03 - 06 - 2026

اللحظة الأمريكية وقلق الأفول

اللحظة الأمريكية وقلق الأفول

فوكوياما، الذي بشّر العالم يومًا بانتصار النموذج الأمريكي بوصفه نهاية التطور السياسي للبشرية، يعود اليوم ليبدو كمن يكتب شهادة التراجع لذلك النموذج نفسه؛ لا عبر أطروحة في الفلسفة السياسية هذه المرة، بل عبر تأملات رجل يرى بعينيه كيف بدأت صورة "الرجل الأخير" تتآكل، وكيف لم تعد واشنطن قادرة على فرض إرادتها بالصورة التي بدت حاسمة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

من ناحيتي، أرى أن من يعش السنوات العشر القادمة قد يشهد بوضوح أكبر ملامح عالم يتشكل على أنقاض اللحظة الأمريكية الأحادية؛ ليس لأن قوة أخرى ستبتلع الولايات المتحدة فجأة، بل لأن الصيغة التي صنعت التفوق الأمريكي نفسه بدأت تفقد قدرتها على إنتاج الهيمنة بالفاعلية القديمة

العولمة التي قادتها واشنطن صنعت في الوقت نفسه منافسين كبارًا، والتفوق العسكري تحوّل في كثير من الأحيان إلى مصدر استنزاف اقتصادي وسياسي، بينما لم تعد الليبرالية الغربية تملك ذلك البريق الذي جعلها تبدو، في التسعينيات، قدرًا نهائيًا للبشرية.

وأبادر بالقول إن دونالد ترامب ليس وحده مسؤولًا عن هذا التراجع، وإن كان أحد أكثر تجلياته صخبًا ووضوحًا، فالأزمة أعمق من رجل وأبعد من إدارة

الداخل الأمريكي نفسه يتغير؛ استقطاب سياسي حاد، وصراع حزبي يلتهم ما تبقى من الثقة بالمؤسسات، وتبدل متسارع في نظرة الأجيال الجديدة إلى دور الولايات المتحدة في العالم، وإلى العلاقة الخاصة مع إسرائيل التي ظلت لعقود إحدى الثوابت شبه المقدسة في السياسة الأمريكية.

وللمرة الأولى منذ زمن طويل، لم يعد الانحياز الكامل لإسرائيل ضمانة تلقائية للشعبية داخل المجتمع الأمريكي، بل باتت الأصوات الناقدة لها أكثر حضورًا وتأثيرًا، حتى إن ترامب نفسه أشار صراحة إلى هذا التحول حين قال إن مهاجمة إسرائيل أصبحت تمنح أصحابها شعبية لدى قطاعات واسعة من الأمريكيين.

ربما كانت الولايات المتحدة، في مراحل سابقة، قادرة على تجديد نفسها مع كل أزمة كبرى عبر تداول السلطة بين الحزبين الكبيرين وإعادة إنتاج التوازن الداخلي

لكن ما يجري اليوم يبدو أعمق من مجرد أزمة حكم أو خلاف حزبي عابر؛ إذ تبدو الصيغة السياسية التي أدارت القوة الأمريكية لعقود طويلة وكأنها تفقد تدريجيًا قدرتها على احتواء التناقضات الجديدة داخل المجتمع الأمريكي وخارجه.

ولهذا قد لا تكون المسألة أن واشنطن تتجه إلى السقوط كعاصمة لقوة كبرى، بل أنها لم تعد قادرة على البقاء العاصمة الوحيدة التي تحتكر تعريف النظام الدولي وتحديد اتجاهاته

ما يتشكل الآن هو عالم تتراجع فيه الولايات المتحدة من موقع الدولة الأعظم المنفردة بالقيادة، إلى موقع قوة عظمى بين قوى ومراكز دولية متعددة.

وبعد عشر سنوات سيقولون: البداية كانت من طهران.
--------------------------
بقلم: محمد حماد


مقالات اخرى للكاتب

بين جزيرتين: من حلم هكسلي إلى عالم إبستين