29 - 06 - 2026

عن سيستم التأمينات crm وشركة أتوس

عن سيستم التأمينات crm وشركة أتوس

يوم ثمانية فبراير 2026، جلس رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي يستمع إلى ما وصف بأنه "اللحظة التاريخية" في تحديث منظومة التأمينات_الاجتماعية، كان في القاعة رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، و وزيرة التضامن،  ووليد عدلي، مدير قسم النظم بالقوات المسلحة، الذي حضر الاجتماع ممثلاً للجانب التقني العسكري في المشروع، و بعد أسبوعين بالضبط أطلق النظام رسميا، و بعد أسابيع قليلة تحولت "اللحظة التاريخية" إلى كارثة ذات أبعاد متشعبة.

فالجميع اليوم يعلم ان ما يحدث في منظومة التأمينات الاجتماعية المصرية ليس مجرد فشل تقني مؤقت، بل نموذج كاشف لشبكة مركبة من المصالح و العلاقات التي تحكم مشروعات التحول الرقمي في مصر، بنية تتقاطع فيها شركة فرنسية عملاقة تمر بأزمات وجودية، مع شركة تمثل جهازا سياديا، و مع قطاع عسكري يمسك بزمام التقنية في المشروع، و كلهم يشتغلون في هدوء بعيدا عن أي رقابة مستقلة أو شفافية فعلية، في الوقت الذي لا تجد فيه آلاف الأسر المصرية حلاً في مكاتب التأمينات، لصرف معاشاتهم او انجاز معاملاتهم.

Atos

"أتوس" شركة فرنسية متعدد الجنسيات، تأسست عام 1997 و مقرها باريس، و اشتهرت لسنوات طويلة بأنها إحدى الركائز الأوروبية الكبرى في مجالات التحول الرقمي و الحوسبة السحابية و الأمن السيبراني، و تعمل في 68 دولةً و تضم عشرات من آلاف الموظفين،  وكانت لفترة من الفترات واحدةً من أرسخ الشركات التكنولوجية على مستوى القارة الأوروبية، غير أن هذه الصورة البراقة بدأت تتصدع مؤخراً، حين وجدت الشركة نفسها أمام تراكم من الديون الهائلة التي تجاوزت 4.8 مليار يورو، جاء معظمها من استحواذات مكلفة متسرعة، و من فشل مشروعات راهنت عليها الإدارة ولم تكتمل.

و في يناير 2024 غيرت الشركة رئيسها التنفيذي وسط انهيار حاد في أسعار أسهمها، و في يوليو 2024 فتحت إجراءات قانونيةً طارئةً للحماية من الإفلاس أمام المحكمة التجارية الفرنسية في "نانتير"، و بعد صراع رهيب انتهى بخطة إعادة هيكلة ضخمة في نهاية العام نفسه، تضمنت تحويل ما يزيد على 2.9 مليار يورو من الديون إلى أسهم، و ضخ أموال جديدة من الدائنين، و الأزمة لم تقف عند البعد المالي فقط بل تجاوزته، ففي عام 2023 أقرت الشركة بتعرض إحدى الجهات التابعة لها لاختراق استغل ثغرة في برنامج "GoAnywhere" المستخدَم لنقل الملفات، و في يوليو 2024 أعلنت مجموعة القرصنة "بلاك باستا" في موقع تسريبات عن الاستيلاء على 710 جيجابايت من بيانات الشركة، دون أن تصدر أتوس ردا رسميا واضحا رغم إنكارها، ثم في مطلع 2025 جاءت مزاعم جديدة من مجموعة Space Bears حول اختراق شمل عقودا و تقارير و معلومات عملاء.

و بينما كانت الشركة تكافح للحفاظ على وجودها، كانت في الوقت نفسه تنفذ واحداً من أكبر مشروعاتها على الأراضي المصرية، مشروعا يحمل بيانات اثني عشر مليون مواطن، و يمس إحدى أكثر القواعد الاجتماعية حساسية في الشرق الاوسط.

