لم تعد المشكلة في سياسات دونالد ترامب أنه يبالغ في استخدام القوة أو التهديد المبالغ فيه باستخدامها، بل في الطريقة التي يتصور بها العالم أصلًا، عقلية السمسار تصور له أنه أمام عالم يمكن إدارته بعقلية الصفقات السريعة، والابتزاز السياسي، وخلط الملفات المتناقضة داخل سلّة واحدة، ثم انتظار أن تستجيب الدول كما لو كانت شركات تبحث عن توقيع عقد تجاري لا أكثر.
أحدث الأمثلة على ذلك محاولة الربط بين اتفاق محتمل مع إيران وتوسيع اتفاقيات إبراهام ، عبر دعوات موجهة لدول عربية وإسلامية، بينها السعودية وقطر وتركيا وباكستان، وكأن وقف الحرب مع إيران يمنح واشنطن حق إعادة تشكيل خريطة المنطقة سياسيًا وأخلاقيًا وفق الرؤية الإسرائيلية الأميركية المشتركة.
هذا النوع من التفكير الساذج والعشوائي يكشف أزمة عميقة في فهم طبيعة الشرق الأوسط نفسه. فقضايا مثل فلسطين، والعلاقة مع إسرائيل، وموقع إيران، والتوازنات الإقليمية، ليست ملفات منفصلة يمكن جمعها في “صفقة كبرى” يديرها البيت الأبيض على طريقة رجال الأعمال، بل قضايا متشابكة بالتاريخ والهوية والسيادة والصراع المفتوح منذ عقود.
ولهذا كان الرد الباكستاني (الدولة الساعية إلى وقف الحرب على إيران) مهمًا وكاشفًا.
لم ترفض إسلام آباد فقط الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام ، بل رفضت أصل الفكرة التي تحاول الربط بين القضيتين، مؤكدة أن السلام مع إيران أو وقف الحرب معها لا علاقة له بمواقف الدول من إسرائيل أو من القضية الفلسطينية.
هذا الرفض الباكستاني المعلن يبعث برسالة إلى ترامب ونتنياهو تعكس إدراكًا عربيًا وإسلاميًا بأن واشنطن تحاول استثمار أي تهدئة إقليمية لفرض وقائع سياسية جديدة تخدم إسرائيل أولًا.
الأخطر في هذه الدبلوماسية العشوائية أنها تتعامل مع السلام باعتباره أداة علاقات عامة، لا نتيجة تسويات عادلة. فبدل معالجة جذور الأزمة، أي الاحتلال الإسرائيلي، والعدوان المستمر على غزة، والتوسع الاستيطاني، والانتهاكات اليومية في فلسطين ولبنان، وسوريا والعراق يجري القفز فوق كل ذلك نحو مشاريع “تطبيع شامل” تُسوَّق باعتبارها إنجازًا تاريخيًا، بينما تقف المنطقة بأسرها فوق مرجل مشتعل تتفاقم فيه الأزمات وتتمدّد الحرائق من غزة إلى ما بعدها.
هنا تحديدًا تبدو المفارقة فاضحة: كيف يمكن الحديث عن “شرق أوسط جديد” في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل في قتل الفلسطينيين، وقصف محيطها، والتصرف كقوة فوق القانون الدولي؟
وكيف لعلق أن يُطلب من دول عربية وإسلامية أن تدفع ثمن اتفاق أمريكي مع إيران عبر تقديم تنازلات سياسية وأخلاقية في قضية بحجم فلسطين؟
المشكلة ليست فقط في ترامب المزاجي المتقلب، بل في المدرسة السياسية التي يمثلها؛ مدرسة تتصور أن العالم يُدار بالضغط والصفقات والابتزاز، وأن الشعوب يمكن أن تبيع تاريخها وتنسى حقوقها بمجرد توقيع اتفاق أو إطلاق حملة إعلامية ضخمة.
الشرق الأوسط، بكل تناقضاته، أثبت مرارًا أن القضايا الكبرى لا تُحسم بهذه الطريقة.
السلام الحقيقي لا يُصنع عبر تجاوز المظالم، ولا عبر تجاهل الاحتلال، ولا عبر تحويل الحقوق التاريخية إلى بنود تفاوض مؤقتة داخل صفقة أمريكية عابرة.
ولهذا يبدو هذا المسار كله أقرب إلى محاولة لتسويق الوهم، لا لصناعة الاستقرار. فالإدارة الأمريكية لا تقدم مشروع سلام حقيقي، بل تحاول إعادة تدوير الأزمات تحت أسماء جديدة، فيما تبقى جذور الانفجار قائمة كما هي، وربما أكثر اشتعالًا من أي وقت مضى.
ما يثير الاشمئزاز أن هذا الربط بين الاتفاق مع إيران وتوسيع اتفاقيات إبراهام لا يبدو منفصلًا عن رغبة ترامب احتواء غضب شريكه الأساسي في الحرب على المنطقة، بنيامين نتنياهو، واللوبي الصهيوني الداعم له في الولايات المتحدة.
الاتفاق مع إيران، بصيغته الحالية، جاء بعيدًا تمامًا عن الأهداف التي رُفعت منذ بداية التصعيد؛ لا البرنامج الصاروخي الإيراني جرى تفكيكه، ولا إيران أُجبرت على الاستسلام، ولا "تغيير السلوك" تحقق بالصورة التي بشرت بها إسرائيل.
وهكذا خرج نتنياهو من واحدة من أخطر جولات التصعيد في المنطقة بلا إنجاز حقيقي يستطيع تقديمه للإسرائيليين، بعدما تحولت الحرب من مشروع لإعادة رسم الشرق الأوسط إلى عبء سياسي يهدد مستقبله الداخلي.
ولذلك يبدو أن ترامب يحاول تعويض هذا الفشل عبر فتح باب “إنجاز” آخر لنتنياهو تحت عنوان توسيع اتفاقيات إبراهام، وكأن المطلوب منح رئيس الوزراء الإسرائيلي مكسبًا سياسيًا مجانيًا يعوضه عن حرب طويلة لم تحقق أهدافها، ويذهب بها إلى الانتخابات وهو لا يحمل في يده سوى الخراب والدمار وصور حرب انتهت بلا انتصار.
------------------------------
بقلم: محمد حماد






