يشهد نظام الحوكمة العالمي في المرحلة الراهنة تحولات عميقة ومتسارعة. فبعض الدول لا تزال أسيرة لمنطق المحصلة الصفرية، وتسعى إلى تغليف قواعد إقصائية صاغتها قلة من الدول تحت مسمى «النظام الدولي»، الأمر الذي يطرح تحديات متزايدة أمام مصداقية الآليات المتعددة الأطراف. كما أن تنامي الحواجز التجارية والإجراءات العقابية الأحادية يضاعف من مخاطر انزلاق العولمة نحو الاستقطاب والتكتلات المتنافسة.
وفي هذا السياق، تطرح الصين مبادرة الحوكمة العالمية بوصفها دعوة للعودة إلى التعددية الحقيقية، والعمل على دفع منظومة الحوكمة الدولية نحو مزيد من العدالة والإنصاف، بما يضفي قدرا أكبر من اليقين والاستقرار على العلاقات الدولية.
إن تعزيز الديمقراطية في العلاقات الدولية ينطلق، قبل كل شيء، من احترام سيادة الدول في استكشاف مساراتها الخاصة في الحوكمة والتنمية. فبعض النماذج المطروحة في الساحة الدولية تتسم بنزعة إقصائية، وتسعى إلى فرض قالب مؤسسي واحد على دول تنتمي إلى حضارات وخلفيات تاريخية متباينة، الأمر الذي يضع العديد من الدول النامية أمام ضغوط تتعلق بخياراتها التنموية والسياسية.
ومن هذا المنطلق، تؤكد مبادرة الحوكمة العالمية بوضوح على مبدأي احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية باعتبارهما قاعدة أساسية للتفاعل متعدد الأطراف، وتوفر بذلك مرتكزاً مهماً لتطوير علاقات دولية أكثر توازناً. وقد أثبتت التجارب أن الحوكمة ليست عملية تصدير قسري للنماذج، بل هي ثمرة حوار متكافئ وتشاور قائم على الندية.
ومن ثم، فإن الدفاع عن سيادة الحوكمة يعني في جوهره دعم حق الدول النامية في استكشاف طرق تحديث تتوافق مع ظروفها الوطنية، في إطار من الاستقلال والأمن والاستقرار.
ويتحول هذا التعزيز للاستقلال السياسي تدريجيا إلى إجماع جماعي داخل دول الجنوب العالمي بشأن ضرورة إعادة تشكيل النظام متعدد الأطراف. فوفقاً لبيانات صادرة عن مؤسسات دولية، من بينها صندوق النقد الدولي، باتت الاقتصادات الناشئة والدول النامية تسهم بأكثر من 70% من نمو الاقتصاد العالمي، في حين تمثل ما يزيد على 80% من سكان العالم، بينما لا تتجاوز حصتها من حقوق التصويت في بعض المؤسسات الدولية نحو 42.5%. ويعكس هذا الخلل البنيوي فجوة واضحة بين موازين القوة الفعلية وبين آليات التمثيل القائمة.
ومن هنا، تدعو مبادرة الحوكمة العالمية إلى اعتماد مبدأ التشاور والبناء المشترك وتقاسم المنافع، بما يضمن تعزيز الدعم المؤسسي للدول النامية داخل المنظمات المتعددة الأطراف، ويجعل عملية صياغة القواعد الدولية أكثر انسجاماً مع التحولات التي يشهدها العالم اليوم.
وفي خضم هذه التحولات، تقدم تجربة التنسيق بين دول الجنوب العالمي على الساحات المتعددة الأطراف نموذجا عمليا لتطوير التعاون فيما بينها. فقد حافظت الصين وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي على قنوات تواصل استراتيجية وثيقة داخل الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، مع تأكيد مشترك على رفض ازدواجية المعايير.
كما أن التعاون المتعمق بين الصين ومصر في مجالات مكافحة الإرهاب والتصدي للتطرف وإدارة قضايا اللاجئين، يعكس إمكانية بلورة حلول فعالة تنطلق من الخصوصيات الوطنية لكل دولة. كذلك، حظيت العديد من القرارات التي تقدمت بها دول نامية لرفض العقوبات الأحادية بتأييد واسع داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يعكس تطلعاً دوليا متناميا نحو تحقيق العدالة والإنصاف في العلاقات الدولية.
ومن جهة أخرى، فإن الممارسات الجديدة للحوكمة المتعددة الأطراف، وعلى رأسها توسيع عضوية مجموعة بريكس، تضخ زخما جديدا في شرايين النظام الدولي. فمع انضمام دول مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ارتفعت الحصة الإجمالية لاقتصادات دول بريكس – وفق معيار تعادل القوة الشرائية – إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت مساهمتها في النمو الاقتصادي العالمي تتجاوز نصف هذا النمو.