و في أبريل 2024 نشر الموقع الرسمي لشركة أتوس بيانا صحفيا يعلن عن توقيع مذكرة تفاهم مع "شركة وادي النيل للمقاولات والاستثمارات العقارية" لتسريع التحول الرقمي في قطاعات استراتيجية بمصر، و التي يرأسها وقتذاك المهندس هاني ضاحي ( الوزير السابق و المرشح الخاسر بنقابة المهندسين)، و التي استحوذت على ما يقارب 40 بالمئة من عقود إنشاء المستشفيات الحكومية و إعادة تطويرها، و على إمداد وزارة الصحة بالمعدات الطبية، و تنفذ الشركة قطاعا كبيرا من مشروع تطوير الريف المصري الذي أُعلن عنه في يناير 2021 " حياة كريمة" هذه الشركة نفسها هي التي اختارت أتوس شريكا استراتيجيا لها في مجال التحول الرقمي.!!

و لا يخفى على أي مراقب أن اختيار شركة سيادية شريكا في مشروع رقمي يعالج بيانات الملايين من المصريين ليس قرارا تجاريا عاديا، فمذكرة التفاهم التي وقعتها أتوس مع وادي النيل نصت صراحةً على التعاون في مجالات ERP و البنية التحتية الرقمية و التحول الرقمي، و هي جميعها حقول تمس البنية الرقمية للدولة، و قد حضر التوقيع من جانب وادي النيل، اللواء مدحت بهجت نائب رئيس مجلس الإدارة، و اللواء المهندس محمد ششتاوي رئيس قطاع تكنولوجيا المعلومات ومشروعات الأنظمة.

و السؤال الذي أطرحه للخبراء في حوكمة البيانات والأمن الرقمي هنا وفي ظل ما سبق.. ما الترتيبات القانونية التي تحكم تدفق البيانات بين أتوس و شركاءها في الشركة السيادية و القوات المسلحة؟ وهل وضعت أي ضمانات تمنع توظيف بيانات المواطنين، التي تشمل أرقاما قومية و دخولا وسجلات تأمينية، لأغراض تتجاوز الخدمة الاجتماعية المعلنة؟

و بين المشهدين السابقين يقف طرف ثالث ظل في الظل طوال الوقت،الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية، الجهاز الاستثماري و التنفيذي التابع لوزارة الدفاع، و هذه الهيئة لا تقتصر مهامها على المشروعات الإنشائية التقليدية من طرق و كباري و مستشفيات، بل امتد دورها في السنوات الأخيرة نحو مشروعات التحول الرقمي الحكومية الكبرى، و تعمل في معظم الحالات من خلال منظومة التعاقد المباشر دون مناقصات، و هو ما يعطل عمليات الرقابة و الحوكمة  لمراجعة العقود أو تدقيق الإنفاق.

و قصتنا بدأت في يناير 2021 عندما وقِعت اتفاقية التحول الرقمي لمنظومة التأمينات الاجتماعية في حضور رفيع المستوى، وأُعلن عن مشروع سيكتمل في عامين، بمشاركة أتوس وMicrosoft  وشركة Hits المحلية، و بشر به إعلاميا باعتباره نقلةً نوعية، و ثورةً في تقديم خدمات لكن تجاوز الأطراف المدة المقررة و بدلا من العامين المعلنين تحولا إلى خمس سنوات، و ما بين 1.3 و1.4 مليار جنيه أُنفقوا من أموال أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم.

و في 24 فبراير 2026 أُطلق النظام رسميا، بعد نحو ستة أشهر من التشغيل التجريبي الذي لم يفصح عن نتائجه، و لكن ما حدث في الأسابيع التالية كشف أن قرار الإطلاق اتخذ قبل أن تتحقق الجاهزية الكاملة، و في مارس و أبريل و مايو 2026 تصاعدت الأزمة حتى وصلت إلى حالة شلل شامل، توقف صرف المعاشات الجديدة، و تعطلت خدمات متعددة الأطراف، و تكدس المواطنون في فروع عجزت عن إنجاز معاملة واحدة، و عادت المكاتب إلى الأرشيف الورقي الذي كان يفترض أن يكون التحول الرقمي قد أُسدل عليه الستار.

