29 - 06 - 2026

مايا - الفصل السادس من الجزء الثاني - بقلم: د. محمد مصطفى الخياط

مايا - الفصل السادس من الجزء الثاني - بقلم: د. محمد مصطفى الخياط

6

بيروت، 19 مارس 2015

أهداني الدكتور عادل صبره في غمار زياراتي له دفترًا أنيقًا طُرِزَ غلافه بورود ملونة صغيرة تتناثر بلا نظام، تتداخل ألوانها البنفسجية مع أخرى مُشَرَبة بلون الشفق الأحمر على أرضية وردية، وطلب مني بصوت يمزج بين الرجاء والحزم تدوين مذكراتي اليومية، "أكتبي.. أكتبي أي شيء.. لا تشغلي بالك ماذا تكتبين.. ولا تسألي نفسك هل هناك قيمة لما أكتبه أم لا؟"، قال وهو يناولني الدفتر، ثم أردف "يمكنك الكتابة قبل أن تخلدي للنوم.. سوف يساعدك هذا على حفز طاقتك الإيجابية وتفريغ شحناتك السلبية".

تناولت الدفتر من يده وتحسست غلافه الناعم الأنيق، شعرت أنه أهداني صديقًا يثق فيه.. كان لون الورق المائل للوردي الفاتح مُبهجًا ومُشجعًا على الحكي، لكنني – وكالعادة - ينقبض قلبي وسط الفرح، أشعر بمخالب نسر هائل تنغرس فيه ليخطفه ويطير به بعيدًا، إلى حيث لا أمل ولا نجاة. تتعالى وتتسارع أنفاسي فترتفع يدي وتنخفض من فوق صدري بشكل ظاهر، أحاول السيطرة على نفسي ولو قليلاً، أن أُهدئ من روعي واضطرابي، وككل مرة، أفشلُ في مسعاي فأدور أفتش في جنون عن حبة المهدئ، حتى إذا ما وجدتها ألقيتها في فمي، ثم أُغمض عيناي وامضي في استحلابها منتظرة هدوء ثورة أمواج بحر القلق الهائج من دون سبب معروف، وكثيرًا ما كنت أتناول قرصًا إضافيًا استعجالاً للهرب من مواجهة التوتر واضطراب الأعصاب، وبعد فترة تطول وتقصر بحسب مستوى توتري، يتغير المزاج العام، وأصبح أكثر ميلاً للهدوء، وقد بلغ بي الإنهاكُ مبلغًا عظيمًا، كأنما خرجت للتو من معركة كبيرة بذلت فيها جهدًا بدنيًا غير عادي، أتداعى بعدها إلى جوار الجدار شيئًا فشيئًا، وأنا أتصبب عرقًا وأجلس كخرقة بالية من دون حول ولا قوة.

آنست الدفتر، وأظنه آنس بي، اعتبرته من لحظة تلامسنا الأولى صديقي الصدوق، أبحث عنه وافتقده إن غاب، أو غبت عنه، وكثيرًا ما كنت أهمس إلى نفسي في أوقات مختلفة بعبارات من قبيل؛ "أين أنت يا صديقي؟"، وعندما أشرع في الكتابة أخاطبه كأنما أوقظه من سُباتٍ عميق "آن أوان البوح أيها الصديق العزيز .. فلتستعد لاستقبال الأسرار.."!

أبوح إليه دونما خشية أن يطلع أحد على أسراري، الخادم لا تقرأ العربية، وابنتي ساندرا تتعامل مع العربية كلغة أجنبية، منحني شعور الطمأنينة الرغبة في مزيد من البوح دون مواربة، كنت كمن يتمشى في بيته آمنًا مطمئنًا أنه بعيد عن عيون الغرباء، يجلس أينما وكيفما ومتى أراد، يلبس ما يريد وينزع من ملابسه ما شاء متى شاء، يتقمص كل الشخصيات، مرة يتأمل كتابًا، ومرة ينظر في المرآة بعيني رجل شرطة يشك فيمن حوله، ومرة بعيون امرأة مسكينة غلبتها الأيام، وأحيانًا فتاة نزقة لا يشغلها سوى اللهو والعبث، ومرة قديسة تمشي بين الناس بالموعظة الحسنة، توزع بركاتها، تمس رأس هذا، وتمسح دموع هذه، وتطبطب على جروح المعذبين والمساكين، وحين يأتي المساء ولا تجد من يخفف عنها آلامها فتجلس مع نفسها وجهًا لوجه وتبوح للدفتر.

عندما عرضت على الدكتور صبره تدوين مذكراتي على الكمبيوتر، استبعد الفكرة بهدوئه المعتاد وهو يُشعل غليونه ويأخذ منه أنفاسًا متتابعة. يري في الكمبيوتر كائنًا متعدد الاستخدامات والأغراض مما أفقده هويته، بخلاف دفتر لا يشاركه فيك أحد، ولا تستخدمه لغرض آخر، وما يحتاجه البوح من خصوصية.

عادة ما تتحقق أفضل حالات البوح عندما تجلس إلى إنسان يحتويك بمشاعره، وتراه كأنما تحول إلى أُذن تسمع وصدر يحتوي ويحنو، حتى لو أغلق فمه واكتفى بالإنصات، سوف يمنحك اهتمامه، وتعبيرات وجهه، ولغة جسده، الفرصة للمزيد من البوح.

لا يحتاج منا الدفتر سوى أن نفيض على الضفتين، فيُنصت دون تعقيب. بعد تجربتي الشخصية مع الدفتر، أيقنت أنه يتفهم دوافعنا ويقبل أعذارنا، لذا قررت أن يكون دفتري العزيز صديقي الصدوق، أخاطبه واحتضنه كصديق أو صديقة عزيزة أعرفها منذ زمن بعيد، عشرة طويلة سمحت بأن يكون بيننا الكثير من الأسرار.

تحول الدفتر إلى كائن حي، من لحم ودم، أحكي له دون تحفظ أو تخطيط، وأشفق عليه حين تصبغ آلامي أوراقه بلون الدم والقهر، وكم مرة تخيلته بعد ما أفرغ من الكتابة يقضي الليل متأثرًا مسهدًا يبكي وينتحب، متأثرًا بعذاباتي.

كنت كلما شرعت في الكتابة وضعت الدفتر أمامي، فيستقر هادئًا وديعًا، أتخيله ينظر نحوي في حب وود، فأبادله ذات النظرات، ثم أمضي أكتب وأكتب، ومن بين فيض الكتابة أرمقه بعيني، فأجده يحثني على المزيد، فأمضي أبوح وأبوح، إلى أن تَكَلَّ يدي، أو يتوقف القلم عن البوح، حينها أنظر إليه نظرة رضا وامتنان وأسأله (بيكفي؟)، فأتخيله يرد عليّْ راضيًا (إيه.. بيكفي!)، فأتناوله بين كفيي وأقبله واضعه إلى جواري على الكومود.

كان للدكتور صبره هدفان رئيسيان من كتابة المذكرات؛ الأول تنفيس الضغط المكبوت، والثاني متابعة سلوكياتي وتصرفاتي أولاً بأول، ذلك أنه فاجأني ذات يوم وطلب الاطلاع على الدفتر، نظرت له بدهشة، وعندما تمالكت نفسي خرج صوتي مستفهمًا كأنما يأتي من قاع بئر سحيق، "لماذا؟"،

- تنفيذًا للاتفاق اللي صار بيناتنا يوم أهديتك الدفتر، كنت قايلِك إنّي رح اطّلع عليه من وقت للتاني، كرمال تابع حالتك عن قرب.

* بس أنا مواظبة على الجلسات، وبجاوب على كل الأسئلة!

- وهيدا شي ممتاز، بس ما بيعطيني الصورة كاملة... هيدا وحده مش كافي.

* مش كافي؟! (قلتها باستغراب كبير)

- إي نعم.

-           ...

-  مهما كنتِ صريحة معي، بيضلّ حديثِك للدفتر أكتر صراحة ومكاشفة.

* عم تشكّ فيّي دكتور؟

- أبدًا. أنا متأكد إنّك حريصة تخبريني عن كل صغيرة وكبيرة، بس الحكي مع الدفتر غير.

* ما تخيّلت يوم إنّك رح تطلبه

- أنا قلتلك هالشي من أول جلسة.

* يمكن ما انتبهت!

