29 - 06 - 2026

بيت آمن لأمل عفيفي

بيت آمن لأمل عفيفي

تقدم المبدعة أمل عفيفي في كتابها بيت آمن تجربة فريدة في كتابة سيرة ذاتية تبدو للوهلة الأولى إنها سيرة حدث زلزل كيانها وحياتها وهو رحيل ابنتها الشابة في بداية العشرينات من عمرها، ثم يكشف لنا الكتاب عن كونه ليس محاولة للتعافي من الكارثة فحسب، بقدر ما هو محاولة لتقديم شكل ما من أشكال الحلول الواقعية لمن يمرون بمثل هذه الصدمات، لكن الكتاب لم يتوقف عند هذه الفكرة بل كشف لنا عن كونه محاولة اقتراب أكثر من الابنة الراحلة ومد جسور بينهما تبذل فيها الأم جهدا فائقا في إثبات حبها المطلق لابنتها العزيزة عن طريق مد شرايين الحب إلى مجموعة من اليتيمات، اختارت أن تربيهن كحفيدات من ابنتها التي رحلت قبل أن تتزوج وقد أثبتت التجربة أن العلاقة بين أمل عفيفي والبنات قد نمت بشكل تلقائي، وأضفت سعادة على أمل بقدر ما أضفت سعادة على الأربع بنات اللاتي اختارتهن، ثم ظهر لي بعد قراءة المزيد من الصفحات أن الرحلة التي قطعتها أمل وهي تقرر أن تبني بيتا لتكفل عددا قليلا من البنات حتى تستطيع الإشراف بنفسها عليهن بمساعدة متخصصات هي رحلة كاشفة في عمق المجتمع المصري، الذي يؤمن بحماية اليتيم من منظور ديني ومن منظور إنساني محض لكن الواقع كان يخبئ لها ولنا الكثير.

أمل صديق عفيفي فنانة تشكيلية وسيناريست وكاتبة قصة وروائية وأستاذة أكاديمية في علوم إدارة الأعمال بجامعة طيبة، تبدأ الكتاب بالحدث الرئيسي وهو الرحيل المفاجئ للابنة قبل أن تتمكن الأم والعائلة من إدراك ما يحدث ومعاناة الأم في تقبل هذه الصدمة وإدراك أنها ستكمل الرحلة بدون الابنة الغالية، حتى تقرر أن تختار مجموعة من البنات اليتيمات لتكفلهن ليس في بيتها، ولكن في بيت مستقل وتبدأ رحلتها مع الإجراءات الرسمية من خلال وزارة التضامن من ناحية، ومن خلال طرح الفكرة وما ستتبعه من احتياجات مادية ومعنوية من ناحية ثانية، وتستعرض معنا الصعوبات التي تجعلها تعيد النظر في الفكرة أكثر من مرة حتى تكاد أن تتراجع عنها. تكشف الصعوبات ببساطة عن الفرق بين المعلن سواء في الإجراءات أو الموقف الاجتماعي من اليتيم وبين الواقع في التعامل معه، من هنا في رأيي يأتي أهم عنصر من عناصر نجاح هذا الكتاب الإنساني القيم.

اللغة سلسة واضحة بسيطة وعميقة في ذات الوقت تتناسب مع اختيارها لشكل الكتاب بدلا من الشكل الروائي الذي ربما كانت تدفعها تجربتها الروائية إليه. وإن كنت قد صنفته باعتباره نوعا من السيرة الذاتية والبوح، ولولا الخوض في معايير النجاح والتوقف عن إرشادات التخلص من عقبات الطريق للمقبلين على الدخول في مثل هذه التجربة لكانت سيرة روائية بامتياز، لكنها اختارت هذا الشكل وبررته في حوارها معي برغبتها في نقل صورة واقعية تتجاوز البحث عن شخصيات واستخدام الخيال، لأنها كانت تريد نقل تجربة حقيقية مثلما حدثت.

يطرح الكتاب حالة الفصام التي يعيشها المجتمع وهو يتعامل مع اليتيم حين يسأل الأطفال كيف يكونون إخوة وفرق الأعمار خمسة شهور أو اختلاف أسماء الآباء أو رفض النوادي دخول الأطفال المكفولين مع الأسرة باعتبارهم ليسوا أبناء فعليين، بل مكفولين ناهيك عن عدم توفر المتخصصين في رعايتهم وصعوبة الوصول إليهم وفكرة اختيار طفل بعينه لإنقاذه، والعوامل النفسية التي تشكل وعيه وبالتالي معايير اختيار الأطفال.

في الكتاب مشاهد إنسانية تمس القلب مثل مشهد رفض الأم التخلي عن ملابس ابنتها ثم وصولها في النهاية لقرار الاحتفاظ بها لكي ترتديها بناتها حين يكبرن ويصلن إلى السن المناسب لقد توحدت معهن بالفعل.

فكرة نجاح كفالة عدد محدود من الأطفال هي فكرة رائعة يدعو إليها كتاب بيت آمن، لأنها تتيح لكثير من العائلات الدخول في هذا المجال بدلا من إقامة ملجأ كبير أو مؤسسة تضم عددا كبيرا وتحتاج إلى نفقات وتفرغ وخبرات وصعوبات لا حصر لها.

عدت بذاكرتي إلى ما قبل ثورة يوليو 1952 حيث اعتادت العائلات الكبيرة، بل وتنافست الأرستقراطية المصرية في بناء المستشفيات والمدارس والجوامع والملاجئ وكل أنواع العمل الخيري، وهو الدور الذي نحته الدولة آنذاك وقامت به الحكومة المصرية شبه منفردة، وهو خطأ يتم تداركه الآن من رجال الأعمال وإن فضلوا التبرع بالمال أكثر من تولي المسئولية كاملة، كما فعلت أمل عفيفي بتشجيع من أسرتها وتبرع والدها.

تجربة بيت آمن رغم صعوبتها ونجاحها في النهاية للطرفين للكاتبة وللبنات تفتح الملف المسكوت عنه في قضية الأيتام في مصر، وأذكر أني خضت بنفسي تجربتين وضعتهما الصدفة في طريقي الأولى في بداية ثمانينات القرن الماضي وأنا أبحث عن فتاة تقيم في بيتي لرعاية طفلي، والثانية وأنا أبحث في نهاية الثمنينات عن سكرتيرة تنظم لي مكتبتي المكتظة ومواعيدي وتنسخ أعمالي لم يكن الكومبيوتر قد دخل حياتي بعد.

في المرة الأولى أرشدتني سيدة إلى الشئون الاجتماعية وحددت لي موضوع الكفالة، فلما سألت اكتشفت أنها كانت تقصد كفالة طفلة في عمر سنتين وتربيتها لتعمل في البيت، والمفاجأة التي أربكتني وأحالتني إلى العبودية المستترة جعلتني أمسك بطرف خيط القضية وكتبت عنها في مجلة الإذاعة، إذ يتحايل البعض على الحصول على طفلة أو طفل بدعوى التربية ويدخلونها المدرسة وتأتي مشرفات للتفتيش بالفعل، لكن لا يكتشفن الحقيقة مطلقا فالطفلة تأكل وتنام وتتعلم وتعمل في البيت مثل باقي أفراد الأسرة، لكنها تربى على أنها خادمة وتبقى في كنف الأسرة مقهورة خوفا من العودة إلى الملجأ. سمعت الكثير من الحكايات عن الغضب الذي يأكل قلوب هؤلاء الفتيات والذي يدفع بعضهن إلى الشارع في نهاية المطاف أو الجريمة والانتقام، وقد ينجو بعضهن إذا صدقن أن هذه الأسرة هي أسرهن بالفعل وانهن يدفعن ثمن التربية المغموسة بالذل، فترضى حين تشب بزواج هروبي من واقع ظالم تنجح فيه أو تفشل.

ولم أجد عند الباحثات في المركز القومي للشئون الاجتماعية آنذاك حلولا لمثل هذه الخدع التي تتم في المجتمع للحصول على شغالة مجانية (بلقمتها) غير التوعية وتشديد الاشراف على الأسر المتكفلة بالبنات، وشعرت أن الأمر فوق طاقتهم وأن الجهود تعتمد على التمويل والباقي أنتم تعرفونه كلما ظهرت على السطح مشكلة جديدة أو فضيحة جديدة.

