بعد تجربة طويلة وقاسية تجاوزت حدود ما تحتمله الشعوب والدول، تبدو الحرب وقد شارفت على نهايتها أو تكاد. لكن الحروب الكبرى لا تُقاس فقط بما تخلفه من دمار، بل بما تكشفه من حقائق. وما كشفته هذه الحرب، قبل أي شيء آخر، أن العالم لا يمنح الاحترام للضعفاء، ولا يصغي إلا لمن يمتلك القدرة على الصمود والدفاع عن مصالحه مهما كانت كلفة ذلك.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل العرب أكثر من أي سؤال آخر: ماذا ينقص العرب لكي يستردوا قرارهم، ويحفظوا مصالحهم، ويحجزوا لأنفسهم مكانًا يليق بهم في الإقليم والعالم؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة خلاصة كل ما مررنا به من التجارب والإخفاقات.
العرب ليسوا أقل عددًا من غيرهم، ولا أقل ثروة، ولا أقل امتلاكًا لعناصر الموقع والتأثير. يملكون مساحة جغرافية تمتد بين قارتين، ويتحكمون في أهم الممرات البحرية، ويجلسون فوق جانب مهم من ثروات الطاقة العالمية، ويشكلون كتلة بشرية كبيرة ذات تاريخ وحضارة وتأثير.
ومع ذلك، فإن الفجوة بين ما يملكونه من إمكانات وما يملكونه من نفوذ حقيقي تبدو أوسع مما ينبغي.
المشكلة الأولى هي غياب الإرادة السياسية المستقلة. فالقرار الوطني لا يصبح مستقلاً بمجرد رفع الشعارات، بل حين تمتلك الدولة القدرة على دفع ثمن هذا الاستقلال. والتاريخ يعلمنا أن الأمم التي صنعت مكانتها لم تنتظر ضمانات من أحد، بل بنت قوتها تدريجيًا حتى أصبحت مصالحها جزءًا من حسابات الآخرين.
الإرادة وحدها لا تكفي. فالإرادة التي لا يسندها مشروع تتحول إلى أمنيات.
وما يفتقده العرب منذ عقود هو وجود مشروع استراتيجي جامع يحدد إلى أين يريدون الذهاب بعد عشرين أو ثلاثين عامًا. لقد اعتدنا إدارة الأزمات، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في صناعة المستقبل.
ثم تأتي مسألة القوة بمعناها الشامل. فالقوة ليست عدد الدبابات والطائرات فحسب، وإنما هي المصنع والجامعة ومركز الأبحاث والمدرسة والاقتصاد المنتج.
العالم المعاصر لا يحترم إلا من ينتج المعرفة والتكنولوجيا ويستطيع تحويل موارده إلى عناصر تأثير حقيقية. أما الاعتماد الدائم على الخارج، مهما كانت أسبابه، فيجعل هامش الحركة محدودًا مهما بلغت الثروة.
ويضاف إلى ذلك أن أي مشروع نهضوي يحتاج إلى مجتمع متماسك يشعر أفراده بأنهم شركاء في المصير. فلا يمكن بناء قوة خارجية مستقرة فوق أرضية داخلية مضطربة. وحين يشعر المواطن بأن له نصيبًا في الوطن وقراره ومستقبله، تتحول طاقته من عبء على الدولة إلى مصدر من مصادر قوتها.
وربما يكون أهم ما تفرضه هذه الحرب على العرب هو إعادة النظر في علاقتهم بأنفسهم. فالأمم التي تؤمن بقدرتها على الفعل تبحث عن أسباب القوة، أما الأمم التي تستسلم لعقدة العجز فتبحث عن المبررات.
وما أثبتته الأحداث الأخيرة أن امتلاك الإرادة والمشروع والقدرة على الاحتمال لا يقل أهمية عن امتلاك الموارد نفسها.
السؤال الحقيقي الذي تفرضه لحظة ما بعد الحرب ليس من انتصر ومن خسر فقط، بل لماذا ينجح بعض الفاعلين الإقليميين في فرض أنفسهم على معادلات المنطقة رغم محدودية مواردهم مقارنة بالعرب؟
ولماذا يعجز العرب، رغم ما يملكونه من إمكانات هائلة، عن تحويل هذه الإمكانات إلى وزن سياسي واستراتيجي يعكس حجمهم الحقيقي؟
ذلك هو السؤال الذي لا مفر من طرحه، وهو أيضًا بداية الطريق إلى أي إجابة جادة عن مستقبل العرب ومكانهم في العالم.
------------------------------
بقلم: محمد حماد







