15 - 06 - 2026

"لا شيء معي إلا كلمات"

أمشي في هذا الزمان خفيف اليدين إلا من أوراق أثقلتها سنوات البحث، وخفيف الجيب إلا من كنوز المعرفة التي لا تباع في الأسواق.

أنظر حولي فأرى الضجيج يعلو، وأرى وجوها صنعتها المصادفة تتصدر المشهد، بينما يقف أهل العلم في الظل، يحملون مصابيحهم القديمة وينتظرون من يسأل عن الطريق.

لم يكن الرثاء يوما للأشخاص وحدهم، بل قد يكون للمقامات التي تهاوت، وللقيم التي تراجعت، وللأماكن التي خلت من أهلها.

وها أنا أرثي مقام العلم الذي كان إذا تكلم أنصت له الناس، وإذا أشار تبعوه، وإذا اختلفوا جعلوه حكما بينهم.

أما اليوم فقد أصبحت الكلمة الرصينة غريبة في وطن الضجيج، وأصبح العالم كمن ينادي من وراء حجاب، يسمعه القليل ويعرض عنه الكثير.

كان أهل العلم يوما زينة المجالس، وعنوان النهضة، وروح الأمم. كانت الرحلات تشد إليهم، والقلوب تتعلق بكلماتهم، والناس يتنافسون في القرب منهم. كانوا يحملون مشاعل الهداية والمعرفة، فتتسع بهم آفاق الحياة وتستنير بهم العقول.

أما اليوم فقد تبدلت الأحوال، وصارت الشهرة تنال في لحظات، بينما يقضي العالم عمره كله يجمع العلم حرفا حرفا، ثم لا يكاد يجد من يصغي إليه.

يا لحزن المكتبات الممتلئة بالمعرفة وهي ترى الأعين منصرفة عنها. ويا لحزن الكتب التي سهر أصحابها الليالي في تأليفها، ثم صارت حبيسة الرفوف، بينما تتصدر المشهد كلمات عابرة لا تعيش أكثر من ساعات. أصبح كثير من أهل العلم غرباء في أوطانهم، يحملون هموم المعرفة في زمن لم يعد يصبر على المعرفة، ويقدمون الحقائق في عصر يفضل الإثارة على الحقيقة.

كم من عالم أفنى شبابه بين الكتب والمراجع، وأرهق عقله بحثا وتدقيقا، ثم وجد نفسه في آخر الطريق وحيدا إلا من علمه.

وكم من باحث قدم عمره قربانا للحقيقة، ثم رأى من لا يملكون من الزاد إلا الكلام السريع يحصدون التصفيق والأضواء.

إنها ليست حسرة على مكانة اجتماعية ضائعة، بقدر ما هي حسرة على ميزان اختلت كفتاه، فلم يعد يزن الناس بما يحملون من علم، بل بما يملكون من حضور وضجيج.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يدعو إلى التأمل هو أن أهل العلم لم يتخلوا عن رسالتهم. لم يتركوا كتبهم، ولم يغلقوا أبواب المعرفة، ولم يساوموا على الحقيقة. بقوا أوفياء للكلمة، مؤمنين بأن ما يزرعونه اليوم قد يثمر غدا، وأن النور مهما خفت لا ينطفئ. يقفون في مواجهة الجهل بما يملكون، ولا يملكون إلا كلمات.

كلمات يراها البعض ضعيفة، لكنها كانت عبر التاريخ أقوى من السيوف، وأبقى من العروش، وأقدر على صناعة المستقبل.

إن الأمم لا تخسر حين يفتقر علماؤها إلى المال أو الشهرة، لكنها تخسر حين تفقد القدرة على الإنصات إليهم. وتبدأ رحلة التراجع يوم يصبح صاحب المعرفة غريبا بين قومه، ويصبح صوت الحكمة خافتا وسط صخب لا ينتهي. عندها لا يكون الرثاء لأهل العلم وحدهم، بل لمجتمع بأكمله اختار أن يبتعد عن منابع النور.

لهذا أكتب اليوم، لا رثاء لأشخاص ما زالوا أحياء بيننا، بل رثاء لهيبة كانت تحيط بالعلم، ولمكانة كانت تليق بأهله، ولزمن كانت فيه الكلمة الصادقة تجد من يحفظها ويصونها.

أكتب وقلبي مثقل بهذا السؤال: ماذا يبقى للعالم إذا انصرف الناس عن علمه؟

لا شيء معه إلا كلمات.

لكن التاريخ كله يشهد أن الحضارات بدأت بكلمات، وأن العقول استنارت بكلمات، وأن الإنسان ارتفع فوق جهله بكلمات. وربما كان عزاء أهل العلم أنهم، وإن خفتت أصواتهم اليوم، فإن الكلمة الصادقة لا تموت، وإن تأخر صداها.

فتبقى الكلمات، ويبقى أصحابها شهودا على زمن لم يقدرهم كما ينبغي، ويظل العلم، رغم كل شيء، آخر ما ينجو من خراب الأيام.
------------------------------------------
بقلم: د. محمد اشرف الغمراوي

مقالات اخرى للكاتب