- ندمانة على شي؟ في شي بتحبّي تخبّيه عنّي؟

* لو خبّيت عنك شي بكون عم أضرّ حالي. (قلتها وأنا متأكدة إنّي عم بكذب)

- إذًا ما في شي يستدعي القلق.

*......

نهض من مقعده في إشارة إلى انتهاء الجلسة، فاعتدلت وجلست على حافة الشيزلونج، ثم أكمل حديثه وما زال بينه وبين المكتب عدة خطوات (المرة الجايه هاتيه معك)، ثم جلس ودون في دفتره بعض الملاحظات، ثم كتب بخط أنيق اسماء بعض الأدوية في روشتة، أحدثت وهو ينزعها من دفترها ذلك الصوت المتقطع المصاحب للورق الـمُثَقَبْ ويناولني إياها وهو ممسكٌ بها بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول مع ابتسامة توحي بالشك أكثر منها بالطمأنينة (يلا.. منشوف بعض بعد أسبوعين).

تناولت الورقة بصدر منقبض وذهن شبه تائهة، نفسيًا كنت في حال أسوأ منها وقت وصلت العيادة، جئت وفي داخلي شعور بأن قدرًا طيبًا من الثقة أثمر في نفسي ومنحني شعورًا إيجابيًا بقرب الشفاء، فإذا بي في انتهاء الجلسة وقد عصفت بي الريح، لم تكن ثقتي في نفسي وشعوري بالتحسن سوى أوهام من بيت عنكبوت سحقتها أسئلة ونظرات دكتور صبره، فانقلب حالي.

عندما تكبر ثقتنا في أنفسنا تولد فينا قوة جبارة خفية يصاحبها شعور بالقدرة على مواجهة العالم، وعندما نضعف نشعر أننا بالون كبير خفيف الوزن، غير قادر على التحكم في مساراته، تطوحه الريح في كل الاتجاهات، وتهدده أصغر شوكة بالقضاء عليه، وتحويلة إلى ركام. هل نصبح أكثر ضعفًا كلما زاد حجمنا؟

لم أُطق صبرًا حتى موعد الجلسة القادمة، وتوجهت في اليوم التالي إلى دكتور صبره، ومعي دفتري، رحب بي ودعاني للجلوس، وريثما كنت أرشف في قلق توجس رشفات خفيفة من فنجان القهوة، تصفح الدفتر سريعًا، وإن استوقفته بعض الفقرات، مرر أصابعه عليها، وارتسمت على وجهه علامات قلق.

نظرت نحوه أكثر توجسًا، وكان كعادته لطيفًا، يلف كلماته المرة في ورق ملون زاهي الألوان، وشتان بين الطعم والشكل. كان الطعم مُرًا كحقيقة مرضي النفسي الذي وصلت فيه إلى مرحلة متقدمة شخصها ببوادر انفصام في الشخصية، كنت استمع له مفتوحة العينين، مسلوبة الإرادة، من آثار الصدمة.

كنت أمارس حياتي اليومية بشكل طبيعي أقرب للروتين، أتناول حبتي منوم كل مساء واستيقظ في الخامسة والنصف صباحًا وفي خلال نصف ساعة، على أكثر تقدير، أكون على الكورنيش بالملابس الرياضية، لا تستغرق المسافة بالسيارة عشر دقائق، أَصُفَهَا إلى جوار الرصيف وأبدأ روتيني اليومي، كثيرًا من العدو وقليلاً من الهرولة، حتى إذا ما بلغت الساعة السابعة تمامًا عدت سريعًا لأدرك ساندرا قبل تحرك باص المدرسة، أحيانا أقابلها على عتبة الباب قبل نزولها، وكثيرًا أمام الباص، تمطرني بقبلاتها البريئة مُسلمةً كفها الصغير للدادة بينما تظل عيناها معلقتان بي، وريثما تجلس في مقعدها وتُلصق وجهها بزجاج الشباك ويتفلطح أنفها أحيي السائق ثم أُطَيرُ لها قبلة في الهواء، وأعود بعدها أدرجي لأتفرغ لشئوني والاستعداد للتوجه إلى المكتب.

