02 - 06 - 2026

المختبر المفتوح - كيف تحكم ترويكا "المال والبيانات والتكنولوجيا" عالمنا المعاصر؟

المختبر المفتوح - كيف تحكم ترويكا

لم يعد السؤال الكلاسيكي "من يحكم العالم؟" قابلاً للإجابة عنه بالأسماء التقليدية لزعماء الدول أو حتى بحدود الخرائط الجغرافية المألوفة.

إن العالم اليوم لا يُقاد من وراء مكاتب بيضاوية أو برلمانات سيادية فحسب، بل يُدار عبر شبكة معقدة وغير مرئية تتداخل فيها الأرقام الفلكية لإمبراطوريات المال، بمخازن البيانات الكبرى، بخوارزميات التكنولوجيا المتقدمة. في هذا النظام الدولي الجديد، تشابكت مصالح واشنطن وتل أبيب مع عمالقة وادي السيليكون ووول ستريت، ليتحول العالم ـ وفي قلبه فلسطين ـ إلى ميدان تطبيق ومختبر مفتوح لهذه الترويكا المستحدثة.

إمبراطوريات الظل ؛ عندما تفوق الشركات نفوذ الدول

تبدأ القصة من الأرقام الصادمة التي تعيد تعريف مفهوم السيادة.

عندما تدير مؤسسة مالية مثل "بلاك روك" (BlackRock) أصولاً تتجاوز عشرة تريليونات دولار، فإنها لا تدير مجرد استثمارات، بل تمتلك حصصاً حاكمة وموجهة في كبريات الشركات العابرة للقارات؛ من مصانع السلاح والدفاع إلى شركات الأدوية والإعلام.

هذا الحجم المالي الضخم، الذي يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لدول كبرى مجتمعة، يمنح هذه الصناديق قوة تصويتية قادرة على صياغة السياسات الدولية وتوجيه دفة الاقتصاد العالمي.

وعلى الجانب الآخر من المعادلة، يقف عمالقة التكنولوجيا الثمانية (Big Tech) كحراس لبوابات "النفط الجديد" البيانات والسلوك البشري.

شركات مثل مايكروسوفت، آبل، إنفيديا، وجوجل، لم تعد مجرد منصات للخدمات الرقمية، بل تحولت إلى كيانات تتخطى قيمتها السوقية اقتصادات دول نووية بأكملها ، من يملك هذه البيانات ويحتكر صناعة الرقاقات الإلكترونية والمقومات الصلبة للذكاء الاصطناعي، يملك بالضرورة القدرة على صياغة "وعي" البشرية وتوجيه رأيها العام.

المثلث الاستراتيجي ؛ أمريكا، إسرائيل، وعقود الأمن الرقمي

الرابط بين هذه الإمبراطوريات المالية والتكنولوجية وبين المحور (الأمريكي - الإسرائيلي) ليس مجرد علاقة تجارية عابرة، بل هو تحالف عضوي بنيوي. فالولايات المتحدة توفر الغطاء السياسي والعسكري والقانوني لحماية هذا النظام الرأسمالي الرقمي، بينما تضخ هذه الشركات الابتكارات التي تضمن لأمريكا وحلفائها التفوق المعلوماتي والعسكري على الخصوم الدوليين كالصين وروسيا.

في هذا السياق، تبرز إسرائيل في موقع "المختبر الميداني المتقدم" (Start-up Nation).

هذا النفوذ يترجمه الواقع عبر عقود استراتيجية كبرى مثل "مشروع نيمبوس" (Project Nimbus)، الذي منحت بموجبه الحكومة الإسرائيلية شركتي جوجل وأمازون عقداً بمليارات الدولارات لتزويد جيشها ومؤسساتها بخدمات الحوسبة السحابية وأدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. إن دمج المال الأمريكي والتكنولوجيا العملاقة بالأمن الإسرائيلي يشكل العصب الأساسي للأنظمة الدفاعية والسيبرانية الحديثة.

فلسطين وبؤر النزاع ؛ الضحية كمادة خام للاستثمار

هنا يتجلى الرابط الأكثر قتامة في المشهد الدولي؛ إذ لم تعد القضية الفلسطينية مجرد نزاع سياسي أو تاريخي محلي، بل أصبحت تقع في قلب هذا النظام الاستثماري. إن تحويل قطاع غزة والضفة الغربية إلى ما يشبه "المختبر المفتوح" لاختبار أنظمة الاغتيال الرقمي وتتبع الأشخاص المعتمدة على الذكاء الاصطناعي (مثل منظومات "لافندر" و"الحبسورة")، يعني ببساطة أن بيانات الفلسطينيين الحيوية وتحركاتهم تُستغل كمادة خام لتغذية الخوارزميات وتطوير أدوات التجسس والرقابة.

الخطورة تكمن في أن هذه التقنيات والأسلحة تُصدّر لاحقاً إلى الأسواق العالمية تحت شعار "مُجرّب في المعركة" (Battle-Tested)، لتُباع إلى حكومات أخرى تستخدمها في قمع معارضيها أو إدارة صراعاتها المحلية. إنها "دائرة مغلقة من التربح"؛ حيث تضخ صناديق الاستثمار كـ "بلاك روك" أموالها في شركات السلاح والتكنولوجيا، وتشتعل الحروب لتنتج أرباحاً هائلة وبيانات جديدة لتطوير العتاد، ثم تعود الأرباح مجدداً إلى الصناديق المالية.

هذا النموذج لا يقتصر على فلسطين؛ بل نراه يتكرر في صراعات أفريقيا (كالكونغو) حيث يغذي العنف الحربي استمرار تدفق المعادن النادرة رخيصة الثمن اللازمة لصناعة الهواتف والرقاقات، ونراه في أوكرانيا عبر اختبار جيل جديد من حروب المسيرات الذكية وفضاء السيبراني.

هندسة الوعي ومعركة الرواية الرقمية

ولا تكتمل السيطرة بدون التحكم في الوعي؛ إذ تُظهر الحروب الحديثة، ولا سيما الحرب على فلسطين، كيف تُستخدم خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي (مثل ميتا وجوجل) كأداة لتوجيه الرواية الدولية. من خلال آليات تقييد المحتوى المناهض للحرب أو حظر الرواية الفلسطينية (Shadow Banning)، يتم تكييف ما يراه المستخدم العالمي وصناعة رأي عام دولي إما متواطئ مع العنف أو غير مبالٍ به.

نحو عالم متعدد الأقطاب الرقمية

إن قراءة هذا المشهد تفيد بأن الاحتلال والعنف الحربي حول العالم ليسا مجرد "مخلفات سياسية"، بل هما ترسانة حيوية لاستمرار نمو وتفوق المنظومة المالية والتكنولوجية المهيمنة. وأمام هذا الواقع، لم يعد غريباً أن يشهد العالم اليوم بوادر "قومية تكنولوجية" متصاعدة، تحاول فيها قوى كالصين عبر عمالقتها (كتنسنت وعلي بابا وبايت دانس) بناء أسوار رقمية موازية، وتتحرك فيها قوى الجنوب العالمي للتحوط والاستثمار في نماذج ذكاء اصطناعي محلي.

الجميع أدرك، وإن كان متأخراً، أن الاعتماد الكامل على السحابة الإلكترونية الغربية أو الرقاقات التايوانية يمثل رهناً للسيادة الوطنية؛ فمن يملك التكنولوجيا والمال والبيانات اليوم، لا يكتفي بإدارة الاقتصاد، بل يصيغ مستقبل البشرية ويحدد من يملك الحق في الحياة ... ومن يبقى مجرد رقم في حاسوب خوارزمية الحرب.
---------------------------------
بقلم: حاتم نظمي


مقالات اخرى للكاتب

المختبر المفتوح - كيف تحكم ترويكا