29 - 06 - 2026

كيف تعيد المسيَّرات تشكيل ساحات الصراع في السودان؟

كيف تعيد المسيَّرات تشكيل ساحات الصراع في السودان؟

لم تعد الحرب السودانية تدور فقط حول السيطرة على المدن أو التقدم على خطوط التماس التقليدية، بل دخلت خلال العامين الأخيرين مرحلة جديدة عنوانها الأبرز "السيطرة على الأجواء واستنزاف العمق اللوجستي للخصم"، وتكشف الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة على مدينة الأُبيّض، عاصمة إقليم كردفان وأحد أهم المراكز الاستراتيجية في السودان، عن طبيعة هذا التحول الذي أخذ يعيد رسم خريطة الصراع وتداعياته الإنسانية والاقتصادية.

فالهجمات الأخيرة التي استهدفت مدينة الأُبيّض ومدينة الرهد أبو دكنة لم تكن مجرد عمليات عسكرية معزولة، بل تأتي ضمن نمط متصاعد من الضربات بعيدة المدى التي تستهدف منشآت الوقود وطرق الإمداد والمرافق الحيوية. وقد أسفرت هذه الهجمات عن سقوط قتلى وجرحى وتدمير خزانات ومحطات وقود، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة الطاقة وارتفاع تكاليف النقل وتعطيل حركة التجارة في منطقة تعتمد بشكل كبير على خطوط الإمداد البرية.

تكتسب مدينة الأُبيّض أهمية استثنائية في المشهد السوداني بسبب موقعها الجغرافي ووظيفتها الاقتصادية والعسكرية. فهي تشكل نقطة وصل بين وسط السودان وغربه، كما تمثل بوابة رئيسية نحو إقليم دارفور. وإلى جانب دورها كمركز للتجارة والزراعة والنقل، أصبحت المدينة خلال الحرب الحالية مركزاً لاستقبال عشرات الآلاف من النازحين الفارين من مناطق القتال.

هذا الموقع جعلها هدفاً استراتيجياً لطرفي الصراع. فمن جهة، تمثل المدينة قاعدة مهمة للجيش السوداني في كردفان، ومن جهة أخرى ترى قوات الدعم السريع أن إضعافها أو عزلها لوجستياً يمكن أن يحقق مكاسب استراتيجية تتجاوز حدود المدينة نفسها، نظراً لارتباطها بشبكة طرق وإمدادات حيوية تمتد إلى أجزاء واسعة من البلاد.

في الوقت نفسه، تكشف الهجمات الأخيرة عن تحول جوهري في طبيعة الحرب السودانية، ففي المراحل الأولى من النزاع كانت المعارك البرية والسيطرة المباشرة على المدن والأحياء هي السمة الغالبة. أما اليوم، فقد أصبحت الطائرات المسيّرة أداة مركزية في إدارة الصراع. وهو التحول الذي يعكس إدراك الطرفين لارتفاع كلفة العمليات البرية، سواء من حيث الخسائر البشرية أو المتطلبات اللوجستية. لذلك اتجهت الاستراتيجية العسكرية بصورة متزايدة نحو استهداف مراكز الإمداد والوقود والبنية التحتية، في محاولة لإضعاف قدرة الخصم على الصمود دون الحاجة إلى خوض معارك ميدانية واسعة.

في هذا السياق، لم تعد القيمة العسكرية للهجمات تقاس بعدد المواقع التي يتم الاستيلاء عليها، بل بمدى تأثيرها على قدرة الخصم الاقتصادية واللوجستية وعلى معنويات السكان المدنيين. وهنا يتأكد الدور الذي أحدثته الطائرات المسيَّرة في تغيير معادلات القوة، فقد أحدثت المسيّرة تحولاً عميقاً في موازين الصراع داخل السودان، كما حدث في نزاعات أخرى حول العالم. فهذه التكنولوجيا تمنح الفاعلين العسكريين القدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة نسبياً بكلفة أقل من الوسائل الجوية التقليدية.

كما لم تعد المدن الواقعة بعيداً عن خطوط المواجهة بمنأى عن الحرب. فمدينة الأُبيّض، ورغم عدم وقوعها في قلب المعارك البرية اليومية، أصبحت هدفاً متكرراً للهجمات الجوية، ما يشير إلى أن مفهوم "العمق الآمن" بدأ يتلاشى تدريجياً في الحرب السودانية، وهو التطور الذي تزداد أهميته في ظل التقارير التي تحدثت عن تدمير منظومات دفاع جوي كانت تؤمن المدينة ضد المسيّرات، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تشهد تصاعداً في الهجمات الجوية إذا لم تُعزز إجراءات الحماية والدفاع.

لكن الجانب الأكثر خطورة في هذه التطورات يتمثل في انعكاساتها المباشرة على المدنيين. فاستهداف محطات الوقود وخطوط الإمداد لا يؤدي فقط إلى إرباك الخصم عسكرياً، بل ينعكس بصورة فورية على الحياة اليومية للسكان. وهي مسألة تكتسب حساسية مضاعفة في مدينة تضاعف عدد سكانها عدة مرات نتيجة موجات النزوح. فكل تراجع في إمدادات الوقود يعني ارتفاعاً في تكاليف النقل، وتعطيلاً لحركة البضائع، وضغوطاً إضافية على قطاعات الصحة والمياه والكهرباء، وهي قطاعات تعاني أصلاً من آثار الحرب. وهكذا تصبح البنية التحتية المدنية جزءاً من معادلة الصراع، حتى عندما لا تكون الهدف العسكري المباشر. فالنتيجة النهائية واحدة تتمثل في زيادة معاناة السكان وتآكل قدرة المدن على الاستمرار في أداء وظائفها الأساسية.

لذلك تزداد المخاوف من أن تتجه الأُبيّض نحو مسار مشابه لما شهدته مدينة الفاشر بعد أشهر طويلة من الحصار والاستنزاف. ورغم اختلاف الظروف الميدانية بين المدينتين، فإن استمرار استهداف خطوط الإمداد والخدمات الأساسية قد يؤدي إلى إضعاف قدرة المدينة على الصمود على المدى الطويل. ولا يتعلق الأمر فقط بالبعد العسكري، بل أيضاً بقدرة المدينة على الحفاظ على دورها الاقتصادي والإنساني كمركز إقليمي يخدم ملايين السكان في كردفان والمناطق المجاورة.

بشكل عام، فإن الهجمات المتكررة على الأُبيّض تكشف أن الحرب السودانية دخلت مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية السيطرة المباشرة على الأرض لصالح استراتيجيات الاستنزاف بعيدة المدى. وفي قلب هذه التحولات تقف الطائرات المسيّرة باعتبارها أحد أبرز أدوات إعادة تشكيل الصراع. غير أن أخطر ما في هذا التحول لا يتمثل في تطور الأدوات العسكرية فحسب، بل في اتساع دائرة التأثير لتشمل المدن والبنية التحتية والمدنيين. فكل ضربة تستهدف الوقود أو الخدمات لا تضرب الخصم العسكري وحده، بل تضرب أيضاً قدرة المجتمع على الاستمرار والصمود. ومن هنا تبدو الأُبيّض اليوم أكثر من مجرد مدينة تحت القصف؛ إنها نموذج مكثف لكيفية تحول الحرب السودانية إلى صراع طويل الأمد يستنزف البشر والموارد والمؤسسات في آن واحد.
--------------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد


مقالات اخرى للكاتب

كيف كشفت حروب الشرق الأوسط حدود منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية؟