بقلم: ليانغ سوو لي
في عام 1956، اتخذت مصر قرارًا دبلوماسيًا اتسم ببعد نظر تاريخي حين أصبحت أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وقد جاء هذا القرار في مرحلة كانت الحرب الباردة فيها تتشكل تدريجيًا، بينما لم تكن المنظومة الاستعمارية قد انهارت بالكامل بعد. لذلك، لم يكن التقارب بين بكين والقاهرة مجرد إقامة علاقات ثنائية، بل عكس أيضًا التطلعات المشتركة للدول النامية في العالم نحو الاستقلال الوطني وصون الكرامة والسيادة. ومنذ ذلك الحين، تحولت العلاقات الصينيةالمصرية إلى رمز مهم للتضامن والتعاون بين دول الجنوب العالمي.
وتتقاسم الصين ومصر إرثًا حضاريًا عريقًا؛ فكما أن نهر النيل أنجب واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية، فقد احتضن النهر الأصفر بدوره جذور الحضارة الصينية القديمة. هذا العمق الحضاري منح البلدين وعيًا راسخًا بأهمية الحفاظ على استقلالية مسارات التنمية الخاصة بهما. وخلال خمسينيات القرن الماضي، ومع تصاعد حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا، برز البلدان كصوتين داعمين للتحرر والاستقلال. ففي مؤتمر باندونغ عام 1955، رفعت الصين ومصر معًا شعار مناهضة الاستعمار والسعي إلى الاستقلال، ليتحول مفهوم "التضامن الآسيوي الإفريقي" من مجرد فكرة سياسية إلى ممارسة واقعية. ثم جاء موقف الصين الداعم لمصر خلال أزمة السويس ليؤسس لثقة سياسية عميقة بين البلدين، ويمنح العلاقات الصينية المصرية بُعدًا تاريخيًا يرتبط بجوهر تعاون الجنوب العالمي.
ومع دخول العلاقات الثنائية مرحلة جديدة من التطور، شهد عام 2014 إقامة شراكة استراتيجية شاملة بين البلدين، ما فتح الباب أمام مرحلة أكثر مؤسسية وتنظيمًا في التعاون الثنائي. وفي إطار المواءمة بين مبادرة "الحزام والطريق" و"رؤية مصر 2030"، توسع التعاون الصيني المصري من نطاق التبادل التجاري التقليدي إلى مجالات أعمق تشمل التنمية الصناعية، وبناء البنية التحتية، وتعزيز القدرات التنموية.
وقد أصبحت منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية "تيدا" في مصر نموذجًا واضحًا لهذا التحول، بعدما استقطبت أكثر من 200 شركة وأسهمت في دعم التصنيع المصري وتعزيز الاقتصاد الموجه للتصدير. كما باتت منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة أحد أبرز رموز التحديث العمراني في مصر.
وفي قطاع البنية التحتية، شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشروعات الكهرباء وسكك حديد خفيفة وشبكات الاتصالات والطاقة الجديدة، بما عزز القاعدة الصناعية المصرية ورفع قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات.
وفي الوقت نفسه، واصل البلدان توسيع برامج التدريب ونقل التكنولوجيا، ما أسهم في إعداد أعداد كبيرة من الكفاءات المصرية في مجالات التكنولوجيا والهندسة والإدارة. ومن هنا، لم يعد التعاون بين البلدين قائمًا على تنفيذ المشروعات فقط، بل أصبح يركز بصورة متزايدة على بناء القدرات الذاتية وتحقيق التنمية المستدامة طويلة المدى.
ويحظى هذا النموذج من التعاون باهتمام متزايد من الدول النامية في العالم، لأنه يقوم على مبادئ الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وهو نهج يختلف عن بعض أنماط التعاون التي تربط الشراكات بشروط سياسية أو بمحاولات فرض نماذج وقيم بعينها، الأمر الذي دفع كثيرًا من دول الجنوب العالمي إلى إعادة التفكير في مفهوم العدالة والاستدامة في العلاقات الدولية.
وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، وتصاعد النزعات الأحادية والحمائية، واتساع فجوة الحوكمة العالمية، تتقارب مواقف الصينومصر بصورة متزايدة بشأن قضايا النظام الدولي والتعددية. فالبلدان يدعمان الحفاظ على النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة، ويدعوان إلى بناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدالة وتوازنًا. وفي القضية الفلسطينية، تتمسكان بالدعوة إلى وقف إطلاق النار، ودفع الحل السياسي على أساس "حل الدولتين"، بما يعكس تمسكهما المشترك بمبادئ العدالة الدولية.
وعند النظر إلى مسيرة العلاقات الصينية المصرية خلال سبعة عقود، يتضح أن أهميتها تجاوزت إطار العلاقات الثنائية التقليدية. فمن الحوار الحضاري إلى التعاون التنموي، وصولًا إلى التقارب في الرؤى الدولية، تقدم هذه العلاقة نموذجًا مختلفًا عن منطق الصراع والمنافسة بين القوى الكبرى. فهي تؤكد أن الدول، مهما اختلفت حضاراتها أو مراحل تطورها، قادرة على بناء شراكات مستقرة وطويلة الأمد تقوم على المساواة والاحترام والتنمية المشتركة.
ومن الأهرامات إلى سور الصين العظيم، ومن نهر النيل إلى النهر الأصفر، قطعت العلاقات الصينية المصرية مسيرة تمتد لسبعين عامًا، كانت امتدادًا للتاريخ، وتجسيدًا للواقع، وانطلاقة نحو المستقبل. ومع الصعود المتزايد لدول الجنوب العالمي، ستواصل الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر تقديم نموذج ملهم للدول النامية في مسارات التحديث والتنمية، والإسهام في بناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازنًا.
…………………………………
بقلم ليانغ سوو لي
إعلامية صينية






