04 - 06 - 2026

رسائل من فيلم برشامة

رسائل من فيلم برشامة

حمل الفيلم عنوانا مثيرا وموحيا ومعبرا عن رؤية مخرجه المبدع "خالد دياب" الذي برع في استعراض ، عملية الغش بالامتحانات، وخصوصا الامتحانات العامة، وما يشوبها من فساد مقنن تحت مرأي ومسمع القائمين عليها ومباركة أولياء الأمور.

فالمتبادر لذهن المتلقي لمعنى "برشامه"وهي نوع من أنواع المخدرات وهو المعنى القريب غير المقصود.

والمعني البعيد المقصود الذي ظهر واضحا جليا بأحداث الفيلم ،وهو البرشامه "قطعة من الورق"، صغيرة لا تتجاوز سنتمترين، وتستخدم في تلخيص الأجزاء  المهمة بالمحتوى التعليمي، الذي قد يأتي منه الامتحان، وبالرغم من اختلاف المعني بين برشامه - حبة دواء -  وبرشامه قطعة ورق للغش؛ إلا إنهما  يشتركان بمضمون واحد وهو التخدير والغش والخداع بكل الطرق والسبل، ومهما كلف الأمر من تضحيات، وبمتابعة أحداث الفيلم تجد أن الزمان والمكان محدودان.

فالزمان: هو زمن وقت جلسة  الامتحان.

والمكان: لجنة  امتحان بالمدرسة وإن ظهرت أمكان أخرى للتمهيد لطرح قضية الفيلم.

وقد ظهرت براعة مخرج الفيلم بتوظيف الفنتازيا العجائبية؛ مستغلا خبرة الممثلين بتوصيل رسالته  للجمهور من خلال تصرفات الشخصيات، التي جاءت تصرفات عفوية أثناء أداء الطلاب الامتحان باللجنة.

فقدم شخصية المعلم (الملاحظ) بطريقة واقعية تعكس كثير من معاناة المعلم من حيث المظهر، والأداء، والصحه والصدق في عمله .

فكان المخرج "أحمد دياب" أمينا في نقل هذه الصورة الواقعية للمعلم "الملاحظ" من خلال هيئته وملابسه البسيطه غير الأنيقة وعدم الإعتناء باقتناء ملابس تناسب شخصية، ومكانة المعلم، وأضف على ذلك عامل السن الذي يعوق أداء مهام تتعلق بالملاحظة بصورة مثالية .  

وهذه تُعد أهم رسالة من رسائل الفيلم. أراد أن ينقلها المخرج لكل من يهمه الأمر وقد برع في أداء دور المعلم الممثل البارع "كمال أبو رية"، الذي أدى الشخصية بمهارة وتميز راقٍ، حيث أبرز صدق المعلم وإخلاصه في أداء رسالته، رغم  كبر سنه وإصابته بالمرض "كورونا " علي النقيض ممن كانوا معه في الإشراف علي لجنة الثانوية العامة في هذه اللجنة، استطاع المخرج بحرافية أن يجمع كل أطياف المجتمع في "لجنة منازل" جمع بين الكبير سنا والشاب الصغير  والراقصة والموظف والمسجون ، والفتاة الصغيرة لطرح فكرة ومضمون الفيلم بطريقة "الفنتازيا العجائبية" طرحا راقيا من خلال طرح الطرق التقليدية وغير التقليدية في كيفية الغش.

كما أنه وظف كل الأدوات المتاحة لدعم مضمون و فكرة الفيلم، وهي - ظاهرة الغش - بكل مفرداتها ومعانيها المادية، والمعنوية التي تمثلت بنفوذ العمدة، الذي قدم شخصيته الممثل البارع "باسم أبو سمرة"، والبلطجة تمثل في السجين الذي أدى دوره الممثل "حاتم صلاح". والخداع تمثل في المرأة العجوزة الممثلة "عارفة عبد الرسول "والتحايل واللعب تمثل بالراقصه "الممثلة ريهام عبد الغفور" و الطالب الممثل "هشام ماجد" الذي حضر لتحسين مجموعه وقد لعب دور كبيرا في تحريك الأحداث وزيادة معدل التوتر وسخونتها ، وتعقد المواقف.

فهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه واسكات الممتحنين الذين تحلقوا حوله للغش ،فهو طوق النجاة لهم . فأوقعه ذلك في شراك التنمر و التحرش به. فكان دائما يتهرب ،و يدعي أنه ليس علي طهارة؛ كي يجيب علي أسئلة بها قرأن كريم.

الرسالة الثانية:

عندما فقد المعلم قدرته علي الصمود في مواجهه التهديدات التي تعرض لها، أصيب بإغماء وفقد الوعي، وظن كل من باللجنة أنه قد فارق الحياه، وهو ما  يريد المخرج أن ينقله  للمشاهد والمجتمع عامة.

إنَّ المعلم إذا فقد دوره وسُفِه منه وحُجِمتْ صلاحياته، وتُرِكَ دون معاونة حقيقية؛ ضاع أثره ولم يبقَ منه شيئا.

تحولت اللجنة إلي نوع من أنواع الفوضي العشوائية، لا يعرفون ما يريدون، الكل يجتهد من أجل مصلحته؛ لأن القدوة قد ماتت ويريدون أن يأخذوا أي شئ؛ حتي علي حساب القيم والتقاليد والأخلاق والدين.

والدليل أنهم  أغروا الفتاة الصغيرة بالمخدرات؛ لكي تساعدهم في الإجابة، حتي الطالب المجتهد الذي كان يتهرب منهم عندما أراد التطهر من النجاسة التي حلت به، ذهبوا به إلي الحمامات.

الرسالة الثالثة: الغش مثل ماء الحمامات الآسن والقذر، ومشهد الحمام برغم أنه مشهد رمزي معبر عن ظاهرة الغش، لا فرق بينه وبين المياه الملوثة، التي كانت في الحمامات.

وبعد صراع ومواقف درامية فكاهية ظهر رئيس اللجنة بصورة سلبية، لم يقدم أي دعم للملاحظ.

فاكتفى بالنظر من النافذة؛ كي يطمئن علي اللجنة، ولم يكلف نفسه دخول اللجنة، والإطمئنان علي المعلم، الذي كان فاقدا للوعي، وترك اللجنة وغادرها.

وهذه رسالة رابعة أراد المخرج أن يوجهها إلي من يهمه الأمر.

إن القائمين علي أعمال الامتحانات لا يتعاونون  مع الملاحظين بطريقة واضحة وجلية، ولا يقدمون دعما ،أو مساندة  للملاحظين باللجان وإنما هم في وادٍ والملاحظين في وادٍ آخر.

وبعد أن يفيق المعلم من إغماءة يعود الانضباط باللجنة مرة آخري.

ويأتي رئيس اللجنة بعد أن خرج الطالب؛ ليخبره بما حدث باللجنة فيسأل ما حدث باللجنة فلم يجد إجابة شافية، وبسؤال الملاحظ قال: إنه قد أغمي عليه، وقام بعض الطلاب بعلاجه، والأمر انتهى، وهذه هي الرسالة الآخري التي أراد أن ينقلها المخرج  لمشاهديه .. إن المعلم يعمل منفردا، لا يجد مساعدة من أحد.

"إذا صلح المعلم صلح المجتمع وإذا فسد المعلم فسد المجتمع"، شكرا مخرج الفيلم ومجموعة العمل معه.
----------------------------
بقلم: نبيل حُزَيِّن

* خبير تربوي ومدرب معتمد

مقالات اخرى للكاتب

رسائل من فيلم برشامة