01 - 06 - 2026

وطن يُرهق شعبه

وطن يُرهق شعبه

لم يعد الحديث عن الأزمة الاقتصادية في مصر مجرد أرقام تُذاع في نشرات الأخبار أو تقارير حكومية تُكتب بلغة رسمية باردة، بل أصبح واقعًا يوميًا يعيشه المواطن المصري في كل تفاصيل حياته. المواطن الذي كان يحلم بحياة مستقرة أصبح اليوم يبحث فقط عن النجاة، عن القدرة على شراء احتياجات منزله الأساسية، وعن طريقة تحفظ له كرامته أمام أسرته وأطفاله.

في الشارع المصري اليوم ترى وجوهًا مرهقة، وأعينًا فقدت الاطمئنان. الموظف والعامل وصاحب المهنة البسيطة أصبحوا جميعًا يعيشون داخل دائرة ضغط لا تنتهي. مواطن يخرج من منزله قبل الفجر، يستقل أكثر من وسيلة مواصلات، يقضي ساعات طويلة في الزحام، ثم يعمل 12 ساعة أو أكثر، ليعود في نهاية اليوم محطمًا جسديًا ونفسيًا، وفي نهاية الشهر يكتشف أن كل هذا العناء لا يكفي لسداد احتياجات بيته الأساسية.

أي وطن هذا الذي يعمل فيه الإنسان طوال عمره ولا يستطيع أن يؤمن حياة كريمة لأسرته؟

الأسعار ترتفع بصورة متوحشة، بينما الدخول ثابتة أو تتآكل يومًا بعد يوم. المواطن أصبح عاجزًا أمام أسعار الغذاء والدواء والإيجارات وفواتير الخدمات. الطبقة المتوسطة التي كانت تمثل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي تتآكل بسرعة، والفقراء يزدادون فقرًا، بينما الخطاب الرسمي ما زال يتحدث عن الإنجازات وكأن الناس لا ترى الواقع بعينها.

الحقيقة التي لا يجب طمسها أن هناك حالة من الغضب المكتوم والخوف داخل الشارع المصري. الناس لم تعد تخشى فقط من الحاضر، بل أصبحت مرعوبة من المستقبل. المواطن يشعر أن الحكومة بعيدة عن معاناته، وأن القرارات الاقتصادية تُفرض عليه دون أن يراعي أحد حجم الألم الذي يعيشه.

الأزمة ليست أزمة شعب، بل أزمة إدارة.

حين يتم وضع أشخاص غير متخصصين في مواقع تحتاج إلى خبرات اقتصادية وإدارية حقيقية، تكون النتيجة الطبيعية هي هذا التخبط الذي نراه اليوم.

لا يمكن إدارة دولة بحجم مصر عبر التصريحات الإعلامية أو الحلول المؤقتة أو تحميل المواطن كل الأعباء وكأنه المسؤول عن الفشل.

من غير المنطقي أن يتحمل المواطن وحده نتائج السياسات الخاطئة، بينما لا توجد مراجعة حقيقية للمسؤولين عن تلك القرارات. الشعب المصري قدم الكثير من التضحيات، وتحمل سنوات من الضغوط الاقتصادية تحت وعود بأن القادم أفضل، لكن الواقع يقول إن الأعباء تتضاعف، بينما الأمل يتراجع.

مصر اليوم تحتاج إلى حكومة إنقاذ اقتصادي حقيقية، لا حكومة تجميل للأزمات. تحتاج إلى أصحاب خبرة وعقول اقتصادية محترفة قادرة على استعادة الثقة داخليًا وخارجيًا. ولهذا فإن اختيار شخصيات بحجم الدكتور سمير رضوان والدكتور محمد العريان لم يعد رفاهية سياسية، بل أصبح ضرورة وطنية.

الدكتور سمير رضوان يمتلك خبرة اقتصادية كبيرة وفهمًا عميقًا لطبيعة الاقتصاد المصري، كما أن الدكتور محمد العريان يُعد واحدًا من أبرز العقول الاقتصادية عالميًا، ووجوده في أي منظومة اقتصادية يمنحها مصداقية وثقة واحترامًا دوليًا. مصر بحاجة إلى رجال اقتصاد حقيقيين يعرفون كيف تُدار الأزمات، وكيف تُبنى السياسات التي تحمي المواطن لا التي تستنزفه.

إنقاذ الاقتصاد لا يبدأ بزيادة الضرائب والأسعار، بل يبدأ بإدارة رشيدة، ووقف الهدر، وإعادة ترتيب الأولويات، وتشجيع الإنتاج والصناعة، وفتح المجال أمام الكفاءات الحقيقية، ومحاسبة كل من تسبب في وصول المواطن إلى هذه الحالة من المعاناة.

الشعوب يمكن أن تتحمل الصعوبات إذا شعرت بالعدل والشفافية، لكنها تنهار حين تشعر أنها تُترك وحدها في مواجهة الأزمات، بينما لا يسمع أحد صوتها.

المواطن المصري لا يطلب القصور ولا الرفاهية، بل يطلب حياة كريمة، وتعليمًا محترمًا، وعلاجًا آدميا، وفرصة حقيقية للعمل دون أن يتحول إلى آلة تعمل طوال اليوم ثم تعود آخر الشهر عاجزة عن شراء أبسط الاحتياجات.

إن استمرار الوضع بهذا الشكل ينذر بمزيد من الاحتقان الاجتماعي وفقدان الثقة، لأن الشعوب لا تُقاس بقدرتها على الصبر فقط، بل أيضًا بقدرتها على الاحتمال، ولكل شعب حدود.

ويبقى السؤال الصعب الذي ينتظر المصريون إجابته: إلى متى يظل المواطن وحده هو من يدفع الثمن؟

إن الوطن لا يُبنى بالشعارات، ولا بالصوت العالي، ولا بتجميل الواقع، بل يُبنى بالعلم والكفاءة والعدل واحترام الإنسان. ومصر تستحق إدارة اقتصادية قوية بحجم تاريخها وشعبها، قبل أن يتحول الألم اليومي للمواطن إلى أزمة أكبر من قدرة الجميع على الاحتمال.
-------------------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

وطن يُرهق شعبه