كما هو معروف نزار قبانى شاعر معروف على مستوى العالم العربى وهو معروف بأشعاره في المرأة وأشعاره في السياسة.
يهمنا في هذه المقالة ان نرصد موقفه السياسي من جمال عبد الناصر لأنه أبدى موقفين سياسيين متنافضين.
أولا: موقف نزار قبانى من النكسة عام 1967م
كتب نزار قبانى بعد مأساة 67 "دفاتر على هامش النكسة" ووجه نقدا مرا لجمال عبد الناصر ووصفه بالديكتاتور وأنه سبب الهزيمة، وصدق نزار عندما قال ان إسرائيل هزمت العرب بالديكتاتورية ولكن وصفه الشعرى كان أليما بالنسبة لعبد الناصر والناصريين.
فالصورة التي تخيلها نزار قبانى لم تمنعه عروبته من توجيه أقسى الأوصاف لنظام عبد الناصر, مثل "يا سيدى السلطان كلابك ورائى تشم رائحة ملابسي", كناية عن القبضة الأمنية التي عانتها مصر في زمن عبدالناصر وما تلاها.
وأنا شخصيا تخرجت من قسم العلوم السياسية عام 1967 م وعاصرت المأساة، وأشهد ان مصر دمرت بالديكتاتورية وأن الشخصية المصرية كانت ضحية الحكم الديكتاتوري، لكن عبدالناصر بشر يجوز فيه الفضائل كما تجوز فيه الرذائل.
وأكبر الرذائل في عهد عبد الناصر أنه قضى على شخصية المواطن المصرى وابتدع قصة الإصلاح الزراعي، وقد دمر الزراعة رغم الظاهر تعاطفه مع الفلاح ضد صاحب الأرض، وكانت ملحمة تصفية الإقطاع هي تصفية الشخصية المصرية والملكية المصرية.
وأشهد أمام الله وأمام التاريخ أن عبد الناصر حارب إسرائيل بالشعارات وعبر عنها نزار بأن العرب يحاربون بالشعارات بالربابة التي ما قتلت ذبابة وبقصائد النقد التي لم تشبع ولم تغن من جوع .
وكانت النتيجة أن مصر عام 1952 وطرد الملك فاروق بسبب مواقفه من إسرائيل وليس بسبب فساده، كما كتب كتاب السلطان وقرأناه صغارا وكبارا، وآفة عبد الناصر ورفاقه من الضباط كان حب السلطة التي قدمها له الإنجليز والامريكان .
وكان الحاكم منهم هو الوطن ومن يعارض الحاكم تعنى خروجه من الوطنية، فالوطنية منذ عام 1952 م هي الإشادة بالحاكم حتى وإن عمل ضد مصلحة الوطن.
ثانيا: موقف نزار قبانى من عبد الناصر بعد وفاته
بينما لم يخف نزار ما اعتقد أنه الحقيقة لشخصية جمال عبد الناصر وهو حى فلما مات كتب مرثيته الشهيرة وجاء فيها " قتلناك يا آخر الأنبياء " .
ولو دققنا مع نزار في هذه المقولة لوصفناه بالكفر والالحاد، لأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لا نبى بعده ففي الغالب قصد نزار الطهارة السياسية في جمال عبد الناصر .
وهذه الفترة تحتاج الى وثائق وبحوث لتوثيقها ويقول في مرثيته لجمال عبدالناصر "أبا خالد أشكو اليك مذلتى" بمعنى أن عبد الناصر كانت لديه موهبة وهى الدفاع عن أي عربى بعد أن نصب زعيما للعروبة في منتصف الخمسينات .
و كانت إسرائيل لم تظهر في فكر عبد الناصر ومشاغله منذ حرب 1948م وفى 28 فبراير عام 1955 اغتالت إسرائيل الفرقة المصرية التي كانت في غزة وسمتها إسرائيل بالارهابيين .
ومعنى ذلك ان إسرائيل نفسها اعتدت على مصر فاستدعى السفير الأمريكى في نفس اليوم وطلب منه سلاحا أمريكيا يدافع به عن نفسه ضد عدوان إسرائيل .
وكتب شارون في مذكراته التي صدرت باللغة العربية في بيروت عام 1991 وحللتها في كتاب صدر في القاهرة عام 2003 .
يقول شارون في مذكراته أن السفير الامريكى استغرب كيف أن عبدالناصر لم يفهم طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، فنقل السفير الأمريكى هذه الرغبة إلى واشنطن، وجاء في الوثائق الامريكية أن رد واشنطن كان موجزا لا يتجاوز السطر الواحد, قالت واشنطن في ردها أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن ترضع طفلين من ثدى واحد.
وهنا فهم عبد الناصر طبيعة العلاقة بين إسرائيل وأمريكا، فقبل دعوة سوهارتو رئيس إندونيسيا لحضور مؤتمر باندونج، وهناك لخص عبدالناصر الموقف لرئيس وزراء الصين الشعبية، وانتهز الأخير الفرصة وكانت تلك بداية تحول عبد الناصر إلى الاتحاد السوفيتى.
رغم ان شارون كتب في مذكراته ان هذا التحول في سياسات مصر أحدثه شارون وديان وكان ضروريا لبقاء إسرائيل. والخلاصة ان نزار نقد عصر عبد الناصر في حياته ولكنه تأسف لموته شأن كثيرين في العالم العربى .
وهناك طائفة من الباحثين تقارن بين وجود عبد الناصر وبين غيابه ولكنى لا أوافق على هذه الصيغة وأطرح معيارا بديلا، هو هل كان في مصلحة المنطقة أو مصر أن يصطدم عبدالناصر مع أمريكا والغرب وهذا الصدام أقنع الكثيرين بأن عبدالناصر كان مناوئا لأمريكا، ولكن أمريكا وجدت في إسرائيل النموذج بدليل ان ترامب حاليا يتلقى تعليمات من نتنياهو.
ولكن بعد أن غيبه الموت نذكر فضائله وكل إنسان له ما له وعليه ما عليه.
يجوز ذلك في السياسة كما يجوز في الدين.
----------------------------------
بقلم السفير: د. عبدالله الأشعل






