صدر عن "الحركة المدنية الديمقراطية"، وهي تجمع لأحزاب المعارضة المصرية، بيانًا ساوى فيه بين انتزاع وهدم الدولة لعدد من المباني والمنشآت التاريخية وبين أحد قصور أعضائها ورئيس أحد أحزابها. استقبلت كثير من قوى المعارضة البيان بكثير من النقد والرفض وأحيانًا التهكم. جاء الرفض لأسباب متعددة، ولكن البيان لم يأتِ من السماء، وإنما هو تكثيف لمشكلة بنيوية في جسد المعارضة المصرية.
ونقد المعارضة هنا ليس تجاوزًا لسياسات الطبقة الحاكمة، والتي أدت إلى كل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الراهنة. فمن السهل إيعاز كل شيء إلى السلطة وممارساتها وسياساتها وانحيازاتها، وتحت أغطية كثيرة منها التغابي والخوف والاستسهال، إلا أنه طريق لن يؤدي إلا إلى مزيد من التطبيع مع التعفن.
فبمغادرة المستوى الخاص بالأشخاص والبيانات، وبالنظر إلى مستوى يخص البنية الاجتماعية نفسها، باعتبار أن البيانات وما بها من أفكار وانحيازات إنما تمثل مصالح وطبقات وعلاقات اجتماعية، فنصل للسؤال الذي يطرح نفسه، وهو غير مرتبط بمعرفة السبب الذي أدى بالمعارضة إلى إصدار هذا البيان، إنما محاولة فهم لماذا وصلت المعارضة في لحظة تاريخية إلى هذا الحد من الهشاشة والضعف.
على مدار سنوات، دأبت المعارضة المصرية على اعتبار أن أزمتها تتمثل في القيادة والتنظيم والتكتيكات السياسية المتبعة، وعلى ما في هذا التقدير من صواب، إلا أنه يعمل على التعمية على الحقيقة، وهي أن المعارضة المصرية تعاني من اليتم الاجتماعي. فالسياسة بكل مستوياتها لا تعمل في الفراغ، إنما وفقًا لشروط موضوعية تتمثل في قوى اجتماعية حية ترى في هذه الأحزاب القدرة على تمثيل مصالحها الاجتماعية.
في القرن الفائت، وعلى الرغم من التناقضات داخل المجتمع كالتفاوت الطبقي، إلا أن هناك فئات اجتماعية وُلدت من رحم الرأسمالية الإنتاجية، فضلًا عن طبقة وسطى تعمل في جهاز الدولة البيروقراطي وبرجوازية وطنية، جميعها كانت لديها مطالب اجتماعية، مما أنتج الممارسة السياسية.
اليوم، تجاوزت الرأسمالية المصرية مسألة الإنتاج الزراعي والصناعى، واتجهت صوب الريع والعقار والخدمات المالية، وكلها نشاطات تعمل على تآكل الظرف الاجتماعي المؤهل لتخليق سياسة جماهيرية.
فالرأسمالية بصيغتها الإنتاجية، وعلى كونها مستغِلة للطبقة العاملة، إلا أنها تشكل تجمعًا من البشر له مصالح تفرض عليه أشكالًا تنظيمية للدفاع عنها. أما الرأسمالية بشكلها الريعي أو المالي، فبنيتها تعمل على تفكيك الطبقة العاملة وعزلها؛ لأنها لا تراكم الأرباح من الإنتاج قدر ما تحققه من الريع والخدمات المالية والتمويل. فكلما كان المجتمع أقل إنتاجية، قلّ الفاعلون السياسيون المعبرون عنه وعن مصالحه.
أثار ليون تروتسكي، قائد الجيش الأحمر قبيل ثورة أكتوبر 1917، مسألة قدرة الفلاحين على الانضمام إلى الثورة، وكان يرى أنها لا تعتبر طبقة سياسية قادرة على الفعل لأنها غير مترابطة. وبالقياس، فملايين من المجتمع المصري يعيشون أوضاعًا اقتصادية واجتماعية ضاغطة، إلا أنهم ليسوا مترابطين ويواجهون مشاكلهم بشكل فردي. فهم متشابهون في مشاكلهم الاجتماعية، إلا أنهم متنافرون سياسيًا، ومن هذه الأرضية تصبح الفئات والطبقات الاجتماعية أكثر تباعدًا وتفككًا سياسيًا.
هنا المعارضة لا تسقط من السماء، إنما هي تكثيف لحالة التشظي المجتمعي. فكون المعارضة لا تمثل فئات اجتماعية، فأصبحت تمثل شخصيات عامة نخبوية ومجموعة من المثقفين المنعزلين عن المجتمع ومصالحه، وبالشكل الذي لم تعد المعارضة تتمتع بأي مسؤولية في مواجهة هذه الفئات الاجتماعية؛ لأنها في الأخير لا تمثلها، مما يبرز دور البيانات والمواقف الرمزية لا محاولة بناء وسائل وأدوات اجتماعية للتأثير في الواقع وتغييره.
البيان الصادر عن الحركة المدنية المصرية يكشف عن عطب داخل بنية المعارضة المصرية، ضيقة الأفق الاجتماعي والذي تضيق معه السياسة. ومن ثم تبرز المصالح الشخصية واستغلال التكوين المعارض كوسيلة لتصفية الحسابات أو الضغط في مسائل وقضايا قانونية تمس أعضاءها. هذا كله إذا استثنينا الطرق والأدوات السياسية التي تستخدمها المعارضة، والتي تتعامل بها مع السلطة وكأنها ذات السلطة التي قامت عليها انتفاضة 28 يناير 2011.
نخلص إلى أن المعارضة المصرية أزمتها هيكلية تتعلق بإنجاز الرأسمالية في مصر، كونها رأسمالية فشلت في إنتاج طبقات اجتماعية لديها مشروع جاد للحكم، مما أدى إلى دولة غير قابلة للحكم أكثر منها قابلة للقمع.
--------------------------------
بقلم: محمد الخولي
* أمين التثقيف في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي






