29 - 06 - 2026

كيف ضاعت بوصلة العرب: عقود من المعارك الخطأ

كيف ضاعت بوصلة العرب: عقود من المعارك الخطأ

في تاريخ الأمم لحظات قليلة تكتشف فيها ما هي معركتها الحقيقية. وما إن تكتشفها حتى يصبح كل جهد يُبذل خارجها استنزافًا، وكل انتصار بعيد عنها هزيمة مؤجلة.

وخلال زمن طويل خاصة العقود الخمس الأخيرة لم يخض العرب كثيرًا من المعارك الحقيقية بينما خاضوا عوضًا عن ذلك الكثير من المعارك الخطأ.

 ولعل أبرز ما يمكن التوقف عنده كان لحظتين استثنائيتين: لحظة محمد علي حين جعل بناء الدولة الحديثة معركته الأساسية، ولحظة جمال عبد الناصر حين جعل الاستقلال الوطني والتحرر من الهيمنة الخارجية وبناء مشروع تنموي عربي معركة عصره.

في الحالتين كانت البوصلة واضحة.  كيف تُبنى القوة؟ وكيف تنتقل الأمة من موقع التابع إلى موقع الفاعل؟

ما عدا ذلك، يبدو جانب كبير من تاريخ المنطقة العربية وكأنه تاريخ من الاشتباك مع معارك أخرى، معارك لم تُقرب العرب من أهدافهم الكبرى بقدر ما استنزفت طاقتهم وأبعدتهم عنها.

منذ الحرب الباردة وحتى يومنا هذا، دارت على الأرض العربية حروب كثيرة، صبت نتائجها النهائية غالبًا في مصلحة قوى خارجية أكثر مما خدمت مصالح العرب أنفسهم.

فبدل أن تكون معركة بناء الدولة هي الأولوية، تحولت أجزاء واسعة من العالم العربي إلى ساحات لصراعات القوى الكبرى. 

تحولت المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، بينما بقي سؤال الاستقلال الحقيقي مؤجلًا.

وبدل أن تكون معركة التنمية هي المعركة المركزية، انجرفت مجتمعات عربية كثيرة إلى معارك الهوية المغلقة. طوائف ومذاهب وقبائل وأعراق دخلت في نزاعات طويلة استهلكت المجتمعات من الداخل. 

ومع كل جولة من هذه الجولات كانت الدولة تضعف، وكانت فكرة المواطنة تتراجع، وكانت فرص التقدم تتبدد.

وبدل أن تكون معركة الإنتاج والعلم هي الميدان الحقيقي للمنافسة، انشغل العرب طويلًا بمعارك الخطاب والصورة والشعارات. 

جرى التعامل مع السياسة وكأنها منافسة في البلاغة، ومع القوة وكأنها قدرة على احتلال الشاشات، بينما كانت الأمم الحية تبني جامعاتها ومصانعها ومختبراتها وتراكم عناصر وأعمدة تفوقها الحقيقي.

ومن أكثر المعارك استنزافًا للطاقات العربية تلك التي دارت مع الجيران. وتبدى أن العلاقة العربية مع تركيا أو إيران تحولت في أحيان كثيرة إلى محور للسياسة الإقليمية بأكملها. 

صحيح أن لكل دولة مصالحها ومشروعاتها، وأن التنافس أمر طبيعي في العلاقات الدولية، والإقليمية لكن تحويل التنافس إلى معركة وجود دائمة كان يعني في كثير من الأحيان استنزافًا عربيًا متواصلًا. 

الطاقة التي كان يمكن أن تُصرف في بناء الداخل ذهبت إلى إدارة صراعات مفتوحة لا نهاية لها، بينما بقيت أسئلة التنمية والتعليم والاقتصاد مؤجلة عامًا بعد عام.

المفارقة الكبرى أن هذه المعارك الخطأ كانت دائمًا الأكثر إثارة للحماسة. فهي تمنح شعورًا سريعًا بالاصطفاف والانتماء والبطولة، لكنها نادرًا ما تنتج قوة حقيقية. 

أما المعارك الأصعب، معارك بناء المؤسسات وإصلاح التعليم وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحرير الاقتصاد وإطلاق البحث العلمي، فهي أقل صخبًا وأكثر مشقة، لكنها وحدها التي تصنع الأمم.

لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العرب على أنفسهم اليوم هو: ما هي معركتنا الحقيقية؟

أثبت التجارب أن المعركة الحقيقية ليست معركة مذهب ضد مذهب، ولا دولة ضد دولة، ولا محور ضد محور. 

