التي أدلت به شخصيات بارزة من المعارضة تشير إلى عمق الأزمة السياسية التي تعاني منها مصر والتي استعرضت بعضا من ملامحها في مقالات سابقة عن أزمة الأحزاب السياسية نشرتها من خلال موقع المشهد، لاسيما مقال التعديل الدستوري المنشود.

الشرعية والرهان على القوى الخارجية

لا شك أن خوف القوى الاجتماعية والسياسية من عودة الإخوان إلى السلطة، والتحالفات الإقليمية، والسعي لكسب التأييد الدولي لعبوا دورًا رئيسيًا في تدعيم نظام ما بعد 2013، الذي حاول بناء شرعيته من خلال برنامج للإصلاح الاقتصادي الجذري، أملًا في جذب الاستثمارات الخارجية، لكن المشروعات التي يجري تنفيذها لتأهيل مصر لأن تكون لاعبا رئيسيا في سلاسل التوريد العالمية، استنادا إلى موقعها الجغرافي الذي يتوسط القارات الثلاث الكبرى، وثقلها الإقليمي الذي يعزز من دورها ومكانتها في منطقة الشرق الأوسط المضطربة، جعلها في وضع فريد لكنه خطر في الوقت نفسه. وحذر مدير "مختبر مستقبل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي"، في تقرير نشره من خلال المجلس الأطلسي، من أن الأزمة المالية في مصر الناجمة عن حرب إيران وما سبقها من حروب في المنطقة على خلفية حرب غزة في أكتوبر 2023، قد تكون علامة تحذير للنظام العالمي، وهو أمر قد يشعر النظام الحالي بأن العالم قد يتدخل في الوقت المناسب بخطة إنقاذ، ويجعله يتمادى في سياسات الاقتراض الخارجي لتمويل مشروعات عقارية عملاقة تتجاوز حدود الاقتصاد الوطني وقدرته على الشراء، لكن هذا الأمر محفوف بمخاطر قد تجعل مصر في قلب أي أزمات اقتصادية عالمية قد تطول سلاسل التوريد.

لقد تعرضت مصر لهذه الأزمة مع الإغلاق، وقت جائحة كوفيد-19، في عامي 2020/2021، وبدأ التفكير جديا في ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والاحتياجات الأساسية، لكن الانشغال الرئيسي كان بمواصلة برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تعثر بسبب سياسات النظام السابق الحريصة على الحفاظ على التوازنات الاجتماعية خوفا من حدوث هزات لاستقرار النظام السياسي واستقرار الحكم. ربما شجع نجاح الدولة في امتصاص الآثار التي ترتبت على ثورة يناير وعلى الإطاحة بحكم الإخوان، على المضي قدما في اتباع سياسات اقتصادية واجتماعية صعبة على القطاعات العريضة من المصريين، والتي أدت إلى مزيد من التهميش الاقتصادي والاجتماعي وتزايد التفاوتات الطبقية ودفعت بشرائح كثيرة من الطبقات الوسطى إلى حافة الفقر أو تحت خط الفقر، دون أن تخشي أي تكلفة سياسية لذلك والاعتماد المفرط على الإجراءات القمعية في التعامل مع أي بوادر للتمرد. وربما تمنحهم قاعدة أن "السياسة لم تخلق للجوعى"، إحساسا بالاستقرار، وهو إحساس زائف وخطر لأنه لا يسمح برصد التآكل الحادث في الركيزة الاجتماعية للنظام. وتجدر الإشارة إلى أن تقييد التقييمات النقدية وحرية الأحزاب في توجيه انتقادات لسياسات النظام، قد يحرمه من رؤية الأخطاء والتعامل معها في الوقت المناسب.