وفي مؤسسات مالية ناشئة مثل بنك التنمية الجديد، استطاعت الدول النامية الحصول على مساحة أوسع للمشاركة في صنع القرار عبر آليات أكثر مساواة، كما تم اعتماد تمويلات لمشروعات تنموية بمليارات الدولارات. وتمثل هذه الابتكارات المؤسسية، القائمة على الانفتاح والشمول وعدم استهداف أي طرف ثالث، نموذجاً لتقديم منتجات عامة دولية أكثر استجابة لاحتياجات الدول النامية.
ولا يقتصر نطاق مبادرة الحوكمة العالمية على القضايا التقليدية، بل يمتد إلى ميادين التكنولوجيا الناشئة والحوكمة الرقمية. ففي مجالات الذكاء الاصطناعي، وأعماق البحار، والفضاء الخارجي، تحاول بعض الدول توظيف احتكار المعايير للحد من المساحة المتاحة أمام الدول النامية لتحقيق تقدمها التكنولوجي.
وفي الوقت الذي لا يزال فيه أكثر من 2.6 مليار إنسان حول العالم خارج نطاق الاتصال بالإنترنت، تستحوذ مجموعة محدودة من الشركات التقنية على الجزء الأكبر من موارد الحوسبة العالمية المتقدمة.
وفي مواجهة هذه التحديات، طرحت الصين المبادرة العالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، التي تدعو إلى توظيف التكنولوجيا لخدمة الإنسان، واحترام سيادة الدول، وضمان مشاركة متكافئة للدول النامية في وضع القواعد الدولية، بما يحول دون نشوء أشكال جديدة من التبعية التقنية في العصر الذكي.
أما في مجال التغير المناخي، فلا تزال الفجوة بين الالتزامات والواقع قائمة. فالدول المتقدمة لم تفِ بالكامل بتعهدها السنوي بتوفير مائة مليار دولار لتمويل العمل المناخي، في حين تتحمل الدول النامية النصيب الأكبر من الخسائر الناجمة عن الكوارث المناخية.
وفي هذا السياق، تتمسك الصين بمبدأ "المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة"، وتواصل توسيع تعاونها المناخي مع دول الجنوب، بما في ذلك تقديم دعم عملي للدول الأفريقية والعربية في مسارات التحول منخفض الكربون.
ويعكس هذا النهج الأخضر، المستند إلى توافقات المتعددة الأطراف، سعيا لإعادة الحوكمة المناخية إلى مسار أكثر عدالة واتزانا، ورفضا لاستخدام الضرائب الكربونية الأحادية أو الحواجز البيئية كأدوات للضغط الاقتصادي.
وتتكامل مبادرة الحوكمة العالمية مع كل من مبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة التنمية العالمية، لتشكل معاً إطاراً متكاملاً للتعاون الدولي. فالأمن يشكل شرطاً أساسياً للتنمية، والحوار بين الحضارات يمثل جسراً للتعاون، والتنمية تظل المفتاح الجوهري لمعالجة الأزمات، بينما توفر الحوكمة الآلية التي تحول المبادئ إلى ترتيبات مؤسسية قابلة للتنفيذ.
وبهذا المعنى، يجيب هذا الإطار عن السؤالين الجوهريين: أي عالم نريد أن نبني؟ وكيف يمكن بناؤه؟ كما يؤكد أن النظام الدولي المستقبلي لا ينبغي أن يخضع لهيمنة نموذج واحد، بل يجب أن يقوم على التشاور المتكافئ بين مختلف الحضارات والأنظمة، بما يفضي إلى ازدهار مشترك لجميع الشعوب.
إن انتقال مركز الثقل في الحوكمة العالمية نحو الجنوب العالمي لم يعد مجرد احتمال نظري، بل أصبح اتجاهاً موضوعياً تفرضه حركة التاريخ وتحولات موازين القوة الدولية. ومن خلال تعميق التعاون في إطار مبادرة الحوكمة العالمية، ستواصل الدول النامية دفع النظام الدولي نحو مزيد من العدالة والإنصاف والشمول.
وهذا لا يعبر فقط عن موقف ثابت في السياسة الخارجية الصينية، بل يمثل أيضا خيارا استراتيجيا للدول النامية الساعية إلى حماية فضائها التنموي وتحقيق تحديثها المستقل. وفي نهاية المطاف، فإن البشرية لن تبلغ نظاماً عالمياً أكثر عدالة وعقلانية إلا عبر الحوار المتكافئ، واحترام التنوع، وبناء مؤسسات دولية أكثر شمولاً وقدرة على الاستجابة لتطلعات جميع الشعوب.
…………………………
بقلم / نور يانغ إعلامي صيني