معاركنا الحقيقية هي معركة الاستقلال الوطني، معركة بناء دولة حديثة قادرة، واقتصاد منتج، ومجتمع متماسك، وقرار مستقل. ما عدا ذلك قد يكون ضروريًا أحيانًا، لكنه يظل معركة فرعية لا يجوز أن تتحول إلى بديل عن المعركة الأصلية.

التاريخ لا يحاسب الأمم على عدد المعارك التي خاضتها، بل على المعارك التي كان ينبغي أن تخوضها فتركتها معلقة على هامش الزمن.

واحدة من أكبر المعارك الخطأ التي استنزفت العرب خلال العقود الخمس الأخيرة تحويل العلاقة مع إيران إلى محور ثابت تدور حوله السياسة العربية كلها. 

وقد دفعت المنطقة أثمانًا باهظة من مواردها واستقرارها ووحدتها الوطنية، لا لأن الخلافات مع إيران غير موجودة، بل لأن إدارة الخلافات شيء، وتحويلها إلى قدر تاريخي دائم شيء آخر.

لقد جرى تكريس سياسة ممنهجة تجعل المنطقة أسيرة حالة مستمرة من الاستنفار والعداء، وكأن مستقبل العرب يتحدد فقط من خلال الصراع مع هذا الجار أو ذاك، بينما تراجعت المعارك الحقيقية إلى الصفوف الخلفية. 

نحن ساهمنا في تحويل الخصومات الإقليمية إلى غاية في ذاتها، بدل أن تبقى مجرد ملف من ملفات السياسة يمكن إدارته وفق المصالح المتبادلة وموازين القوة.

السياسة العربية تتناسى حقيقة أن الجغرافيا ثابتة لا يمكن تغييرها، وأن إيران وتركيا لا تستطيعان مغادرة هذه المنطقة. وما دام الجميع محكومين بالبقاء في الجغرافيا نفسها، فإن السؤال الحقيقي يصبح: كيف ندير علاقتنا بهم إدارة تحفظ مصالحنا وتمنع استنزافنا وتتيح لنا التفرغ لمعركتنا الأساسية.

إن أحد أهم تحديات المستقبل العربي تتمحور حول بناء صيغة مستقرة لإدارة العلاقات معهم. وأن تتأسس سياستنا على تحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى مجال للمنافسة والتعاون والتوازن. 

لم يعد هناك مجال للبقاء أسرى معارك لا تنتهي، فلن يؤدي بنا إلا إلى إهدار قرن جديد من الزمن العربي في قضايا لا تصنع نهضة ولا تبني قوة.

آن الأوان للعرب أن يغادروا خنادق الاستنزاف، وأن يعودوا إلى معركتهم الأصلية: معركة بناء القوة العربية الذاتية. فحين تمتلك الأمة أسباب قوتها، تصبح قادرة على إدارة خلافاتها مع جيرانها من موقع الندّية والاحترام؛ أما حين تفتقد هذه القوة، فإنها تظل تدور في حلقات الصراع نفسها مهما تغيرت الأسماء والرايات.

وربما كان الخلل الأعمق أن العرب اعتادوا تعريف أولوياتهم من خلال أعدائهم لا من خلال مشاريعهم. فبدل أن يسألوا: أي دولة نريد أن نبني؟ وأي اقتصاد نريد أن نمتلك؟ وأي مكانة نريد أن نحتل في العالم؟ أصبح السؤال المتكرر: من هو الخصم الذي ننشغل به؟

الأمم لا تنهض بالعداوات مهما كانت مبرراتها، بل بالمشروعات. فالعدو قد يتغير من زمن إلى آخر، أما المشروع الوطني والقومي فهو الذي يمنح السياسات معناها واستمراريتها. 

وحين يغيب المشروع، تصبح الخصومات نفسها بديلاً عن الرؤية، ويصبح الصراع هدفًا قائمًا بذاته لا وسيلة لخدمة مصلحة أكبر.

قد يكون الدرس الأهم اليوم أن القوة لا تُبنى في الخنادق وحدها، بل في المدارس والجامعات والمصانع ومراكز البحث ومؤسسات الدولة وتوسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار الوطني. هناك، وليس في ساحات الاستنزاف المفتوحة، تُحسم المعارك التي تصنع مصائر الأمم.
----------------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

كيف ضاعت بوصلة العرب: عقود من المعارك الخطأ