لقد نجحت السياسات الاقتصادية على ما يبدو في جعل بلوغ الاقتصاد المصري مستوى من الضخامة، والأهمية وأكثر ارتباطا بالتدفقات المالية العالمية، مما يجعل لأي اضطراب مالي محتمل في مصر تأثير واسع النطاق يمتد إلى الأسواق العالمية ويشمل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، علاوة على أهمية مصر الجيوسياسية البالغة كشريك للولايات المتحدة والقوى الإقليمية والدولية في تحقيق الاستقرار في هذه المنطقة المضطربة. إلا أن هذا النجاح تحقق على مستوى المؤشرات الكلية للاقتصاد ولم يترجم إلى نتائج يشعر بفوائدها المواطن، بل تجعله يشعر بالتهميش وبعدم الجدوى وتدفعه إلى الإحباط والشعور بعدم القدرة على التأثير والفاعلية واللامبالاة، وإدراك أن أي محاولة للتغيير ستدفعه إلى وضع أسوأ استرشاد بخبرته القريبة والاعتقاد بأنه كان في وضع أفضل من الوضع الحالي، وأن القادم قد يكون أسوأ على الأرجح. 

إن الاعتماد المفرط على دعم القوى الخارجية للنظام وتوجهاته، جعله غير مهتم، على ما يبدو، ببناء شرعيته استنادا إلى قبول القوى الاجتماعية والسياسية في الداخل، ولا يبدي اهتمامًا بقياس الآثار المترتبة على اختياراته، كذلك فإن تراجع الاهتمام العالمي بقضايا الحقوق الإنسان والقيم الديمقراطية بسبب صعود التنافس الجيوسياسي العالمي، وبسبب التحولات التي يشهدها الاقتصاد على المستوى العالمي وفي المراكز الرأسمالية الكبرى نتيجة للتطورات التكنولوجية التي تدخل تعديلات جذرية على بنية الاقتصاد والوظائف، تقلل من الضغوط على النظام من أجل إحداث إصلاحات سياسية واجتماعية ضرورية، وتقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية. إن الخوف من حدوث أزمة مالية في مصر قد يكون لها تأثير عبر الأسواق والاقتصادات العالمية، عامل مهم في سياسات مؤسسات التمويل الدولي تجاه مصر، خشية النتائج التي قد تترتب على اضطرارها إلى خفض قيمة عملتها للحفاظ على الاحتياطيات المالية وجدارتها الائتمانية، ودخولها في حلقة مفرغة بين ضعف العملة والتضخم والضغوط المالية. ومن ثم فإن التوصيات الموجهة لصانعي السياسات في الدول الداعمة لمصر، هي تعزيز دعم صندوق النقد الدولي لمصر، وإظهار الثقة للحيلولة دون تفاقم قوى السوق وما قد يترتب على ذلك من نتائج صعبة، ويعزز الإحساس لدى المراقبين والمحللين الأجانب، ومن ثم لدى الحكومة، بأن الضغوط الاقتصادية غير المتوقعة، ناجمة عن أحداث خارجة، إلى حد كبير عن السيطرة، وأن من المهم دعم مصر الآن، نظراً لأهميتها للمنطقة وللولايات المتحدة، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وعدم استقرار الأسواق.   

إن السؤال الرئيسي الآن، هو كيف يمكن للحكومة أن تستفيد من المكانة الفريدة التي تحتلها مصر في الاقتصاد الإقليمي، بسبب حجمها، وروابطها المالية، في إحداث تغيير في أولويات الانفاق وبنود الموازنة للتخفيف من أثر المديونية على المواطنين، ووضع خطط لتحويل التدفقات المالية الخارجية نحو مشاريع تحقق دخولا تساعد على تحسين أوضاع الاقتصاد الجزئي على نحو يشعر معه المواطنين بأثر إيجابي للمشروعات الاقتصادية التي التهمت قدرا كبيرا من تلك التدفقات ووضع سياسيات تحرر من الحلقة المفرغة للديون. إن الإجابة على هذا السؤال ترتبط ارتباطا وثيقا باختيارات النظام السياسي وكيفية ترجمة مؤشرات الاقتصاد الكلي إلى مؤشرات تشعر المواطنين بما تحقق من إنجازات كي ترسي شرعية النظام السياسي على أسس قوية تقوم على رضا المواطنين، وعدم الاعتماد فقط على القوى الخارجية، وهذا ينقلنا إلى المجال السياسي.

