لماذا تخلي البرلمان عن أخطر أسلحته الرقابية؟
• النائب حسين هريدي: "العدل" قدم استجوابا لوزير البترول ولست في صدد تقييم البرلمان.. والاستجواب أداة صعبة تفضي لسحب الثقة
• هيثم الحريري: البرلمان تحول لكيان بلا مخالب.. والمال السياسي والهندسة الانتخابية أفرزا نواباً غير مسؤولين يضمنون بقاء العلاقة مع الحكومة (سمن على عسل)
* النائب أحمد بلال: الأزمات الفئوية كـ "تكليف الصيادلة وأطباء الأسنان" تحلها طلبات الإحاطة.. ونعيش مرحلة "مفيش سياسة أصلا" ونحتاج لـ "تورية العين الحمرا" لحكومة "مرحرحة" تتغيب عن البرلمان
* كمال أبو عيطة: البرلمان الحالي "تعيين مقنع" و"ما خلق ليزحف لا يمكن أن يطير".. وبرلمان 2010 كان أفضل ولديه حد أدنى من الوعي
لم يكن الاستجواب البرلماني في مصر مجرد إجراء روتيني داخل قاعة المجلس.. ظل لعقود طويلة أحد أكثر الأسلحة التي تخشاها الحكومات والوزراء تحت القبة.. أداة قد تتحول في لحظة إلى محاكمة سياسية علنية.. تفتح ملفات الفساد والإهمال وتهز الرأي العام، وربما تنتهي بسحب الثقة أو الإطاحة بمسؤول كبير…
في العهد الملكي اشتهرت الحياة النيابية المصرية بمواجهات برلمانية حادة قادها نواب حزب الوفد ضد الحكومات المتعاقبة.. وكانت الاستجوابات آنذاك جزءا أصيلا من مشهد سياسي أكثر صخبا وتنافسية.. حتى تحولت بعض الجلسات إلى معارك سياسية مفتوحة تنقلها الصحف باعتبارها أحداثا وطنية كبرى..
وخلال برلمانات الثمانينيات والتسعينيات.. عادت الاستجوابات لتفرض نفسها بقوة.. خاصة مع صعود المعارضة الحزبية واليسارية والإسلامية داخل مجلس الشعب، حيث استخدمت كأداة لكشف ملفات الفساد وانتقاد السياسات الاقتصادية ومهاجمة أداء الوزراء.. ومع بدايات الألفية الجديدة، تصاعدت حدة المواجهات تحت قبة البرلمان في عهد حكومة أحمد نظيف.. بعدما تحولت استجوابات نواب المعارضة والإخوان آنذاك إلى مصدر إزعاج سياسي وإعلامي دائم للحكومة.. ونجحت بعض الملفات التي فجرتها تلك الاستجوابات في إشعال الرأي العام خارج المجلس أيضا…
وبعد ثورة يناير بدا المشهد البرلماني أكثر اشتعالا.. ففي مجلس 2012 حضرت الاستجوابات بقوة داخل مناخ سياسي مفتوح وصدامي واتسعت مساحة النقد العلني للحكومة وسط اعتقاد بأن البرلمان يستعيد دوره الرقابي كاملا بعد سنوات طويلة من الجمود…
ولكن بعد خمسة عشر عاما من يناير.. تبدو الصورة مختلفة تماما
فالاستجواب، الذي يصفه الدستور بأنه أخطر الأدوات الرقابية التي يملكها النائب، تراجع حضوره بصورة لافتة داخل البرلمان المصري.. لصالح أدوات أقل حدة مثل طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة، بينما اختفت تقريبا مشاهد المواجهات البرلمانية الكبرى التي كانت تضع الحكومات تحت ضغط سياسي وإعلامي مباشر…
ورغم أن الدستور الحالي منح مجلس النواب صلاحيات رقابية واسعة تصل إلى حد سحب الثقة من الحكومة أو أحد الوزراء، فإن جلسات مناقشة الاستجوابات باتت نادرة فيما يؤكد نواب حاليون وسابقون أن عشرات الاستجوابات جرى تقديمها خلال الفصول التشريعية الأخيرة دون أن تصل فعليا إلى المناقشة العامة تحت القبة…
وبين من يرى أن الأزمة تعود إلى المناخ السياسي وطبيعة تشكيل البرلمان، ومن يعتبر أن الاستجواب نفسه أداة معقدة تحتاج إلى أدلة دامغة وإجراءات صارمة، يظل السؤال مطروحا.. لماذا اختفت أخطر أدوات الرقابة البرلمانية من الحياة النيابية المصرية؟ وهل تحول البرلمان بالفعل إلى مؤسسة تفتقد “المخالب الرقابية” أم أن المشهد أكثر تعقيدا مما يبدو؟
في محاولة لفهم أسباب تراجع الاستجواب داخل البرلمان المصري، انقسمت تفسيرات النواب والسياسيين بين من يرى أن الأزمة سياسية بالأساس، ومن يعتبر أن طبيعة الاستجواب نفسها تجعل استخدامه أكثر تعقيدا وصعوبة.

كمال أبو عيطة
آلية تعطيل الدور
يفتح كمال أبو عيطة.. وزير القوى العاملة والهجرة الأسبق النار على المشهد البرلماني مفسرا أزمة غياب الأدوات الرقابية وعلى رأسها "الاستجواب".. حيث يرجع الأزمة إلى المنبع وطريقة اختيار الأعضاء…
ويوضح أبو عيطة أن القوى الوطنية اجتمعت في الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية، وتوافقت على ضرورة تنوع الأشكال الانتخابية بين القائمة المطلقة والقائمة النسبية والنظام الفردي.. وهو ما يتوافق تماما مع الدستور، إلا أن الحكومة تمسكت بإجراء الانتخابات عبر نظام "القائمة المطلقة المغلقة" وهي آلية بحسب وصفه لا تنتج نوابا حقيقيين بل تعد بمثابة "تعيينات مقنعة"..
ويضيف الوزير الأسبق: رغم أن لائحة المجلس تنص على أدوات رقابية قوية.. إلا أن النواب الذين جاءوا بطريقة تشبه التعيين افتقدوا القوة والتأثير، وأصبح ولاؤهم الكامل للسلطة التي مروا عبر بوابتها للوصول إلى مقاعدهم، في حين رأينا في المقابل هندسة انتخابية استحدثت لمنع وإقصاء نواب برلمانيين سابقين وحقيقيين من الترشح، مثل هيثم أبو العز الحريري وغيره..
ويستطرد أبو عيطة مؤكدا أن قوة أي برلمان تستمد من مجيئه بإرادة شعبية حرة وليس بالتعيين، مشيرا إلى أن أداة الاستجواب جمدت على مدار فترات تشريعية متعاقبة، حيث قدمت استجوابات وسحبت لاحقا دون مناقشة، معقبا: الحكومة كعبها عالي على البرلمان لأنها هي من جاءت بأعضائه، ومن الطبيعي ألا يجرؤ نائب صعد بإرادة الحكومة على محاسبتها أو عزلها.. رغم أن دستور 2014 منح البرلمان صلاحيات واسعة غير مسبوقة تصل إلى حد سحب الثقة من الحكومة لكن في النهاية: ما خلق ليزحف لا يمكن أن يطير..
وعن سر تراجع الاستجوابات لحساب طلبات الإحاطة، يرى أبو عيطة أن البرلمان الراهن ضعيف بنيويا بسبب "الهندسة الانتخابية"، والمال السياسي، ونظام القوائم المغلقة، واصفا الانتخابات الماضية بأنها أشبه بـ "فرح أُقيم على الضيق" لضمان عدم حضور أي أصوات معارضة أو مزعجة.. من يريد ان يعرف مدي قوة البرلمان الحالي وتأثيره فلينظر لنسب الحضور الحقيقية وليست المعلنة.. أضعف نسب حضور في برلمانات مصر منذ ثورة ٢٥ يناير هو هذا البرلمان…
ويرفض الوزير الأسبق إلقاء اللائمة على اللائحة أو الأشخاص، مؤكدا أن لائحة المجلس والدستور يمنحان النواب كافة الصلاحيات والمخالب الرقابية، لكن الأزمة تكمن في "المناخ السياسي العام" وفي آلية تشكيل المجلس التي صممت خصيصا لتعطيل دوره، مستشهدا بالمثل الشعبي: "الثعبان اللي ما يقرصش.. الحبل أبرك منه".. واصفا المجلس الحالي بأنه "برلمان لا يقرص ولا يستطيع المحاسبة، بينما يستعلي الوزراء والمسؤولون على الحضور أمامه"..
وعن شروط استعادة الرقابة البرلمانية، يشدد أبو عيطة على أن الحل الوحيد هو العودة إلى انتخابات حرة ديمقراطية بنظام التمثيل النسبي تسمح للمصريين بالمشاركة الحقيقية، منتقداً الشروط والرسوم الباهظة الحالية (مثل تكاليف الكشف الطبي والتأمين) التي وضعت كحواجز مالية تعوق دخول ممثلي الأغلبية الكادحة من العمال والفلاحين والطبقات الفقيرة لصالح أصحاب المال السياسي.
وفي مقارنة حادة، يعقد أبو عيطة مفاضلة بين المجلس الحالي ومجلس 2010، مؤكدا أن برلمان 2010 رغم كل التحفظات والسيطرة آنذاك كان أفضل بكثير نظرا لامتلاك أعضائه حدا أدنى من الوعي السياسي والخبرة.. وقدرتهم على الاستعانة بالخبراء، مما أفرز نوابا فرضوا وجودهم وكانوا شرارة لأحداث يناير، بينما يخلو المشهد الراهن تماما من الكفاءات بسبب استبعاد كل من يفهم في العمل البرلماني…

النائب احمد بلال
غياب المحاسبة خطر
في تشخيص صريح لآليات العمل تحت قبة البرلمان، يقر النائب أحمد بلال البرلسي، عضو مجلس النواب عن حزب التجمع .. بتراجع أداة الاستجواب، لكنه يرفض قصر الأزمة عليها وحدها، موضحا: الاستجواب أداة اتهام تتطلب شروطا معينة ومستندات ودلائل إدانة قوية لأنه قد يفضي إلى سحب الثقة.. والأمر ليس بيد النائب وحده بل يعرض على مكتب المجلس، وهو من يملك سلطة القرار في إدراج الأداة الرقابية من عدمه بناء على اللائحة الداخلية إذا رأى أن الاستجواب غير مكتمل..
ويكشف بلال عن تحركاته الرقابية الحالية لمواجهة تجاهل المسؤولين قائلا: الأزمة لا تتوقف عند الاستجواب الذي سلب وفقد دوره في الحياة، بل تمتد لأدوات أخرى.. ولذلك بدأت اليوم بالفعل في جمع توقيعات 60 نائبا وفقا للائحة المجلس لتشكيل لجنة تقصي حقائق برلمانية خاصة بسيستم المعاشات للوقوف على أسباب الأزمة وتقديم تقرير للمجلس.. وذلك بعد أن تقدمنا بطلبات إحاطة سابقة ولم يحضر رئيس الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات إلى الاجتماع، مما دفعنا لاتخاذ أدوات رقابية تصعيدية..
وعن التمييز بين الأسلحة الرقابية يضيف: من الطبيعي أن تكون طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة هي الأكثر حضوراً أصلا.. لأن النائب يحيط الحكومة علما بشيء وينتظر ردها ليعقب عليه، عكس الاستجواب الذي يتطلب دلائل إدانة قوية… ولهذا أقول إن مشكلة فئوية مثل أزمة تكليف الصيادلة أو أطباء الأسنان، كمثال، هي مشكلة يمكن حلها بطلب إحاطة، فليست كل مشكلة تحتاج استجوابا..
ويتابع نائب حزب التجمع مؤكدا أن غياب الاستجوابات ليس تقصيرا من النواب: الجميع يلتفت لغياب الاستجواب لأنه الأداة الرقابية الأقوى ويحتاج أشياء تدعمه، لكنني أؤكد أن هناك نوابا يقدمون استجوابات بالفعل ولم تدرج ، وهذا الكلام قيل في المجلس أكثر من مرة خلال الفصل التشريعي السابق ولم يكن سرا..
وبمقارنة سياسية لافتة يرفض بلال المقارنة بين البرلمان الحالي ومجلس 2010، معقبا: هذه وجهة نظر أنا مختلف معها كليا لكن في المقابل.. يجب أن نفهم أن هناك أمورا كثيرة تغيرت سياسيا فحتى من اختلفنا معهم في نظام مبارك كانوا يديرون المشهد بـ 'سياسة'.. وكان من حق النائب مناقشة استجوابه علنا حتى لو كانت الأغلبية ستجدد الثقة للوزير لاحقا.. أما اليوم، فالمشكلة ليست في مجلس النواب وحده، بل الحقيقة أنه 'مفيش سياسة أصلا"..
ويحدد بلال روشتة برلمانية لإنقاذ الأداء الرقابي والتشريعي في ثلاث نقاط رئيسية..
أولا.. زيادة وقت الحديث للنائب.. البرلمان هو مصنع السياسة وبيت التشريع للدولة المصرية.. ومن الصعب جدا ومرهق أن يمنح النائب 120 ثانية فقط لعرض رؤيته أو فلسفته في رفض قانون أو تعديل تشريعي.. فهذا الوقت غير كافي إطلاقا لشرح وجهة النظر أو إقناع الزملاء، وهو أمر يحتاجه نواب المعارضة والموالاة على حد سواء..
ثانيا .. الحزم مع غياب الوزراء.. نحن بحاجة لأن "نوري العين الحمرا" للحكومة.. ففي الوقت الذي يؤكد فيه وزير شؤون المجالس النيابية عدم تأخر الوزراء، شهدنا اجتماع لجنة الشباب الذي كان مفترضا حضور 5 وزراء ورئيس جهاز التنظيم والإدارة فيه، ولم يحضر سوى وزير واحد وتغيب الباقون، وبالتالي لم نصل إلى أي حلول..
ثالثا.. زيادة معدل انعقاد الجلسات.. عدد جلسات البرلمان ولجانه قليل جداً.. ففي بعض الشهور لا نجتمع سوى مرتين، وهذا يتسبب في تأخير الأدوات الرقابية وتأخير حلول مشاكل المواطنين، ويجعل الحكومة 'مرحرحة' لأن ميعاد محاسبتها يتأخر لأسابيع..
ويختتم نائب حزب التجمع رؤيته بالتشديد على الطبيعة الدستورية لمطالبهم: نحن لا نطلب امتيازات ولا نقول هذا لندخل في 'خناقة' مع الحكومة.. بل نطلب ممارسة دورنا الدستوري في الرقابة والمحاسبة؛ فإذا غاب الحساب عن الحكومة تحت قبة البرلمان، فهناك خطر حقيقي يهدد البلد كلها، ويمس حقوق الشعب وأمواله مباشرة..

هيثم الحريري
مخالفة صريحة للدستور
في سياق تشخيص الأزمة الراهنة لغياب الأدوات الرقابية الحادة.. يعلق النائب البرلماني السابق هيثم الحريري، مؤكدا أن أداة الاستجواب غابت تقريبا عن الممارسة البرلمانية على مدار ثلاث فترات تشريعية متتالية حتى الآن…
ويرى الحريري أن المسؤولية عن هذا التجميد تقع على عاتق طرفين.. الأول هو رئيس مجلس النواب والطرف الثاني هو الأغلبية البرلمانية التي لا ترغب في مناقشة أي استجواب يقدم للمجلس مبررين ذلك بـ"تجنب إحراج الحكومة".. وهو ما يراه الحريري مخالفة صريحة للدستور ولائحة مجلس النواب الداخلية…
ويوضح الحريري خطورة هذا النهج قائلا: الاستجواب هو أهم أداة رقابية يملكها النائب لأنه يوجه اتهامات حقيقية ومباشرة مدعومة بالأدلة وليس مجرد كلام مرسل… لكن الانحياز الديناميكي المستمر من الأغلبية لصالح الحكومة يمنع الاصطدام بهذه الأداة، مما أفقد المجلس قوته.. وجعل الوزراء يتعاملون معه ككيان بلا مخالب، بل وأنتج تعاملا من الوزراء ورئيس الحكومة مع النواب يخلو من التقدير الذي يستحقونه بحكم وضعهم الدستوري..
وحول أسباب هذا الخلل في التوازن البرلماني يرجع الحريري الأزمة إلى طبيعة تشكيل البرلمان الحالية والقوانين المنظمة له، مضيفا: الأزمة تبدأ من قانون الانتخابات الذي يسمح بوجود الأغلبية بدرجة كبيرة جدا بجانب ما تشهده العملية الانتخابية نفسها من (هندسة انتخابية) عبر الأجهزة واستخدام المال السياسي تحت مرأى ومسمع من أجهزة الدولة.. هذا الأمر سمح لوجود أشخاص غير مسؤولين داخل مجلس النواب.. وجودهم مرهون برضا الحكومة وأجهزتها ولذلك أصبحت العلاقة بين الحكومة والبرلمان طوال الوقت (سمن على عسل)..
وعن سر الاكتفاء بآليات رقابية أخف وطأه يشير البرلماني السابق إلى أن الاعتماد المتزايد على طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة يأتي كونها الخيار الوحيد المتاح واصفاً إياها بأنها.. مساحة تسمح بكلمتين تقال داخل المجلس أو اللجان ثم تنتهي إلى لا شيء..
وفي ختام رؤيته، يشدد الحريري على أن عودة الاستجواب بقوة هي الوضع الطبيعي المفترض، لكنها تصطدم حاليا بغياب الإرادة السياسية لدى رئيس المجلس واللجنة العامة والأغلبية البرلمانية التي لا تملك أي رغبة في استجواب الحكومة... ويرى أن الشرط الأساسي والوحيد لعودة هذه الأداة بفاعلية هو.. أن تكون الاتهامات الموجهة للمؤسسات التنفيذية سواء الوزارات أو وكلاء الوزارات أو الأحياء والمحافظين مدعومة بأدلة دامغة تؤكد ارتكاب الخطأ.. وألا تظل مجرد اتهامات مرسلة..
ولا يقف نقد الحريري عند حدود الأداء الرقابي، بل يمتد ليشمل آليات الإقصاء المباشر للمعارضين عبر أدوات السلطة.. حيث يروي تجربته الأخيرة في الانتخابات واصفا إياها بأنها نموذج صارخ للتعنت وسوء استعمال السلطة..
ويكشف الحريري تفاصيل استبعاده قائلا: الجميع يعلم أنني كنت عضوا بمجلس النواب في الفترة من 2015 إلى 2020 وتقدمت حينها بأوراق ترشحي بما فيها شهادة الخدمة العسكرية وتم قبولها… ثم عدت وتقدمت مرة أخرى لانتخابات 2020 بنفس الشهادة وقبلت الأوراق ودخلت جولة الإعادة… لكنني فوجئت في الانتخابات الأخيرة برفض استلام أوراقي وإدراج اسمي في كشوف المرشحين بحجة عدم أداء الخدمة العسكرية! والحقيقة أن هناك فرقا شاسعا بين مواطن تهرب من أداء الواجب، ومواطن آخر تقدم بالفعل للجيش.. لكن لأسباب تخص القوات المسلحة لم تسمح له بالأداء ومنحته شهادة رسمية بالإعفاء لأسباب سياسية وهو أمر لا يخصني بل يخص المؤسسة العسكرية وحدها.. ومع ذلك، تعنتت هيئة الانتخابات وتغولت على مواد القانون لتدرج فيها ما ليس فيها والأعجب أن مجلس الدولة والمحكمة الإدارية العليا سارا على نفس النهج..
ويضرب البرلماني السابق مثلا لتوضيح عبثية هذا الحظر مدى الحياة، مشيرا إلى حالة أحد الشباب الذين تقدموا للجيش وخدم بالفعل لمدة سبعة أشهر وحصل على شهادة حسن سير وسلوك قبل إلحاقه بالأمن المركزي، ثم قررت القوات المسلحة الاستغناء عنه متسائلا: كيف نمنع مواطنا كهذا من حقه الدستوري في الترشح طوال حياته؟ لا توجد جريمة في مصر أو العالم عقوبتها الحظر مدى الحياة.. ونحن لم نرتكب جريمة أصلا.. بل وطلبنا من المحكمة مراجعة صحيفة الحالة الجنائية (الفيش والتشبيه العسكري) لبيان ما إذا كانت هناك أي سابقة أو تهمة خيانة عظمى.. وهو ما لم يحدث، مما يجعل الأمر غريبا ومستهجنا..
وعن الخلفيات الحقيقية وراء هذا التعنت، يؤكد الحريري: هذا الاستبعاد الأمني الذي واجهناه يرجع بنسبة كبيرة جدا لأسباب سياسية؛ إذ لا يوجد مبرر مفهوم سوى أن والدي (الراحل أبو العز الحريري) كان يمارس العمل السياسي كمعارض بارز، والقوات المسلحة رأت حينها أنه ليس من المناسب إلحاق نجل معارض بالجيش… واليوم، استغلت السلطة واستغل المسؤولون هذه المادة القانونية كأداة لاستهداف المعارضين السياسيين وأبنائهم.. وقرروا إغلاق الباب من منبعه عبر تسييس الاستبعاد من الجيش ليكون مسوغاً للاستبعاد من الانتخابات، وهي ممارسة تخالف الدستور والقانون جملة وتفصيلاً؛ فعدم دخول الجيش ليس مبررا أبدا لمصادرة الحقوق السياسية..
ويختتم الحريري حديثه مؤكدا عدم الاستسلام ومواصلة المسار القضائي: نحن مكملون في إجراءاتنا القانونية، وهناك تحرك قضائي قريب أمام المحكمة يتولاه فريق قانوني يضم الأساتذة خالد علي، ومالك عدلي، والدكتورة رحاب التحيوي..

النائب حسين هريدي
أداة رقابية صعبة
وفي مقابل الآراء التي ترى جمودا في المشهد الرقابي.. يطرح النائب حسين هريدي عضو مجلس النواب عن حزب العدل رؤية مغايرة ترتكز على تجربة حزبه المستقلة.. موضحا طبيعة أداة الاستجواب وصعوبتها التنفيذية حيث يقول: إذا تحدثت عن تجربتنا نحن كحزب العدل، فنحن بالفعل تقدمنا باستجواب لوزير البترول.. وفي دور الانعقاد الحالي قد لا يتم استخدام الاستجواب بكثرة.. لأن الاستجواب أداة رقابية صعبة للغاية وتحتاج أصلا إلى مستندات واضحة وصريحة لكي يتسنى إدراجها للمناقشة، وهي تختلف تماما عن طلب الإحاطة أو أي أداة أخرى، نظرا لأن الاستجواب يترتب عليه خطوة أبعد وهي سحب الثقة أصلا..
ورداً على التساؤلات المثارة حول تراجع مناقشة الاستجوابات في الجلسات العامة وما إذا كان خلفها أسباب سياسية أو تنظيمية، يفضل هريدي عدم إطلاق أحكام عامة قائلا: لا أعلم حقيقة هذا السؤال يمكن توجيهه للأمين العام للمجلس أو رئيس المجلس، أو أي عضو في مكتب المجلس.. لكنني من أين لي أن أعرف معلومة كهذه؟ وحول ما يتردد عن قيام بعض النواب بتقديم استجوابات دون أن تكتمل.. فقد يكون المجلس يرفضها لعدم اكتمال أركانها، أو أن أركان الاستجوابات نفسها ناقصة..
ويضيف هريدي مدافعا عن الأداء الرقابي لنواب حزبه: أنا كحزب العدل أستخدم كل الأدوات الرقابية وده من أول دور الانعقاد.. وإحنا كتجربة كل النواب فيها متفاعلون واستخدموا فعليا أكثر من 700 أداة حتى اليوم… "الفكرة كلها أن الدور الرقابي مش استجوابات بس" والأمر يحتاج في المقام الأول إلى مستندات، و"النهارده عشان تعملي استجواب صح لازم يكون متكامل الأركان، وتكامل الأركان ده حاجة صعبة مش شيء سهل يعني"..
وينأى النائب بنفسه عن تقييم الأداء العام للمجلس أو الدخول في مواءمات الأغلبية والمعارضة، حاسما الجدل بقوله: "أنا بقولك أنا كعدل قدمت، ماليش دعوة بالباقيين بقى.. وأنا لا أقيم، لست في صدد أن أقيم مجلسا ما ينفعش أقيم المجلس أنا أقيم تجربتي أنا أقيم نفسي.. وإحنا بنقيم تجربتنا كعدل… أما إن كان فيه أحزاب تانية ما بتستخدمش أدوات أو ما بتستخدمش حاجة فده راجع ليهم هما.. وأنا ما بدافعش عن المجلس يعني هو مفيش في العالم كله نواب بيدافعوا عن المجلس أو على الكل لأن إحنا في الأول وفي الآخر أحزاب متنافسة"..
- خاتمة
في نهاية المشهد.. لا يبدو أن الأزمة مرتبطة بالاستجواب كأداة بقدر ما هي مرتبطة بالمناخ الذي يفترض أن تعمل فيه هذه الأداة من الأساس... فالدستور نص بوضوح على صلاحيات رقابية تصل إلى حد سحب الثقة من الحكومة.. لكن تحويل النصوص إلى ممارسة فعلية داخل القاعة يبدو أنه اصبح هو العقدة الحقيقية.. لا النص نفسه...
الاستجواب في جوهره.. ليس ورقة ضغط شكلية ولا إجراء اداريا ضمن أدوات النائب.. بل هو ذروة المواجهة السياسية بين البرلمان والحكومة.. لحظة يفترض أن تدار فيها المساءلة علنا.. أمام الرأي العام..لا أن تؤجل إلى ما لا نهاية او تستبدل بأدوات اخف وأقل كلفة سياسية... لكن ما يظهر داخل البرلمان اليوم يوحي بأن هذه الذروة تحديدا هي الأكثر غيابا أو على الأقل الأكثر تحايلا عليها...
اللافت أن كل الأطراف تمتلك تفسيرها الخاص.. هناك من يرجع الأمر إلى تعقيدات اللائحة الداخلية وشروط الاستجواب ذاتها.. وهناك من يرى أن المشكلة في غياب المستندات الكافية لدى النواب.. وهناك من يذهب ابعد من ذلك ليربط بين شكل البرلمان الحالي وطبيعة أدواته الرقابية.. معتبرين ان البنية السياسية نفسها لا تنتج صداما رقابيا حقيقيا بل تعيد انتاج علاقة اكثر هدوءا واستقرارا مما تسمح به فكرة الرقابة في أصلها..
لكن بعيدا عن هذا الجدل تظل النتيجة واحدة.. أداة وصفت يوما بأنها الأخطر تحت القبة أصبحت في أفضل الاحوال احتمال مؤجل.. وفي أسوئها نصا دستوريا ينتظر ظروفا سياسية مختلفة كي يتحول إلى ممارسة فعلية.. وبين هذا وذاك.. تتراجع المسافة بين البرلمان كجهة رقابة.. والبرلمان كجهة إدارة توافقات.. لصالح الأخير بشكل واضح..
وإذا كان معيار قوة اي برلمان يقاس بقدرته على مساءلة السلطة التنفيذية في لحظة الفعل لا بعده.. فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بغياب الاستجواب.. بل بغياب اللحظة التي يصبح فيها الاستجواب ضروريا ومؤثرا ومكلفا سياسيا في آن واحد... فالمشكلة لا تبدأ من تعطيل الأداة.. بل من البيئة التي تجعل تعطيلها ممكنا دون ضجيج يذكر...
وفي كل الأحوال.. يظل الاستجواب قائما على الورق محميا بنصوص واضحة.. لكنه عمليا يتحرك داخل مساحة أضيق بكثير من تلك التي رسمها له الدستور.. مساحة لا تحددها القوانين وحدها بل يحددها شكل العلاقة بين الحكومة والبرلمان.. وحدود الصدام المسموح به.. ودرجة استعداد المؤسسة التشريعية نفسها لأن تمارس وظيفتها الأصلية حتى نهايتها...
وهنا تحديدا لا يبدو السؤال مطروحا على الاستجواب وحده.. بل على فكرة الرقابة البرلمانية بأكملها.. هل مازال البرلمان في موقع يسمح له بمساءلة السلطة التنفيذية كما ينبغي؟ أم أن شكل المساءلة نفسه تغير واعيد تعريفه بهدوء.. بعيدا عن النصوص التي لم تتغير؟
-----------------------------------------
تحقيق: مادونا شوقي
من المشهد الأسبوعية
الاستجواب القتيل تحت قبة مجلس النواب