في الآونة الأخيرة، تكررت علي نوبات ضيق رافقها عدم قدرة على التركيز ورغبة مُلحة في مغادرة المكان الذي أتواجد به، أيًا ما كان؛ بيتًا أو مقهىً، أو حتى مكتبًا، أخرج وأمشي بلا توقف وبلا هدف، أمشي كأنما هناك شيئًاٌ يدفعني في ظهري كي أواصل السير، أو أهرب من شيء غامض يطاردني فأشعرُ بظل ثقيل يحاصرني في كل الزوايا، إذا كنت في العمل أتنقل بين المكاتب دون توقف، وعندما يزداد ضيقي وأشعر أنني محاصرة أخرج إلى الشارع وأسير بلا هدف، اصطدم بالعابرين دون أي اعتبار، لأنني ببساطة أكون في عالم غير العالم، إلى أن يهدني التعب، فأرتمي بعينين ذاهلتين إلى أقرب مقعد على أقرب مقهى يقابلني، أو دكة حجرية على رصيف الشارع ريثما ألملمُ نفسي، فإذا بيني وبين السيارة مسافة ليست بالقصيرة، أحيانًا استقل تاكسي إلى حيث تركتها، وأحيانً أُعاند نفسي  وأطلب من السائق التوجه إلى البيت، وارتمي في المقعد الخلفي، خرقة بالية.

وأحيانًا أستيقظ فأشعر أنني غريبة، واعتقد أنني في مكان لا أعرفه، أحاول جاهدة تذكر المكان وكيف وصلت إليه، أتأمل الغرفة بعيون زائر يراها للمرة الأولى، وربما بمشاعر رجل هبط للتو من كوكب آخر. تمر عليّْ لحظات طويلة قبل أن أستعيد اسمي، أو أتذكر من أنا. ألمح علبة سجائر وولاعة، فأسأل نفسي، هل هي لي؟ وهل أدخن؟ أتناولها بيد مرتعشة وبينما أخرج منها سيجارة تسقط ورقة صغيرة بخط يدي لا أذكر أنني كتبتها، لكن المكتوب عليها يقهرني، فأنفجر باكية.

شيئًا فشيئًا، بدأت أشعر أن هناك من يسكنني، امرأة غيري، تتكلم بصوتي أحيانًا، وتكتب بأصابعي، لكنها غريبة عني. كانت أكثر جرأة، وأكثر حزنًا، وأكثر فوضى. في البداية ارتبت فيها وحاولت الهرب منها، ثم أمام إلحاحها اعتدت وجودها. بتنا نتناوب الحياة، واحدة تمشي في النور، وأخرى لا تخرج إلا حين يحلّ الليل وتنام ساندرا والخادم.

كانت تلك الحالة تنتابني على فترات متباعدة فلا أُلقي لها بالاً، ثم أخذت المدد البينية تتقارب، أسمع وجيب قلبي، كأنما طائر ذبيح يرفرف بجناحيه محاولاً الفكاك من قدر الموت، وأنَّى للمحاصر في قاع البئر بالنجاة؟

بدأت مأساتي من الفراغ الذي تركه إيلي خلفه منذ قرر السفر والعمل في أبو ظبي، لا لم يكن قراره وحده، كان قرارنا جميعًا. تلقى عرضًا سخيًا يصعب رفضه، يساعدنا على مجابهة تكاليف الحياة وتعليم ساندرا.

رغم عملي في الإسكوا براتب كبير، ما زالت أعباء الحياة ثقيلة علينا. ثِقَل الحياة نسبي وشكاوانا مستمرة، لا تتوقف ما دامت الحياة. تعلق روكسانا على هذه الحال بقولها (كسبنا قليل نشتكي، كسبنا كثير نشتكي)، ذلك أن مِسبحة مطالبنا لا تتوقف حباتها عن الحركة.

تستوقفني في الشارع مشاهد البسطاء الذين يجرون خلف لقمة العيش، وأتساءل كيف يجابهون بضعفهم هذا تكاليف الحياة.. أتنهد وأكمل سيري وتظل صورهم عالقة، كأقراط الأذن، في الذاكرة لفترات طويلة.