لقد أزالت ثورة 30 يونيو خطر خضوع مصر لجماعة أيديولوجية لديها ولاءات وارتباطات تعلو ولاءاتها الوطنية وترى في مصر ركيزة لطموحات قد تتجاوز الأولويات والمصالح الوطنية على النحو الذي كشفه خطاب مرسي في الصالة المغطاة يوم 16 يونيو 2012، والذي كاد أن يورط مصر في حرب أهلية خارج حدودها من أجل رؤية الجماعة ومشروعها السياسي، وعلى نحو يخالف التقاليد التي استقرت في السياسة الخارجية المصرية بعد مغامرة حرب اليمن في الستينات، علاوة على ما قد تحدثه هذه السياسات في الداخل من انقسامات اجتماعية ومذهبية، نتيجة لتحالفاته السياسية الداخلية والإقليمية. واستطاعت الجماهير مواصلة ثورتها كي لا تخضع مرة أخرى للاستبداد السياسي، لكنها تسببت أيضا في حدوث اختلال في موازين القوى السياسية نتيجة للدور الذي لعبته القوات المسلحة بتغيير توجهاتها وقرارها الانحياز للغالبية الساحقة التي انتفضت، لكنها خرجت هذه المرة أكثر قوة ولها وضع فريد في النظام السياسي. لكن السؤال هل حالة الفراغ السياسي التي تعاني منها مصر الآن، واستغنائها عن الظهير السياسي الذي لعب دورًا أساسيًا في الإطاحة بحكم من حكم الإخوان المسلمين يفيد الاستقرار السياسي على المديين المتوسط والبعيد؟ كيف سيكون الحال إذا حدثت انفجارات اجتماعية نتيجة لتدهور أوضاع المواطنين المعيشية ونتيجة للتفاوت الطبقي الشديد الذي أوجد في مصر مجتمعين منفصلين تمامًا ومتصادمين ومتصارعين؟ دعنا من هذا، لنسأل عن وضع رأس المال البشري وبناء القدرات البشرية المصرية التي تعد ركيزة اقتصادية مهمة تجسدها مساهمات تحويلات العمل المصريين في الخارج، والتي ستكون حاجة ماسة إليهم مع بدء مشاريع إعادة الإعمار في كثير من بلدان المنطقة، والتي تأثرت بشدة نتيجة لتسويف الاستحقاقات الدستورية المتعلقة بنسب الإنفاق على التعليم والصحة. 

هذه أسئلة سياسية بامتياز، وهي وثيقة الصلة بالإصلاح السياسي والشروع فورا في المهمة المؤجلة منذ عام 1952، والتي تتعلق بإقامة حياة ديمقراطية سليمة، توفر أليات سياسية لتحديد أولويات إنفاق الناتج المحلي الإجمالي، تحددها غالبية المصريين من خلال انتخابات حرة وشفافة تضمن وصول الحزب الذي يرى غالبية الناخبين أن برنامجه يتفق مع الأولويات التي يقررونها، وتشكيل حكومة مفوضة من الناخبين تعمل على إزالة القيود التي تعوق تعظيم الانتاج والتي تحرم المصريين من استغلال قدراتهم الإنتاجية، وتحسن توظيف الموارد واستغلالها، وتدرك أن الإنسان هو الركيزة والغاية لأي تنمية اقتصادية. إن الفراغ السياسي الذي تعاني منه مصر منذ 2013، والذي قوض عقودًا من التراكم السياسي منذ السبعينات، قد يكون مغريًا لأي حاكم لديه أحلام كبيرة لمصر ولديه من السلطة ما يمكّنه من تحديد الأولويات منفردا لتحقيق هذه الأحلام، لكن علينا أن ندرك أن آفة الاستبداد لا تعالجها أي أهداف نبيلة أو نوايا طيبة، وأن آفة الاستبداد أنها ترهن مصير البلاد ومستقبلها بيد شخص واحد، وهنا مكمن المقامرة الكبرى لأي مجتمع يستسلم للاستبداد ولا يناضل من أجل حرية أبنائه وحقوقهم السياسية، ويعزز الإحساس لديهم بأنهم شركاء في هذا الوطن وأصحاب مصلحة وحق في أن يشاركوا في وضع سياساته.
----------------------------------------
بقلم: أشرف راضي



    

 

مقالات اخرى للكاتب

ما بين 25 يناير و30 يونيو: منعطفات حرجة في مسيرة الثورة المصرية