مقالي هذا يعيدني بالذاكرة إلى مناهجنا الدراسية في التعليم ما قبل الجامعي، وما كان يصب في عقول طلاب العلم - وأنا منهم - من أخطاء يجب أن تصحح.
كنت أتوقف كثيرا عند حادثة التحكيم التي حدثت في اعقاب موقعة صفين سنة ٣٧ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم /٦٥٨ من الميلاد، وما جاء في الكتابات التاريخية عن سيدنا عمرو بن العاص، وسيدنا أبي موسى الأشعري - رضي الله عنهما - بما يخالف الواقع التاريخي، ويسيء إليهما كاثنين من أجل صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجميع صحابته صلى الله عليه وسلم أجلاء.
وتمضي بي رحلة الزمن وأقف على ما كان من فضيلة الدكتور محمد الغزالي تجاه حادثة التحكيم؛ وذلك عندما تم تعيينه خطيبا بالأوقاف في مسجد عمرو بن العاص، وبعد مضي فترة استدعاه الشيخ الباقوري - وكان وزيرا للأوقاف آنذاك - قائلا له: ماذا بينك وبين عمرو بن العاص؟!!!.. وطلب منه أن يصلح مابينه وبين عمرو بن العاص؛ وإنه رآه في المنام، وهو يقول له: لقد غفرت للغزالي تطاوله علي، وكان الشيخ الغزالي في نفسه شيء وفي صدره من ابن العاص بسبب حادثة التحكيم.
وقد تبدو هذه القصة ذات مسحة أسطورية بعيدة عن التصديق؛ إلا أن إعمال العقل فيها يرجح حدوثها، وأنها جاءت في كتابات متخصصة اهتمت ببيان دور الشيخ الغزالي في تجديد الفكر الإسلامي، وهو أمر لا ينكره جاحد.
وكنت أتمنى أن يسعى الشيخ الغزالي - رحمه الله - إلى بيان حقيقة الحادثة، وماجاء فيها بشأن الصحابين المذكورين، خاصة موقف سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه.
وحادثة التحكيم هي حادثة تاريخية حدثت على أرض الواقع التاريخي، لكنه من غير المقبول تصوير بطلي التحكيم - إن جازت اللفظة - بما لايليق به وصف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالأول - وهو عبدالله بن قيس المعروف بابي موسى الأشعري - يوصف بالغفلة والبلاهة، والآخر يوصف بالمكر والخديعة والدهاء، ويجسد هذا ما قاله ابن العاص لجموع المسلمين الذين حضروا التحكيم - حسبما جاء في الكتابات التي اعيب عليها - اشهدكم أن صاحبكم قد خلع صاحبه، ويقصد به سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنا أثبت صاحبي، ويقصد به سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وكان الحكمان قد اتفقا على خلعهما.
وتبقى النظرة الفاحصة للمروية التاريخية الخاصة بالتحكيم؛ والتي تشير إلى ضعف أسانيد هذه المروبة، وأنها اعتمدت على شخصيات معلولة وضعيفة وواهية، فهي مرويات تنسب إلى أبي مخنف الأزدي وهو شيعي، وأخرى تنسب إلى الإمام محمد بن شهاب الزهري، وهو من التابعين، ولم يعاصر الحادثة، ولم يعين أسماء من نقل عنهم.
وهنا أدعو الباحثين عن الحقيقة للرجوع إلى ما جاء عن حادثة التحكيم في كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي، وما جاء في كتاب منهاج السنة لابن تيمية، كما أن سيدنا معاوية بن أبي سفيان لم يكن طالبا للخلافة آنذاك ، حتى يتم خلعه، فقط كان يطلب القصاص من قتلة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، انطلاقا من قوله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) الإسراء آية رقم ٣٣.
وفضلا عن ذلك، فمعاذ الله تعالى ان يوصف أبو موسى الأشعري بالغفلة والبلاهة، وهو الفقيه العالم المعلم، الذي كان يحرص على تعليم العلم حتى في أثناء الغزوات والجهاد، وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود، ثناءً على حسن تلاوته للقرآن الكريم.، كما كان أشهر ولاة البصرة في عهد أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتولى له القضاء، وإليه كانت رسالة ابن الخطاب في القضاء..، وكان يعد من قضاة الأمة، وغير ذلك كثير من مناقب الرجل، بما لايتفق مع تصويره بهذا الشكل في حادثة التحكيم المزعومة..
أما عن شخصية عمرو بن العاص، فهو صاحب مناقب متعددة جاءت في سنن الترمذي، وقال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم إنه من صالحي قريش، ودعا له قائلا: اللهم انصر عمرا...، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص، وقال عنه ابن الخطاب ما ينبغي لابن العاص أن يمشي على الأرض إلا أميرا، فضلا عن دوره في الجهاد في الشام ومصر وحدودها الغربية.
والجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: باب من أبواب الجنة، وهو الذي نجح بالدبلوماسية والذكاء في دخول ولدي الجلندي (جيفر وعباد) في الإسلام، وهي منطقة عمان الآن بضم العين، وهو الذي دخل خيمة أرطبون الروم، وقال في شأنه ابن الخطاب: ضربنا أرطبون الروم بأرطبون العرب، وغير ذلك كثير مما حباه الله تعالى به من ذكاء وإعمال للعقل والحيلة، وهو ما استخدمه في صالح الإسلام والمسلمين.. فلماذا نصر على وصفه بالمكر والخديعة والمكيافيلية ، كما لا يليق وصف الآخر (ابو موسى الأشعري) بالغفلة والبلاهة؟!!!!
لعلي بذلك أكون قد نجحت في تفنيد حادثة التحكيم وما فيها من أخطاء وتجاوزات، وأن أكون قد انصفت شخصية الصحابيين الجليلين مما لصق بهما من افتراءات.. داعيا المولى عز وجل أن ينصفني يوم العرض عليه بعفوه ومنه وغفرانه وإحسانه... وعلى الله قصد السبيل.
------------------------------------------
بقلم: د. عادل يحيى
باحث أكاديمي وعضو اتحاد المؤرخين العرب