ورثت عن أمي عطفها على المساكين والفقراء. وورثت عن أبي جفاءه للدين. أمر على الشوارع الفقيرة وأوزع بعض النقود، وأحيانًا وجبات في مواسم الصيام الإسلامية والمسيحية بطوائفها المتعددة. أوزعها بنفسي، ولا أثق في رجال الدين، أخشى أن يضعوا الأموال في جيوبهم والطعام على موائدهم، منذ تداولت وسائل الإعلام عدة حملات على فترات متفاوتة تُشَكِك في مصير التبرعات والهبات التي تجمعها دور العبادة. لم تفرق بين مسجد وكنيسة. الكل في الشك سواء.

عندما قال الدكتور صبره أن بُعدي عن الدين رفع مستوى شعوري بالوحدة، نظرت نحوه متسائلة، وعلقت؛ (كنت أظنه بسبب بُعدُ إيلي عنى)، كان إيلي زوجًا وحبيبًا ومنقذًا أيضًا. أول رجل توثقت علاقتي به واقتربت منه بعد تجربتي القاسية مع راني. فارق كبير بين التجربتين. في الأولى كنت أقرب للصبا منه إلى الشباب، طالبة في البكالوريا تصغر حبيبها بعام أو عامين، يحلمان معًا ويرسمان بريشة حبهما المستقبل بالألوان، اخترنا أعلى رابية في الروشة وبنينا فوقها فيلا من طابقين وسورناها بحديقة تحج إليها العصافير الملونة والبلابل، ومسبح نلهو ونتسابق فيه، ينال فيه الفائز بالسباق قُبلة، آه كم خسرت من سباقات وفزت بالقبل. أحلام وأحلام غزلناها بخيط حبنا وخيالنا سويًا أحرقها راني بكلمتين في خطاب انتظرته طويلاً. نسف الماضي والمستقبل ولم يٌبق على حاضر.

تقول عمتي؛ "أنقذك الله"، وأقول أنا (بل أنتِ والدكتور صبره). كان وقتها في منتصف الأربعينات من عمره. أحسسته عمي الذي فقدناه في الحرب الأهلية شابًا. حكي لي أبي عنه كثيرًا وعن مواقفه النبيلة مع الفقراء من المرضى. وحكى عن شهامته وحنوه وعطفه علىّْ في طفولتي. لم تحتفظ ذاكرتي له بشيء، لم أكن وقتها قد تجاوزت العامين، يزور أبي بشكل مستمر، كان دائما أول الحاضرين في الأفراح والأحزان.

من كثرة حكي أبي عنه، ازداد قربي منه إنسانيًا، والتزامي بإرشاداته مرضيًا. حتى بعد ما تعافيت من آثار تجربة راني وصار الحدث ماض وذكري، ظلت علاقتي بالدكتور صبره قائمة، يتابعني على فترات وأخبره بتقدمي العلمي واهتماماتي الحياتية، لم أكن أعلم أن القدر يدخره لدور آخر في المستقبل.

ألمت بي بعد سفر إيلي نوبات حزن لامست حدود الاكتئاب، قللت من شأنها في بادئ الأمر وهمست في نفسي (سوف انتشل نفسي بنفسي.. إنها مسألة وقت)، ولكني فشلت.

 أخطر مراحل العلاج النفسي على المريض، عندما يكتشف أن المسار الذي قطعه حافيًا على طريق جمر الصبر لم يؤت نتائجه، وأن عليه البدء في طريق آخر، تصبح كل الطرق متشابهة وتلوح أمامه رايات الإخفاق.

تكرر إحساسي بضيق الصدر وعدم القدرة على البقاء في مكان واحد لفترة طويلة، تنتابني رغبة عارمة في الخروج، فأنطلق كأنما امتطي صهوة جواد جامح لا يعرف السكون. يضيق الكون بمقدار جِلدي. فأظل في حالة حركة دائبة، من دون سكون، أشبه بالأعمى الحائر.

رنت في أذني كلمة الدكتور صبره، وقت كان يعالجني من تبعات الانتحار حين قال؛ (شعورك أنك في حاجة إلى طبيب أول خطوات العلاج الصحيح). لحظتها قررت أن أبدأ. اتصلت على العيادة وحجزت موعدًا.

