03 - 06 - 2026

بين جزيرتين: من حلم هكسلي إلى عالم إبستين

بين جزيرتين: من حلم هكسلي إلى عالم إبستين

لم أعرف في حياتي ساعات أحلى ولا أسعد من تلك التي قضيتها في التجوال بين أجنحة معرض الكتاب. والتجول بين مكتبات وسط البلد، كانت للكتب في تلك الأيام هيبة خاصة، وكان للعثور على كتاب جديد متعة تشبه العثور على كنز صغير. وكنت أعود إلى البيت محملًا بما استطعت شراءه من كتب، فأسرع إلى فتحها وتقليب صفحاتها واستنشاق رائحة الورق والحبر، كما لو أنني أستقبل أصدقاء غابوا عني سنوات طويلة ثم عادوا فجأة.

ومن بين ذكريات كثيرة احتفظ بها من تلك السنوات، تبقى ذكرى تعرفي على المستشرقة اليوغوسلافية "تاتيانا بيْتش" واحدة من أكثرها حضورًا في وجداني. كانت قد جاءت إلى مصر في أواخر ثمانينيات القرن الماضي لجمع المادة العلمية لأطروحة الدكتوراه التي كانت تعدها في جامعة بلجراد عن أدب المقاومة الفلسطينية، واختارت الأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني وروايته الشهيرة «رجال في الشمس» نموذجًا للدراسة والتحليل.

كانت سعادتي كبيرة أن ألتقي باحثة أجنبية جاءت من أقاصي أوروبا لتكرس سنوات من عمرها لدراسة الأدب العربي والقضية الفلسطينية، لكن ما زاد تلك الصداقة خصوصية أن أحاديثنا لم تتوقف عند فلسطين وأدب المقاومة، بل امتدت إلى الأدب العالمي والفكر الإنساني. 

كانت قارئة موسوعية تتقن الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وتتحدث عن كبار الأدباء كما لو كانوا أصدقاء شخصيين. وكان هناك اسم يتكرر على لسانها بإعجاب خاص: "ألدوس هكسلي".

كنت قد قرأت «رجال في الشمس» وتأثرت بها تأثرًا بالغًا. لم تكن رواية طويلة، لكنها كانت من تلك الأعمال النادرة التي تترك أثرًا أكبر بكثير من حجمها. وما زلت حتى اليوم أذكر المشهد الأخير للفلسطينيين الثلاثة وهم يموتون داخل خزان السيارة في صمت خانق، فيما يظل سؤال كنفاني الشهير يتردد في الوجدان: "لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟".

ولم يكن السؤال، بالنسبة إليّ، سؤالًا روائيًا يتعلق بأبطال الرواية وحدهم، بل بدا وكأنه سؤال موجه إلى أجيال كاملة من البشر. 

سؤال عن العجز والاستسلام، وعن اللحظة التي يفقد فيها الإنسان القدرة على المقاومة حتى وهو يرى الخطر يقترب منه. 

وربما كان هذا السؤال بالذات هو الذي قادني لاحقًا إلى نوع آخر من الأدب، لا يكتفي بتشريح آلام الحاضر، بل يحاول استكشاف مصائر المستقبل، والبحث في الكيفية التي يمكن أن يفقد بها الإنسان حريته أو يستعيدها.

ما زاد من تأثير تلك المرحلة أن "تاتيانا" لم تكن تتحدث عن "غسان كنفاني" وحده، بل كانت تفتح أمامي أبوابًا جديدة على الأدب العالمي. كانت قارئة نهمة تتنقل بسهولة بين اللغات والثقافات، وتحدثني عن "توماس مان" و"فيكتور هوجو" وغيرهما من كبار الأدباء، غير أن الاسم الذي كانت تعود إليه دائمًا بشغف خاص كان "ألدوس هكسلي".

أعرف أني لم أكن أدرك آنذاك (من 36 سنة) أن ذلك الاسم الذي يتكرر في أحاديثنا سيقودني لاحقًا إلى واحدة من أكثر التجارب القرائية تأثيرًا في حياتي.

ومن هنا بدأت رحلتي مع الأدب العالمي. قرأت توماس مان وجورج أورويل وغيرهما، لكن الاسم الذي ظل يرافقني أكثر من غيره كان ألدوس هكسلي. بدأت بقراءة «الجزيرة»، ثم «نقطة مقابل نقطة»، ثم توالت القراءات حتى وجدت نفسي أمام واحد من أكثر العقول إثارة للدهشة في القرن العشرين.

كان هكسلي، في نظري، أكبر من مجرد روائي. كان مفكرًا يحاول أن يستكشف الاتجاهات العميقة التي تسير فيها الحضارة الإنسانية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يصفه شقيقه جوليان هكسلي بأنه الرجل الذي يحمل معه دائرة المعارف البريطانية أينما ذهب، أو أن يشهد له عباس محمود العقاد بسعة اطلاع قلّ أن توافرت لكاتب أوروبي في عصره.

العمل الذي أسرني أكثر من غيره ظل رواية «الجزيرة». 

كنت أشعر أثناء قراءتها أنني لا أتابع أحداث رواية فحسب، بل أشارك في تأمل تجربة إنسانية تبحث عن إمكانية التوفيق بين العلم والروح، وبين التقدم المادي والرقي الأخلاقي.

وقد أحسن مترجمها الكبير الدكتور سامي خشبة التعبير عن جوهرها حين وصفها بأنها مزيج محسوب من تكنولوجيا الغرب وتصوف الشرق وعدالة البدائيين ونزاهة الفلاسفة وجدية العلماء وروح الفنانين.

كانت «الجزيرة» حلمًا. حلمًا بمجتمع يستطيع أن يستفيد من منجزات الحضارة الحديثة دون أن يفقد إنسانيته.

وعلى الجانب الآخر قدم هكسلي في «عالم جديد شجاع» صورة مختلفة تمامًا. 

عالم تُصنع فيه السعادة صناعة، وتُدار فيه حياة البشر منذ الولادة وفق خطط مسبقة، وتتحكم السلطة في الرغبات والوعي والتنشئة الاجتماعية. عالم يبدو من الخارج مستقرًا ومزدهرًا، لكنه في جوهره يقوم على مصادرة الحرية وتحويل الإنسان إلى ترس داخل آلة ضخمة.

ومع مرور السنوات، بدا لي أن بعض ما حذر منه هكسلي لم يكن مجرد خيال روائي، بل قراءة مبكرة لاتجاهات أخذت تتكشف أمام أعيننا تدريجيًا. 

غير أن ما يثير التأمل حقًا هو أن عالمنا لم يحقق «جزيرة هكسلي» التي حلم بها، كما لم يتحول بالكامل إلى «عالم جديد شجاع» الذي خشيه، بل انتهى إلى شيء أكثر تعقيدًا والتباسًا.

ولعل أغرب ما يخطر لي كلما تذكرت «جزيرة هكسلي» أن عالمنا المعاصر عرف بدوره جزيرة أخرى اشتهرت في أنحاء الأرض كلها، لكنها لم تكن جزيرة للحكمة أو التأمل أو البحث عن الإنسان الأفضل. 

وإذا كانت جزيرة هكسلي تمثل حلمًا بإمكانية التوفيق بين التقدم المادي والرقي الأخلاقي، فإن "جزيرة إبستين" بدت وكأنها الوجه الآخر للحضارة الحديثة حين تنفصل القوة عن القيم، والثروة عن المسؤولية، والنفوذ عن أي رقابة أخلاقية.

المفارقة لا تتعلق في الحقيقة بجزيرتين، بقدر ما تتعلق بحلمين متناقضين للإنسان.

هكسلي، شأنه شأن كثير من مفكري القرن العشرين وأدبائه، كان منشغلًا بأسئلة أنسنة الحضارة الغربية والابتعاد بها عن التوحش أسئلة من نوعية:

ـ كيف يمكن للحضارة أن تتقدم دون أن تفقد إنسانيتها؟ 

ـ وكيف يمكن للعلم أن يخدم الإنسان بدل أن يستعبده؟ 

ـ وكيف يمكن للوفرة المادية أن تترافق مع نضج أخلاقي وروحي يجعل الإنسان أقدر على فهم نفسه والعالم من حوله؟

لم يكن هكسلي وحده في هذا الطريق. فقد انشغل جيل كامل من المفكرين والفلاسفة والأدباء بمصير الإنسان في عصر العلم والتكنولوجيا. بعضهم كتب اليوتوبيات، وبعضهم كتب الديستوبيات، لكنهم جميعًا كانوا يدورون حول السؤال نفسه: 

ـ أي إنسان سوف يخرج من هذا التقدم الهائل؟ هل سيصبح أكثر حرية؟ أكثر حكمة؟ أكثر عدالة؟ أم أن الآلة ستكبر بينما يظل الإنسان على حاله؟

بعد عقود طويلة من تلك الأحلام والمخاوف، يبدو المشهد أكثر إثارة للحيرة. 

تحقق جانب كبير مما كان يبدو خيالًا علميًا في زمن هكسلي. أصبحت المعرفة متاحة بضغطة زر، وتجاوزت قدرات التكنولوجيا حدود ما تخيله كثير من الروائيين، وراكمت البشرية ثروات وقوى لم تعرفها في أي عصر سابق. 

لكن السؤال الذي أقلق هكسلي لم يختفِ، بل صار أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: ماذا عن الإنسان نفسه؟

وهنا تكتسب "جزيرة إبستين" معناها الرمزي. فهي ليست مجرد جزيرة ارتبطت بفضيحة شهيرة، بل تبدو وكأنها استعارة قاسية لعصر كامل. 

عصر استطاع أن ينتج أفرادًا يملكون من المال والنفوذ والعلاقات ما كان الملوك والأباطرة يحلمون به، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إنتاج إنسان أكثر سموًا أو أكثر التزامًا بالقيم التي بشرت بها الحداثة نفسها.

لقد حلم هكسلي بجزيرة يحاول سكانها أن يصبحوا بشرًا أفضل. 

أما جزيرة إبستين فقد كشفت، في صورتها الرمزية، عن نخب تمتلك كل شيء تقريبًا إلا ما كان هكسلي يبحث عنه: الحكمة، وضبط النفس، والإحساس بالمسؤولية الأخلاقية.

وكأن القرن الذي نجح في مضاعفة القوة والثروة والمعرفة آلاف المرات، أخفق في تحقيق المهمة الأصعب: الارتقاء بالإنسان نفسه.

وهكذا تبدو المسافة بين الجزيرتين أكبر من المسافة بين الخيال والواقع. 

إنها المسافة بين ما حلم به العقل الإنساني لنفسه طوال القرن العشرين، وما انتهى إليه جزء من واقع القرن الحادي والعشرين. وبينما امتلكت البشرية من العلم والتكنولوجيا ما يفوق أحلام هكسلي نفسه، فإنها لم تنجح بالقدر ذاته في بناء الإنسان الذي كانت تلك الأحلام كلها تسعى إليه.

حين أستعيد هذه الرحلة كلها اليوم، أجد نفسي أعود مرة أخرى إلى نقطة البداية: جناح صغير في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ولقاء عابر مع باحثة جاءت من بلجراد لتكتب عن غسان كنفاني. يومها لم أكن أعرف أن حديثًا بدأ عن فلسطين وأدب المقاومة سوف يقودني إلى هكسلي، ثم إلى أسئلة الإنسان والحضارة والمستقبل. 

وربما لهذا السبب ظلت معارض الكتب أكثر من مجرد أسواق للورق والحبر؛ فهي الأماكن التي نعثر فيها أحيانًا على الكتب التي تغيرنا، وعلى الأشخاص الذين يفتحون أمامنا أبوابًا لم نكن نعرف أنها موجودة، وعلى الأسئلة التي تظل ترافقنا طويلًا بعد أن نغلق آخر صفحة من الكتاب.
----------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

بين جزيرتين: من حلم هكسلي إلى عالم إبستين