وكما ذكرت سابقا كمتخصص أن ما جرى عبارة عن سلسلة من القرارات القاتلة في إدارة المشروع، فقد اعتمد المشروع في جانب من تصميمه على نظام إدارة علاقات العملاء CRM، و هو نظام مصمم أصلًا للواجهات الخدمية الأمامية في الشركات التجارية، لا لمعالجة قواعد بيانات بالغة التعقيد كتلك التي يتطلبها نظام تأميني يخدم عشرات الملايين من الموظفين و أصحاب المعاشات و التجار والشركات، و قبل أن تثبت جاهزية البديل، أُوقف النظام القديم القائم على تقنية Mainframe/CICS التي صممت أصلًا لهذا النوع من المهام الحساسة البالغة الضخامة، و جرى نقل بيانات تغطي عقودا من السجلات دون عمليات تحقق صارمة من سلامتها و تكاملها، ما أفضى إلى بيانات مفقودة و مكررة و أخطاء لا تحصى.

و الأشد خطورةً من الناحية الإدارية أن النظام أُطلق دفعةً واحدةً على مستوى الجمهورية بأسرها، بدلًا من البدء بتجربة محدودة في محافظة أو اثنتين،لذا فأي خلل مهما صغر يصبح في هذه الحالة كارثةً قومية لا يمكن احتواؤها، وهذا تحديدا ما حدث و يعبر عنه بالـ Big Bang..

و خلف كل هذه الأحداث المتلاحقة هناك ملف يكاد يكون أكثر خطورةً من توقف الخدمات نفسها، و هو ملف بيانات المصريين، ف قاعدة بيانات الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي تحتضن الأرقام القومية للملايين من المواطنين، و بيانات دخولهم و رواتبهم و تاريخ اشتراكاتهم، و سجلات أصحاب الأعمال و المنشآت، و المعلومات المصرفية الخاصة بأصحاب المعاشات، فضلًا عن بيانات الورثة و المستفيدين، هذا الكنز من المعلومات الشخصية أصبح رهينا لمنظومة تديرها شركة مرت بثلاث حوادث أمنية موثقة في أقل من عامين.

و في ظل الأزمة المالية التي عاشتها أتوس، اتساءل عما إذا كانت الشركة تستطيع الإنفاق الكافي على الأمن السيبراني لمشروعاتها في الأسواق الناشئة؟، و ما إذا كانت قواعد البيانات المصرية تعالج داخل الحدود الجغرافية المصرية أم من خلال خوادم خارجية؟ و السؤال المعلق دون إجابة علنية.. هل تمتلك أي جهة رقابية مصرية مستقلة صلاحيةَ مراجعة حركة البيانات من و إلى البنية التحتية لأتوس؟ و ما الذي يحدث لهذه البيانات في حال انتهاء العقد أو تعرض الشركة لأزمات مستقبلية؟

لذا فوجهة نظري أن المسألة معقدة جدا عندما نضع في الاعتبار أن أتوس تتعامل مع شركة سيادية و هيئة تابعة للقوات المسلحة، فهل هناك ما يضمن لمصر حفظ بياناتهما؟ و عدم وجود ثغرات تتجاوز ما اشرت إليه؟

و كما أنه ليس سرا أن مشروعات حكومية كبرى في مصر تمر بمسارات تعاقدية بعيدة عن نظام المنافسة و الشفافية "الأمر المباشر"، لذا فمن السهل التصور كيف جرت إجراءات اختيار أتوس أصلا لهذا المشروع من خلال منافسة ام إسناد؟

و من اتخذ قرار الإطلاق في 24 فبراير 2026، و ما المستند التقني الموثق الذي بنى عليه هذا القرار؟ و من أصدر أمر إيقاف النظام القديم قبل أن يثبت النظام الجديد جدارته؟ هذه الأسئلة تحمل جواب المسؤولية الأولى عن الكارثة، و من وقع ورقة استلام المشروع من أتوس و على أي أساس تقني؟ و هل طبِقت بنود العقد المتعلقة بغرامات التأخير الذي امتد من عامين إلى خمسة؟ و كيف أُنفقت الأموال بنداً بنداً خلال هذه السنوات الخمس دون تقرير رقابي واحد معلن؟

الجهاز المركزي للمحاسبات يفترض أنه يراقب إنفاق المال العام، فأين تقاريره عن هذا المشروع؟ و هل وضع أمام مجلس النواب ملفا كاملا عن تاريخ العقد و تفاصيله و الأطراف المتعاقدة؟ مطالب البرلمان بالإحاطة التي تقدم بها عدد من النواب ليست حقا برلمانيا فحسب، بل هي استحقاق حتمي لأصحاب المعاشات الذين دفعوا هذه الاشتراكات من لقمة عيشهم سنوات طويلة، و للأسف لم تشمل بياناتهم العاجلة أو طلبات الإحاطة بعضا من الأسئلة الهامة و المشروعة التي ذكرت أعلاه.

و انتقل هنا لمقارنة بين صمت  و "عند و تكبر رئيس الهيئة وأنه لايسمع لأحد.. كما وصفه رئيس نقابة أصحاب المعاشات" وبين درس التجربة البريطانية مع أتوس، فحين أظهرت الأزمة المالية للشركة أنها ربما لا تستطيع مواصلة عقود حكومية بمليار جنيه إسترليني، بادرت الحكومة البريطانية إلى تشكيل فريق طوارئ عمل مع استشاريي برايس ووترهاوس كوبرز pwc لتقييم المخاطر، و بدأت في تحديد مزودين بديلين لكل عقد من العقود الحيوية التي كانت أتوس تشغلها، من سجلات الصحة في المستشفيات حتى استحقاقات ذوي الإعاقة والضريبة و القضاء، و هي خطوة نبعت من إدراك مؤسسي صارم أن الدولة لا يجوز أن تودع بيانات مواطنيها الحساسة في سلة شركة واحدة دون خطط للطوارئ.

لكن في مصر لا توجد أي معلومات منشورة تشير إلى وجود خطة مماثلة، بل بينات مضللة و اجتزاءات لتبرير خطأ يضر بمصر و المفروض أن الحكومة أول من تكشف عنه و تحدد أسبابه و تعمل على علاجه.. بينما الواقع أنه لا يعلم إن كانت هناك جهة حكومية تتابع الأزمة المالية لأتوس وتقيم انعكاساتها على المشروع المصري، و لا يعلم ما إذا كانت ثمة آلية محددة لاسترداد البيانات وضمان الاستمرارية في أسوأ السيناريوهات.

إن ما يجري في مصر اليوم من مطالبات برلمانية واستقطاب إعلامي حول أزمة التأمينات ليس بديلًا عن تحقيق فعلي شامل و مستقل، إن كان المشروع قد استهلك ما بين 1.3 و 1.4 مليار جنيه على مدى خمس سنوات ليسلم نظاماً ينهار في أسابيعه الأولى، فإن هذا يستدعي بشكل قاطع لجنة تقصي حقائقَ مستقلة يتولاها خبراءُ من خارج المؤسسات المتعاقدة و المشرفة، وتنتهي بنتائج معلنة للرأي العام.

كما يستدعي مراجعةً قانونيةً للعقد مع أتوس لتحديد ما إذا كانت بنود الغرامات و المسؤولية قابلةً للتفعيل، ومراجعةً للأدوار التعاقدية لكل من وادي النيل والهيئة الهندسية لتحديد نطاق المسؤولية القانونية والمالية لكل طرف، ويستدعي أيضا إجابةً واضحةً للرأي العام عن أسئلة البيانات.. أين تخزن، و من يصل إليها، و ما الضمانات الموجودة لمنع توظيفها لغير أغراضها المعلنة.
----------------------------------
بقلم: محمد جرامون

مقالات اخرى للكاتب

عن سيستم التأمينات crm وشركة أتوس