في المرة الثانية كنت أبحث عن سكرتيرة وأرشدني أحدهم لدار الوفاء والأمل وأخبرني أن لديهم بنات في الجامعة، يمكن أن تختاري واحدة تعمل لديك لعدد محدود من الساعات وبالفعل ذهبت ورأيت كيف تعيش البنات في مباني صغيرة وسط مساحات من الحدائق الواسعة، وفي كل بيت مشرفة هي بديل للأم، وعرفت أن إحدى المشرفات قد زوجت إحدى الفتيات لابنها الوحيد بعد أن أشرفت على تربيتها وطرت من الفرح لأن التجربة كانت ردا على تحقيقاتي القديمة عن الفتيات اليتيمات واخترت فتاة ما زالت في الصف الأول الجامعي، لاحظت رقتها في التعامل واهتمامها بمظهرها وصحبتها إلى بيتي القريب وشرحت لها ما أريد من تنظيم المكتبة وغيرها من الشئون المكتبية البسيطة لصحفية وكاتبة، وحددت لها الأجر الممكن وتركت لها اختيار الوقت وترك الأمر للتجربة وكنت سعيدة للغاية، وجلست أشرب معها الشاي وأنا أسمع تجربتها ففوجئت أن رجل أعمال مشهور يكفلها ويغطي كل احتياجاتها وأنها تشتري من السوق الخضار المجمد حتى لا تضيع الوقت في إعداد الطعام وأنها تفضل الماركات الأجنبية على المصرية في شراء ملبوساتها، وجلست استمع إلى نموذج لفتاة مرفهة لم تؤهلها الظروف ولا التجربة لخوض الحياة الطبيعية لفتاة سرعان ما ستنزل إلى أرض الواقع، وخطر على بالي أن أسألها ماذا ستفعل إذا توقف هذا الكفيل عن الصرف، لكني لم أجرؤ فسألتها لماذا رفعت يدها حين عرضت عليهن العمل في مكتبي، قالت ببساطة أردت أن أجرب لكن بصراحة هذه كتب كثيرة ونسخ القصص وحافظة التليفونات لم تستهوني. شكرتها وأوصلتها للدار وأنا أفكر كيف نساعدهم بناتا أو أولادا، وأكملت بحثي وذهبت إلى بيت للصبيان واكتشفت أن المشكلة معهم أكبر كثيرًا. وأن المجتمع في حاجة إلى تنمية مؤسسات كافية لرعايتهم رعاية حقيقية ليلتحقوا بملايين الشباب الذين يصنعون المستقبل، قابلت الكثير من النماذج الناجحة التي حققت أحلامها ونشأت نشأة سليمة لكن مازال في قلبي غصة تتحرك حين أفكر في الأطفال الذين لم يتم انقاذهم. شكرا يا أمل عفيفي على طاقة الحب التي وجهتها لهؤلاء الصغيرات وعلى وقتك الثمين الذي خصصته لهن وأموالك التي تبرعت بها لدعم مستقبلهن، وأتمنى أن يتنامى عدد الأسر أو حتى الأفراد الذين يكفلون الأيتام ويتولون مسؤولية تربيتهم. ونعود للكتاب المدهش الذي يمس القلب ولا يترك لنا مجالا للسؤال عن سبب نجاحه في شد القارئ إليه، لأن الإجابة ببساطة هي الصدق لكنه يفتح أسئلة أخرى شائكة عن فن الكتابة بدون خيال والكتابة باستخدام الخيال، وهل يكون الأدب بون خيال وما الفرق بينه وبين الكتابة الواقعية او التسجيلية المحضة؟ كلها أسئلة تفتح المجال للنقاش.

بدأت أمل عفيفي حياتها بالكتابة للأطفال ثم اتجهت لتأليف الروايات منها رواية ديما و "يوم من الأيام"، وقد اشتركت أمل عفيفي مع الكاتب هشام عيسوي في كتابة سيناريو وحوار فيلم "الخروج من القاهرة" وقد حصل على جائزة إنجاز من مهرجان دبى 2010 كما حصل على جائزة أفضل فيلم غير أوروبى فى مهرجان الأفلام الأوروبية المستقلة . من أعمالها فيلم الثمن ومسلسل هبة رجل الغراب.
------------------------------
بقلم: هالة البدري

مقالات اخرى للكاتب

بيت آمن لأمل عفيفي