استمع لي حتى مللت الحكي، لم يوقف سيل حديثي، تركني أفيض وأفيض حتى جفت ينابيع الكلمات، واكتفى كعادته بتدوين بعض الملاحظات، ثم وجهني إلى بعض الإرشادات وكتب روشتة بخطه الجميل المنمق الذي تعرفه كل صيدليات بيروت وأوصاني بالمرور عليه مرة أسبوعيًا، ومع تطور الحالة صارت مرتين، ثم صارت متي أشاء. كان من الواضح أن الأعراض تتفاقم بمعدلات سريعة وإن ظل شعاع الأمل في نظرته نحوي كما هو.

وعندما حدثني عن تبعات فراغي الديني، نظرت نحوه وابتسمت وسألته مداعبة؛ هل صرتَ قِسًا، انفرج وجهه بابتسامة عريضة بدت معها ذقنه البيضاء الكثة المشذبة أكثر عرضًا وقال،

- لعلي كنت أكثر استقرارًا!!

- هل يعني ذلك أنك تعاني اضطرابات أيضًا؟، ثم أردفت وقد اتسعت حدقتا عيني (أحقًا!)

- مايا.. لا توجد حياة يمكن وصفها بالمستقرة على ظهر الأرض، أولاً لاستحالة تحقيق ذلك عمليًا، ثانيًا لأنها ستصبح مملة، وربما أدت إلى عواقب وخيمة!!

- كيف ذلك، أعرف أشخاصًا عديدين استقرت أمورهم ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي، رتبوها على وظيفة ودخل محددين، وكذلك أولادهم يعيشون في مستوي شبه ثابت!

- كل هذا استقرار نسبي. لا يوجد على وجه الأرض شيء اسمه استقرار مُستدام. مؤكد أن كل يوم هناك تحديات مختلفة يواجهونها، يتجاوزون بعضها ويصطدمون بالبعض الآخر، فتغشاهم حالة من عدم الاستقرار. وربما وَلَدَتْ بعض التحديات عواقب نفسية وخيمة عليهم، أنتِ لا ترين منهم إلا المساحة التي سمحوا لك بالنظر إليها عبر نافذة معينة، لكن هذا لا يعني أن كل النوافذ سواء. أنا متأكد أن هناك نوافذ لو نظرتي منها لرثيتي لحالهم. الكثيرون يوارون همومهم في صدورهم ويمشون بين الناس بوجه رُسمت عليه ابتسامة، أتودين أن ألخص لك الحياة؟

- ...

- الحياة ماراثون حواجز دائري يا مايا!

ماراثون لأننا في سباق دائم، في العمل، وفي الحياة الخاصة، ودائري لأنه لا ينتهي ما دُمنا نتنفس في هذه الحياة، عند كل نقطة نهاية توجد بداية جديدة، أما الحواجز فهي التحديات التي نواجهها، مرة بسيطة، نتجاوزها دون أن نُلقي لها بالاً، وأخرى مرتفعة، لا يُفلح معها القفز، فنضطر لتسلقها ولو بشق الأنفس..  (ثم تنهد بصوت مسموع وقال) الحياة مثابرة وكفاح يا مايا!

* وما حاجتنا إلى كل هذا الشقاء؟

- هذا ليس شقاءً على الإطلاق، انظري خلفك وتذكري تحدياتك السابقة، هل ترينها بنفس حجم وقت مواجهتها؟

* (هززت رأسي مؤكدة، وقلت) لا

- إذا الخطأ خطأنا نحن. نحن من أعطاها أكبر من حجمها..

* وماذا أفعل إذًا؟

- كوني قوية كغيرك!

* ومن أين تأتي القوة؟

- من الرغبة في الحياة!

* ومن أين تأتي الرغبة؟

- من الأمل في تجاوز التحديات!

* ومن أين يأتي الأمل؟

- من اليقين!

* ومن أين يأتي اليقين؟

- من الثقة في الله!

* ....

- كيف؟

نظرت نحوه بعينين مضطربتين، فربت على كتفي وسألني؛ منذ متى لم تذهبي للكنيسة يا مايا؟، ابتسمت نصف ابتسامة وأجبت؛ سؤال صعب؟، ثم اعتدلت وقلت وأنا أضحك ضحكًا خفيفًا وأداري وجهي من خجلي، زاد منه أنني تذكرت والدي، "ربما منذ قداس الزواج"، فبادلني ضحكًا بضحك، مع نظرة عتاب أبوي.

* * *

يُتبع
-----------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط