أثارت الشهادة المتداولة مؤخرًا من طبيبات ومريضات بخصوص ما جرى داخل قسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي التعليمي، بالإسكندرية حالة واسعة من الصدمة والغضب، انشغل الكثيرون بطرح الأسئلة حول صحة هذه الشهادات من عدمه، وتحديد المسؤول عنها، وبطبيعة الحال هي أسئلة مشروعة وتحتاج إلى الحسم عن طريق تحقيقات جادة وقانونية.
لكن الحادث يطرح سؤالًا آخر يدور حول الكيفية التي يمكن أن تتحول بها ممارسات مهنية عنيفة لتصبح سلوكًا معتادًا وعاديًا داخل مؤسسة، الأصل فيها المهنية والانضباط المهني والأخلاقي. طرح السؤال لا يعني مستشفى بعينها، لأنه يتجاوز قطاع الصحة برمته، كون السؤال يتعلق بطبيعة الدولة والمجتمع الذي أنتجته السلطة في لحظة تاريخية معينة. فالخدمات العامة كالطب والتعليم والقضاء، لا تُعتبر مجرد مهن، إنما مؤسسات اجتماعية ترتكز على معايير ومساءلة، فالطبيب يكتسب سلطته من المعرفة وانضباطه المهني والأخلاقي، والمريض في هذا السياق يقف كصاحب حق في الحصول على الخدمة الطبية.
ومن التبسيط أن يتم النظر إلى تراجع المهنية باعتباره مجرد أزمة تتعلق بالأخلاق الفردية، فتكرار الخروج عن القواعد المهنية والالتزام بضوابطها يدفع ناحية النظر في جذور الظاهرة. كان لقيام الدولة الحديثة مظاهره، ومنها القواعد المجردة وتطبيقها على الأشخاص. فقد قامت الدولة الحديثة على فكرة جوهرية، وهي سيادة القاعدة على الشخص، فالجميع تُطبق عليه قواعد عامة وتحكم أعمالهم معايير معدة سلفًا للمحاسبة والرقابة، وحين تتراجع هذه الفكرة فتصبح الطاعة العمياء أهم من الكفاءة، ومن ثم تبدأ المؤسسات في التحلل من داخلها رغم احتفاظها بأبهتها وبريقها الخارجي، وهي لحظة تتراجع فيها السياسة وتتراجع معها المهنية.
يبدو، للوهلة الأولى، أن الربط بين السياسة والمهنية فيه الكثير من المبالغة، إلى الدرجة التي يستنكر فيها البعض الربط بين ما يحدث في غرفة عمليات التوليد في إحدى المستشفيات الحكومية وبين شكل النظام السياسي. المهنية ليست مهارة تقنية، لأنها تفترض وجود مساحة من الاستقلالية والمهنية والخبرة، مما يصح تعريفها بأنها علاقة اجتماعية ومؤسساتية بالأساس، تعطي للطبيب أن يحتكم لقواعد المهنة وضوابطها أكثر مما يحتكم إلى رغبات أصحاب السلطة.
إلا أن طبيعة الحكم المطلق/النصف إلهي يحمل في باطنه ميلًا دائمًا إلى إخضاع الجميع، أفرادًا ومؤسسات، إخضاعًا لمنطق الحكم المطلق، والإخضاع وهي السمة الأساسية للحكم المطلق، هدفه تقويض وتذرير المساحات الحرة والمستقلة داخل المجتمع والدولة، أحزابًا ونقابات وجامعات ومؤسسات مهنية، وحين تتراجع استقلال تلك المؤسسات يتراجع معها قدرتها على إنتاج القيمة والحفاظ على معاييرها المهنية.
في تلك اللحظة يسمو معيار الخنوع والطاعة على معيار الكفاءة، وذلك عبر عملية من إعادة تشكيل الوعي والثقافة المؤسسية، مما يجعل الاعتراض يحمل خطورة كبيرة، والالتزام بالمعايير المهنية أقل بكثير من التماهي مع موازين القوة داخل مؤسسة ما. فتآكل المهنية لا يحدث لأسباب تتعلق بالأخلاق الفردية أو النكوص عن المعايير العلمية، إنما تلعب البيئة المؤسسية وبشكل تدريجي وعبر عملية طويلة على منع مكافأة السلوك المهني وفي المقابل تكافئ الصمت والخضوع والتعامي على الحقائق.
تراجع المهنية يعد نتيجة بنيوية للاستبداد، فسلبيات الحكم المطلق وكوارثه لا تقف عند إضعاف السياسة وتغييبها، إنما يمتد أثره على أي مؤسسة تعتمد على الاستقلال النسبي لما تملكه من معارف وخبرات. تطل كذلك السياسات النيوليبرالية برأسها، فمن الخطأ رد كل شيء إلى الاستبداد وحده، فما يحدث بالقطاع الصحي مرتبط ارتباطًا لا يقبل التجزئة بما يحدث على مدار عقود من إنجاز السلطة لسياسات نيوليبرالية يتراجع فيها الإنفاق العام وتتدهور فيه الخدمات الأساسية.
فالكوادر الطبية تعمل في ظل موازنات حكومية ضعيفة وأجور لا تتناسب مع الغلاء والتضخم، وبالتالي يتحملون فوق قدراتهم، والمستشفيات هي الأخرى تعاني نقصًا في التوريدات والمعدات والكوادر الطبية، وكلها صيغ عمل تعمل على إنتاج التوترات والإرهاق وفقدان الحس الإنساني.
بتضافر الاستبداد والسياسات النيوليبرالية وتلاقيهما تكون المسألة أصعب بكثير، فالنيوليبرالية تضعف الموارد فيما يمنع الاستبداد والحكم المطلق من قدرة المجتمع على المقاومة. فالأزمة لا يفسرها عامل واحد، فالسياسات النيوليبرالية تخلق المشكلة فيما يعمل الاستبداد والحكم المطلق على تأبيدها، وكل هذا في غياب القدرة على التنظيم وتراجع المساءلة والرقابة.
قد يفسر نقص الموارد تراجع مستوى الخدمة الطبية، لكنه لا يمكن أن يفسر التقليل من المريضات وازدرائهن ووصمهن، ولعل ما يفسر اعتياد هذا السلوك هو السلطة المطلقة غير الخاضعة للمساءلة، لأنها تتعامل مع المواطنين كرعايا، وتستعيد صورة مجازية لحكم به من ملامح الحكم السلطاني وعودة منطقهم السياسي في الحكم، حيث سلطة شخصية أكثر من كونها مؤسساتية، يعلو بداخلها الولاء عن الكفاءة.
ويكون خير شاهد على ذلك وقوف المواطن في استقبال المستشفيات العامة كصاحب التماس لا كصاحب حق في الحصول على الخدمة الطبية، يطلب الإحسان ويخشى غضب صاحب السلطة الواقفة أمامه. إن صحت الوقائع المتداولة بشأن قضية مستشفى الشاطبي، فلا يمكن اعتبارها أزمة تمس الحق في الصحة فقط، إنما أزمة علاقة بين السلطة وطبيعتها والمجتمع، أزمة تتراجع فيها المهنية والقواعد أمام الفرد وتعلو فيها الولاءات عن الحقوق.
فحين تموت السياسة، تموت معها أشياء كثيرة، ومن أولى ضحاياها المهنية.
------------------------------
بقلم: محمد الخولي
* أمين التثقيف في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي






