في تفاصيل الحياة اليومية تظهر ملامح أزمة تتسع بهدوء داخل المجتمع أزمة ترتبط بواحدة من أهم ركائز سوق العمل: الحرفي الماهر. البحث عن سباك أو كهربائي أو فني صيانة أصبح رحلة تحتاج إلى وقت طويل وعلاقات واسعة وقدر من الحظ وكأن الوصول إلى "أسطى حقيقي" تحول إلى إنجاز في حد ذاته.
السوق يعكس واقعًا مختلفًا عمّا كان عليه في سنوات سابقة؛ الحرفي الذي يمتلك خبرة تراكمية وقدرة على التشخيص السريع وتقديم حلول عملية أصبح أقل حضورًا، في وقت تتزايد فيه الحاجة إليه داخل كل بيت. التغيرات الاقتصادية والاجتماعية دفعت قطاعات من العمالة الحرفية إلى مسارات أخرى تحقق دخلًا أسرع، سواء داخل السوق المحلي أو خارجه، ما خلق فجوة واضحة بين العرض والطلب.
في المقابل ظهرت أنماط جديدة داخل قطاع الصيانة من بينها كيانات تروج لنفسها دون امتلاك الخبرة الكافية فيتحول طلب الخدمة إلى تجربة مليئة بالتجارب غير المضمونة. يصل الفني، يتعامل مع العطل بسطحية، ثم تبدأ سلسلة من التكاليف التي ترتفع تدريجيًا تحت مسميات متعددة، في مقدمتها "الكشف"، وصولًا إلى قطع غيار بأسعار مرتفعة وانتظار يمتد لأيام أو أسابيع.
هذا المشهد يعكس تحولًا أعمق في ثقافة العمل؛ حيث أصبح العائد المادي السريع عنصرًا حاسمًا في اختيار المهنة، بينما تراجعت قيمة الحرفة كمسار مهني قائم على التعلم التدريجي واكتساب الخبرة. ورغم وجود معاهد ومراكز تدريب، فإن الفجوة ما زالت قائمة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق الفعلية، وهو ما يحد من قدرة هذه المؤسسات على ضخ كوادر جاهزة للعمل بكفاءة.
قطاع صيانة السيارات والأجهزة الهندسية يواجه نفس التحدي حيث تتزايد الأعطال والخدمات المطلوبة مقابل عدد محدود من الفنيين المؤهلين ما يضع السوق أمام معادلة تحتاج إلى إعادة ضبط سريعة.
الحل يبدأ من رؤية متكاملة تعيد الاعتبار للحرف اليدوية عبر تطوير منظومة التدريب وربطها باحتياجات السوق وتقديم نماذج ناجحة تعيد جذب الشباب إلى هذه المجالات. الاستثمار في الصنايعي الماهر يعني خلق فرص عمل مستدامة وتحسين جودة الخدمات وتحقيق توازن حقيقي داخل سوق العمل.
في كل منزل حكاية مع فني أو حرفي وفي كل حكاية مؤشر على تحدٍ أكبر يحتاج إلى تحرك منظم. إعادة بناء منظومة الحرف خطوة أساسية نحو سوق أكثر كفاءة ومجتمع يعتمد على مهارة حقيقية تعيد الثقة بين المواطن والخدمة التي يحصل عليها.
-------------------------------------
بقلم: محمد دياب






