في تتبع مسار إبراهيم عيسى لا تبدو القضية مجرد مراجعات فكرية متفرقة، كما يحب هو أن يقدمها، بل تبدو أقرب إلى انتقال متكرر من موقع إلى نقيضه، حتى يصعب أحيانًا العثور على خيط ثابت بين مواقفه القديمة ومواقعه الجديدة. فالتغير هنا لا يصيب فكرة جزئية أو تقييمًا عابرًا، بل يطال الاصطفاف نفسه؛ كأن الرجل لم يبدل آراء داخل الموقع الواحد، بل انتقل من موقع كامل إلى موقع مضاد، ثم أعاد تفسير ذلك كله باعتباره تطورًا طبيعيًا في التفكير.
كان يومًا محسوبًا على الناصرية، قريبًا من خطاب جمال عبد الناصر، ومنحازًا إلى الدولة الوطنية التي بنتها يوليو، ثم صار بمرور الوقت يتحدث بلغة خصومها الأكثر جذرية، لا بوصفه ناقدًا لتجربة بعينها، بل كأنه تبنى سردية كاملة تقوم على نزع الشرعية التاريخية عن يوليو نفسها، وتحميلها أصل أزمات مصر الحديثة.
من موقع الدفاع عن التجربة إلى موقع الحديث بلسان من جعلوا عبد الناصر أصل البلاء العربي كله.
وكان في مرحلة أخرى مؤيدًا صريحًا لفكرة المقاومة ضد الاحتلال. أعلن تأييده لحزب الله لأنه يقاتل الاحتلال، واعتبر موقفه شريفًا وأهدافه سامية. يومها لم تكن المرجعية الدينية أو الخلفية المذهبية مانعًا، لأن معيار الحكم كان واضحًا: من يقاوم الاحتلال يستحق الدعم.
لكن حين تعلّق الأمر بحماس، تبدل المعيار نفسه. لم يعد الاحتلال هو القضية، بل هوية من يقاومه. فجأة أصبح الانتماء الإسلامي أو الإخواني سببًا لرفض المقاومة، ثم توسع هذا الرفض حتى شمل فصائل فلسطينية متعددة المشارب، كأن الخلاف مع تنظيم واحد تحول إلى خصومة مع فكرة المقاومة نفسها.
هنا لا نتحدث عن مراجعة رأي في حركة بعينها، بل عن تغيير في المعيار الذي تُقاس به القضايا.
فحين تؤيد مقاومة لأنها تقاوم، ثم ترفض مقاومة أخرى تواجه الاحتلال ذاته لأن أحد أطرافها إسلامي، فإن البوصلة لم تعد القضية بل الخصومة السياسية المحلية.
وهذا انتقال من الحكم على الفعل إلى الحكم على الفاعل، ومن الانحياز للمبدأ إلى الانحياز للهوية.
وكان أيضًا من الأصوات التي عبّرت طويلًا عن عداء واضح لإسرائيل، كما كان مألوفًا في أوساط كثيرة بعد الانتفاضات الفلسطينية والحروب المتكررة.
ثم تبدل الخطاب تدريجيًا، حتى أصبحت كتاباته تحمل تعاطفًا ظاهرًا مع الرواية الإسرائيلية، أو على الأقل نزوعًا إلى تبريرها وتخفيف مسؤوليتها. وبلغ ذلك ذروة لافتة حين وصل الأمر إلى التهكم على استدعاء جريمة بحر البقر، وهي جريمة رسخت في الوعي المصري بوصفها واحدة من أبشع صور استهداف المدنيين.
الانتقال من الدعوة إلى السلام أو نقد الحرب مفهوم، أما الانتقال من اعتبار الجريمة جريمة إلى السخرية من تذكّرها، فهو ليس مراجعة سياسية فقط، بل إعادة صياغة للذاكرة الوطنية ذاتها.
وهنا يبدو السؤال أعمق من مجرد تغير رأي: ما الذي تغيّر حتى صار ما كان رمزًا للألم الوطني موضع استهزاء؟ وسخرية فظة.
الأمر نفسه ينسحب على علاقته بالإخوان المسلمين. ففي مرحلة من المراحل بدا قريبًا منهم سياسيًا ومهنيًا، ثم انقلب المشهد فانقلب معه إلى خصومة حادة، كأن القرب السابق لم يكن.
لم تكن مراجعة هادئة لتجربة أو نقدًا لتفاصيلها، بل قطيعة كاملة مع موقع كان قائمًا.
وفي الإقليم تكرر النمط ذاته. من الإشادة بقطر وأدوارها الإقليمية والظهور بالأجر على منابرها الإعلامية، إلى السخرية منها والانضمام إلى خطاب مهاجمتها.
وكأن كل تحول في المشهد السياسي يستدعي تحولًا مماثلًا في الموقف الشخصي، ومن أسفٍ أنه دائمًا ما يُقدَّم هذا التحول بوصفه نضجًا فكريًا أو مراجعة فكرية.
عند هذه النقطة يصبح السؤال ضروريًا: هل هذه مراجعات مستقلة حقًا؟
المراجعة الفكرية تعني عادة تطويرًا داخل المسار، أو إعادة تقييم لبعض جوانبه. أما حين تكون النتيجة في كل مرة انتقالًا من أقصى إلى أقصى، ومن الفكرة إلى نقيضها، ومن معسكر إلى خصومه، ومن خطاب إلى خطاب معاكس، فإن الأمر يبدو أقرب إلى إعادة تموضع جديد منه إلى مجرد تطور في التفكير.
وربما لهذا لا يثير الجدل أن إبراهيم عيسى يغيّر آراءه؛ فمراجعة الأفكار حق لكل كاتب يبحث عن الحقيقة. لكن الجدل يبدأ حين تبدو التحولات المتعاقبة أقرب إلى ملاحقة مواقع النفوذ منها إلى ملاحقة الأسئلة الفكرية.
ما يثير الجدل هو أن التغير الذي يصيب إبراهيم عيسى أنه يكاد يكون دائمًا في اتجاه واحد: من الموقع الذي كان فيه إلى الموقع المضاد له تمامًا، وغالبًا بما يتسق مع موازين القوة السائدة في اللحظة.
وإذا كان ثمة ثابت في هذا المسار كله، فليس الانتماء السياسي ولا الموقف من الدولة ولا من المقاومة ولا من القوى الإقليمية. فهذه كلها مواقف شهدت تحولات كبيرة، وانتقالات متكررة من ضفة إلى أخرى.
المؤسف حقًا أن الخط الذي ظل حاضرًا على امتداد مسيرته تقريبًا، تمثل في الاشتباك الدائم مع كثير من المسلمات الدينية والموروث الإسلامي.
فمنذ سنوات طويلة، لم يكن إبراهيم عيسى يكتفي بمناقشة بعض الاجتهادات الفقهية أو مراجعة بعض الروايات التاريخية، وهو حق مشروع لكل باحث جاد، بل حرص دائمًا على تحدي المألوف الديني والاشتباك مع ما يعتبره الجمهور من الثوابت أحد أبرز ملامح خطابه الإعلامي والثقافي.
فمرة يثير الجدل حول السنة النبوية، ومرة حول التراث الفقهي، ومرة حول شخصيات ورموز تحظى بمكانة راسخة في الوعي الإسلامي، ومرة حول قضايا عقدية أو تاريخية يعرف مسبقًا أنها ستثير عاصفة من الجدل.
قد يختلف الناس في تقييم هذه الطروحات؛ فمنهم من يراها محاولة للتجديد، ومنهم من يراها افتعالًا للصدام مع الموروث الديني.
لكن اللافت أن هذا المسار ظل الأكثر ثباتًا في حياته العامة، في وقت تبدلت فيه مواقفه السياسية والإقليمية مرات عديدة. فبينما انتقل من تبني الناصرية إلى نقدها، ومن تأييد المقاومة إلى مهاجمة كثير من رموزها، ومن العداء لإسرائيل إلى خطاب أكثر اقترابًا من روايتها، ومن التقارب مع بعض القوى السياسية إلى الخصومة معها، ظل الاشتباك مع التراث الإسلامي والثوابت الدينية حاضرًا بوصفه القاسم المشترك الأكثر استقرارًا في خطابه.
ولهذا قد يقال إن المتابع لمسيرته يجد نفسه أمام مفارقة لافتة: فالمواقف السياسية التي يُفترض أنها مرتبطة بالمصالح والظروف كانت الأكثر قابلية للتغيير، بينما بقي الموقف النقدي ــ أو الصدامي أحيانًا ــ تجاه كثير من المسلمات الدينية هو العنصر الأكثر دوامًا واستمرارًا.
وكأن كل شيء في مسيرة إبراهيم عيسى كان قابلًا للمراجعة وإعادة التموضع، إلا هذا الخط الذي ظل حاضرًا في معظم مراحل تجربته الإعلامية والفكرية.
وثمة ملاحظة أخرى لا يمكن تجاهلها عند تأمل هذا المسار الطويل من التحولات.
فكل انتقال من موقع إلى نقيضه جاء متزامنًا مع صعود متواصل في المكانة الاجتماعية والإعلامية. من صحفي معارض يعيش حياة أقرب إلى حياة أسفل الطبقة الوسطى، إلى واحد من أشهر نجوم الإعلام المصري وأكثرهم حضورًا ونفوذًا، ثم إلى نمط حياة يختلف جذريًا عما كان عليه في بداياته.
ليس المقصود هنا أن النجاح المادي تهمة، ولا أن الثراء دليل على فساد الرأي، فهذه مغالطة لا تستقيم.
لكن السؤال يظل قائمًا: هل كانت التحولات الفكرية هي التي فتحت أبواب الصعود الاجتماعي، أم أن الصعود الاجتماعي نفسه أعاد تشكيل زاوية النظر إلى العالم؟
التاريخ يعلمنا أن الموقع الاجتماعي ليس مجرد عنوان سكن أو حجم ثروة، بل عدسة يرى الإنسان من خلالها السياسة والمجتمع والدولة. وما يبدو ظلمًا لمن يقف في أسفل السلم الاجتماعي قد يبدو استقرارًا لمن وصل إلى أعلاه. وما يبدو ضرورة للتغيير عند المهمشين قد يبدو مغامرة غير محسوبة عند المستفيدين من الواقع القائم.
وربما لهذا قيل: "من ذاق عرف". فحين تتغير الحياة، تتغير أحيانًا معها الأولويات والحساسيات والاصطفافات.
قد يختلف الناس في تقييم كل موقف مواقفه على حدة. قد يتفقون أو يختلفون مع الناصرية أو الإخوان أو حزب الله أو حماس أو قطر أو إسرائيل وأمريكا، أو غيرها. لكن القضية التي يطرحها "مسار إبراهيم" ليست صحة كل موقف منفردًا، بل اتجاه الحركة نفسها.
فحين ينتقل المرء مرة من موقع إلى نقيضه قد يكون ذلك مراجعة، وحين يتكرر الأمر مرتين قد يكون تطورًا فكريًا، أما حين يصبح الانتقال من الضفة إلى الضفة المقابلة هو القاعدة المستمرة، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل نحن أمام عقل يراجع أفكاره باستقلال، أم أمام موقع جديد يعيد إنتاج الأفكار التي تناسبه؟
لذلك يبقى السؤال الذي حاول هذا المقال تتبعه من بدايته إلى نهايته: هل غيّر إبراهيم عيسى أفكاره فعلًا، أم غيّر مواقعه، ثم تبعت الأفكار تلك المواقع؟
-----------------------------------
بقلم: محمد حماد






