(المقال الإبداعي والعميق عن الخروج من سوق العمل يقدّم نموذجًا للتفكير المتأمل القادر على إثارة أسئلة جوهرية، قد تكون الإجابة عنها شديدة الصعوبة، لكنها تحتاج بالفعل إلى ذلك النوع من الفكر الثاقب الذي يتمتع به الكاتب.
حيث يبرز التساؤل المهم حول التحول التدريجي في تفكير الإنسان؛ من الميل إلى المغامرة والمجازفة في بدايات العمر، إلى التفكير المحافظ كلما ازدادت الخبرة والقدرة والمكانة. فضلاً عن طرح سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بمستقبل سوق العمل، وكيف سيتفاعل البشر مع التحولات التكنولوجية المتسارعة. وقد كانت الملاحظة الذكية للغاية المتعلقة بالخيول لافتة؛ إذ لم يكن لها أي دور أو قدرة على التأثير عندما انتقل الجر من الخيل إلى الآلة، بينما قد يمتلك البشر هذه المرة القدرة على التأثير في مسار التحول ذاته.
وهذا التصور يذكّر بما أتاحته التكنولوجيا الحديثة من إمكانات هائلة في مجالات الاستنساخ والتحكم الجيني، وإمكانية إنتاج ما يشبه "الإنسان الخارق"، وكيف تم تقييد هذه التكنولوجيا عبر قواعد وضوابط منظمة لمنع انفلات الأمور وحدوث ما يمكن تسميته بـ "الطفرات الجينية غير المنضبطة".
ومع ذلك، يبقى هناك سؤالان أساسيان يفرضان نفسيهما.
أما بالنسبة للسؤال الأول، فأعتقد أنه من الطبيعي أن يكون الإنسان أكثر استعدادًا لقبول الفشل والمغامرة حين لا يكون لديه الكثير ليخسره. أما مع تزايد الثروة، والسمعة، والمصداقية، فإن الميل إلى الحذر يصبح أكبر. وربما يرتبط ذلك أيضًا بعوامل بيولوجية؛ إذ يبدو أن الإنسان، مع التقدم في العمر، يصبح أكثر حرصًا وأقل ميلًا للمخاطرة. ومن هنا تنبع دائمًا أهمية فكرة "تطعيم" الإدارة بالشباب، وألا تقتصر القيادة على كبار السن من أصحاب الخبرة الرفيعة فقط، وإلا تحولت المؤسسات تدريجيًا إلى كيانات محافظة تسعى بالأساس إلى الحفاظ على المكتسبات القائمة، مع تراجع قدرتها على استشراف الفرص أو حتى المخاطر المستقبلية، كما حدث في مراحل تاريخية عديدة أثناء الثورات والتحولات الكبرى.
لكن يبقى التحدي الحقيقي هو: ما مقدار التوازن المطلوب بين حيوية الشباب وخبرة الشيوخ داخل منظومة القيادة؟ وما المعايير التي يجب أن تحكم هذا الاختيار؟
أما سؤال مستقبل سوق العمل، فهو أكثر صعوبة وتعقيدًا، خصوصًا فيما يتعلق بتأثيره على توزيع الثروة داخل المجتمع، وما قد يترتب عليه من آثار سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. فالإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا اليوم تبدو شبه غير محدودة، لكن يظل هناك دائمًا ما يسمى بالمسؤولية القانونية والإنسانية.
فعلى سبيل المثال؛ إذا تسببت سيارة ذاتية القيادة في حادث، فمن يتحمل المسؤولية؟ هل مالك السيارة، أم الشركة المصُنعة؟، أم الجهة المشغلة لنظام المعلومات؟
كذلك تبرز مخاطر الهجمات السيبرانية، التي قد تؤدي إلى تعطّل كامل للمنظومة. ففي الماضي كنا نتحدث عن تصميم النظم وفق معيار (n-1)، أي قدرة المنظومة على الاستمرار في العمل عند تعطل أحد مكوناتها، أما اليوم فقد أصبح هذا المفهوم أقل كفاية في ظل احتمالية تعطل المنظومة بأكملها نتيجة هجوم سيبراني شامل.
وقد يكون كل ما نطرحه مجرد حجج يستخدمها البشر للدفاع عن استمرار دورهم، وربما تكون التكنولوجيا نفسها قادرة مع الوقت على تقديم حلول لهذه الإشكاليات. لكن المؤكد أننا بحاجة إلى المزيد من النقاش العميق حول هذه الأسئلة، خاصة داخل مراكز الفكر المستقبلية، من أجل إعداد المجتمعات لما هو قادم.
وأكرر خالص الشكر والتقدير على هذه الكتابات الثرية، التي يندر وجود هذا المستوى من العمق الفكري والقدرة على إثارة التساؤلات فيها داخل الكتابات العربية.)، تعقيب الأستاذ الدكتور حافظ السلماوي على مقال (الخروج البطيء من سوق العمل)، المنشور في هذه الزاوية.
تعقيب ثري رفيع المستوى، يُعطي للمقال أبعادًا جديدة، ويطرح أسئلة في العلاقة بين الإنسان والآلة تستثير الفكر في موضوع لا يكتفي بإلقاء الظلال على حياتنا، بل بتأثيراته المباشرة والمؤثرة والفاعلة في التحولات القادمة.
----------------------------------
بقلم: د.م. محمد مصطفى الخياط






