أكدت مصادر لبنانية قريبة من المقاومة لـ "المشهد" أن الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه في واشنطن مرفوض وغير ملزم للمقاومة، وأن المقاومة لن تقبل إلا بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية. وأوضحت المصادر أن فكرة المناطق التجريبية مرفوضة منذ البداية وهو ما أكده رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل نبيه بري، والذي طالب بانسحاب الاحتلال من جنوب لبنان مقابل انسحاب المقاومة من جنوب نهر الليطاني، وأكدت المصادر أن إيران لن توقع أي اتفاق قبل الانسحاب الإسرائيلي من لبنان.
وكان التليفزيون الإيراني قد نقل يوم الخميس (25 يونيو 2026) عن مصدر لم يسمه، أن أي اتفاق نهائي يتطلب انسحابا إسرائيليا كاملا من جنوب لبنان، وإن ذلك يشكل أحد الخطوط الحمراء الأساسية، موضحا أنه رغم تراجع الهجمات الإسرائيلية خلال الأيام الستة الماضية نتيجة للإجراءات الإيرانية، لكن إيران لن تقبل إلا بوقف إطلاق نار دائم وانسحاب إسرائيلي كامل.
وكان الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، قد أرسل رسالة للسلطة اللبنانية قبل الإعلان عن توقيع الاتفاق قال فيها "نرفض التفاوض المباشر رفضاً قطعياً"، ووصفه بأنه تنازل مجاني بلا ثمار، ووضع قاسم شروط أي اتفاق وهي "وقف العدوان براً وبحراً وجواً، والانسحاب من الأراضي المحتلة، والإفراج عن الأسرى، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار".
قاسم في خطاب له يوم الجمعة بمناسبة الاحتفالات بذكرى عاشوراء، أكد رفضه القاطع لنزع السلاح، واعتبار أي مسار أمني يبدأ بنزع سلاح المقاومة هو "إعدام لقوة لبنان"، لأن الميدان أثبت أن المقاومة لم تُهزم، بل صمدت وواجهت، وقال "ما دامت قرانا تُقصف فلن يكون شمال إسرائيل آمناً".
** السلطة لن تستطيع التنفيذ
وقد شهدت الضاحية الجنوبية والعاصمة بيروت وعدد من المدن اللبنانية مظاهرات حاشدة ليلة الجمعة (26 يونيو 2026) رافضة للاتفاق، كما تجمع عشرات المحتجين أمام السراي الحكومي في بيروت، معبرين عن رفضهم لمضمون الاتفاق ومطالبين بالتراجع عنه، ورفع المشاركون رايات للمقاومة مرددين هتافات ترفض أي ترتيبات يرون أنها تمس السيادة اللبنانية.
وفي أول تعليق على الاتفاق قال النائب البرلماني عن حزب الله حسن فضل الله، "إن السلطة اللبنانية لن تستطيع فرض تنفيذ الاتفاق إلا إذا ذهبت إلى حرب أهلية بدعم أمريكي"، وفي تصريحات إعلامية وجه فضل الله كلمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي "أقول لنتنياهو: لا تستعجل في زف البشرى للمستوطنين، أنت اتفقت مع من لا يمون على شبر واحد من الأرض اللبنانية، ومع من لا يملك قراراً، لأن العامل الأساس هو الميدان، ونحن نملك الميدان، ونحن أهل الأرض، وسنتمسك بسلاحنا أكثر". كما لفت فضل الله إلى أن المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي تخالف المادة 52 من الدستور اللبناني، ولا يحق لأي شخص إلغاء حالة العداء لإسرائيل والتي ستبقى مستمرة، ومَن يصافح العدو الإسرائيلي شريكٌ له في جرائمه.
وفي الأثناء أصدر وزير العمل الدكتور محمد حيدر، ووزير الصحة الدكتور ركان ناصر الدين (وهما يمثلان حزب الله في الحكومة) بياناً أوضحا فيه أن تكليف التفاوض، أو منح صلاحية للتفاوض لم يطرح خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، ولفت حيدر ونصر الدين، إلى إن ما جرى خلال النقاش اقتصر على التأكيد بأن أي اتفاق محتمل، متى وُجد، سيُعرض على مجلس الوزراء لاتخاذ القرار بشأنه وفقًا للأصول الدستورية، مؤكدين رفضهما للتفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، وهو لم ولن يتبدل، بالإشارة إلى كونه موقف أجمع عليه وزراء الثنائي الوطني تحت سقف ما أعلنه دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري. وكان فضل الله قد شدد على أن بقاء وزراء الحزب في الحكومة لا يعني الموافقة على قراراتها.

** نص الاتفاق الإطاري
هذا، وقد نشرت الخارجية الأمريكية صباح السبت (27 يونيو 2026) بنود اتفاق "الإطار الثلاثي" بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، والمكون من 14 بنداً:
• حكومتا إسرائيل ولبنان بدعم من الولايات المتحدة تؤكدان هدفهما المشترك المتمثل في تحقيق "سلام وأمن" دائمين.
• لبنان وإسرائيل يطمحان لإنهاء الصراع وضمان سيادة وأمن كليهما وإقامة علاقات جوار سلمية.
• تؤكد إسرائيل ولبنان حق كل منهما في الوجود بسلام ورغبتهما في العيش بأمان كدولتين سياديتين متجاورتين.
• تعلن إسرائيل ولبنان عزمهما إنهاء الصراع بشكل نهائي ومعالجة أسبابه وإنهاء أي حالة حرب بينهما بشكل رسمي.
• الجانبان يعتزمان إحراز تقدم لا رجعة فيه نحو حل شامل لجميع القضايا العالقة بينهما.
• حكومتا إسرائيل ولبنان تلتزمان بعملية متبادلة ومتسلسلة بموجبها يعيد الجيش اللبناني سيادته الفعلية.
• التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية في لبنان وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها.
• الجيش اللبناني سيتولى تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة والفعالة في "مناطق تجريبية".
• حكومة لبنان ستعمل على استعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة وتحقيق نزع السلاح الكامل والموثق.
• حكومة لبنان تطلب دعم الشركاء الدوليين لتحقيق غاية احتكار القوة ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية.
• الحكومة اللبنانية تؤكد أن قواتها الأمنية تتحمل المسؤولية الحصرية عن أمن لبنان والدفاع عنه.
• إنشاء فريق تنسيق عسكري لبناني إسرائيلي بدعم ومشاركة الولايات المتحدة لضمان التنفيذ الكامل للإطار.
• السلام يتطلب استعادة الأمن في جنوب لبنان والعودة الآمنة للمدنيين وضمان أمن المستوطنات الإسرائيلية.
• حكومة لبنان تلتزم ببرنامج صارم قائم على الأداء لتمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته العسكرية والأمنية.
• واشنطن ستحشد شركاءها الدوليين لدعم حكومة لبنان في إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد والازدهار.
• الالتزام بمنع تدفق الأموال إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية في لبنان واتخاذ التدابير القانونية اللازمة.
• العمل على تشكيل فرق عمل لصياغة اتفاقية شاملة وكاملة للسلام والأمن.
إلى ذلك، أعلنت الخارجية الأمريكية أن واشنطن ستقدم للبنان مساعدات إنسانية فورية بقيمة 100 مليون دولار بالتنسيق مع الأمم المتحدة، وأن البنتاجون مستعد لتعويض الجيش اللبناني بأكثر من 30 مليون دولار دعماً لتحقيق سلام دائم.
** اعتراف رسمي ببقاء الاحتلال
وكانت القناة 12 الإسرائيلية، قد أفادت قبل إعلان الخارجية الأمريكية بأن الاتفاق ينص على بقاء القوات الإسرائيلية في منطقة "الخط الأصفر" إلى حين نزع سلاح حزب الله وانتقال المسؤولية الأمنية بشكل كامل إلى الدولة اللبنانية، وأن الاتفاق يتضمن تنفيذ برنامج أمني تجريبي مشترك بين جيش الاحتلال والجيش اللبناني، فيما يعرف بـ "المناطق التجريبية"، وتقوم فكرته على انسحاب قوات الاحتلال من مناطق محددة في جنوب لبنان مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها ومنع أي وجود مسلح خارج إطار الدولة.
وكشفت القناة أن المرحلة الأولى من الاتفاق تتضمن دخول قوات أميركية إلى جانب قوات الجيش اللبناني للمساعدة في تنفيذ المهمة بمنطقتين تجريبيتين، الأولى تقع خارج "الخط الأصفر"، غرب نهر السلوقي وجنوب نهر الليطاني، فيما تقع الثانية شمال الليطاني، ويقع جزء منها داخل "الخط الأصفر" الجديد وجزء آخر خارجه.
ونقلت القناة عن مسؤول إسرائيلي أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من الأراضي التي سيطرت عليها ما دام حزب الله يشكل عاملاً مؤثراً في البلاد، وأن إسرائيل تحتفظ بحرية الرد على أي تهديد قد يطرأ، لافتاً إلى أن دولته تسعى إلى ترسيخ وجودها وسيطرتها الميدانية في المناطق التي تحتلها جنوب لبنان، مستندة إلى غطاء دولي، طالما استمر التهديد على الحدود.
وأوضح موقع أخبار إسرائيل أن الاتفاق الثلاثي يمنح اعترافًا رسميًا من جانب الأمريكيين وحكومة بيروت بوجود الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية، إلى حين نزع سلاح حزب الله. فيما أكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أنه لا يوجد جدول زمني محدد للاتفاق الذي يحدد منطقتين تجريبيتين ينسحب منهما الجيش الإسرائيلي ويحل محله الجيش اللبناني، إحداهما شمال الليطاني والأخرى جنوبه. ولفتت إلى أن الاتفاق يتضمن الاعتراف المتبادل بسيادة البلدين، ولن ينسحب الجيش الإسرائيلي من الخط الأصفر.
وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة الأخبار اللبنانية، أن الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن، وقع اتفاقاً مع العدو الإسرائيلي لا ينص على الانسحاب من جنوب لبنان ولا على وقف العمليات العسكرية مدّعياً أن الاتفاق يستعيد سيادة لبنان، في حين هو اتفاق استسلام يسمح للاحتلال بحرية الحركة في جنوب لبنان لمواجهة ما يصفه بالتهديدات الوشيكة. أي أن السلطة اللبنانية قدمت للاحتلال تفويضا بالبقاء في الأراضي اللبنانية.
وأكد المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان، أنه لا شرعية على الإطلاق للاتفاق بين السلطة اللبنانية الحالية والاحتلال الإسرائيلي، وقال في تصريحات إعلامية "الخطير أن الإطار يعطي الجيش الإسرائيلي وصايةً فعلية على عمل الجيش اللبناني والأرض اللبنانية المحتلة".













