26 - 05 - 2026

حين تتحول الإنسانية إلى مسرحية علنية

حين تتحول الإنسانية إلى مسرحية علنية

لم تعد المشكلة في غياب الحقيقة، بل في كثرة من يزيّفونها حتى أصبحت الأكاذيب تُقدَّم للناس على أنها فضيلة، وأصبح التناقض أسلوب حياة يُمارَس بكل ثقة، دون خجل… ودون حتى محاولة للاختباء.

نعيش زمنًا غريبًا، زمنًا يتحدث فيه الجميع عن الإنسانية بينما تُهان الإنسانية كل يوم.

يتحدثون عن العدالة، بينما تُوزَّع الحقوق وفق النفوذ والمصلحة والولاء.

يتحدثون عن الحرية، لكنهم يرتبكون أمام أي صوت حر لا يصفق لهم.

يريدون حرية على مقاسهم، وعدالة تخدمهم، وإنسانية تُستخدم عند الحاجة فقط.

أصبحنا نرى مشهدًا مكررًا بشكل مؤلم:

أشخاص ومنصات ومؤسسات يرفعون شعارات الرحمة والعدل، لكنهم أول من يمارس الإقصاء والتشويه والقسوة حين تختلف معهم.

صار البعض يتعامل مع المبادئ وكأنها ملابس رسمية تُرتدى أمام الكاميرات، ثم تُخلع فور انتهاء العرض.

كم من إنسانٍ جرى سحقه فقط لأنه قال الحقيقة؟ وكم من صاحب رأي تم تشويهه لأنه رفض أن يكون تابعًا؟ وكم من أصحاب ضمير حقيقي دفعوا الثمن وحدهم، بينما يجلس أصحاب الشعارات في الصفوف الأولى يتحدثون عن الأخلاق؟

المؤلم أن التزييف لم يعد استثناءً… بل أصبح جزءًا من المشهد العام.

صرنا نعيش واقعًا يُكافَأ فيه المنافق لأنه يجيد الكلام، ويُحارَب فيه الصادق لأنه يقول ما لا يريد الآخرون سماعه.

حتى الإنسانية نفسها أصبحت انتقائية. يبكون على ضحية هنا، ويتجاهلون ألف ضحية هناك. يغضبون حين تخدمهم القضية، ويصمتون حين تهدد مصالحهم.

أي عدل هذا؟ وأي ضمير بقي في عالمٍ يقيس المأساة بالأسماء والانتماءات والمكاسب؟

الحرية التي يتحدثون عنها ليست حرية حقيقية، بل حرية مشروطة بالطاعة.

إذا وافقتهم فأنت حر، وإذا خالفتهم أصبحت متهمًا ومزعجًا وخطرًا يجب إسكات صوته.

لقد أصبح الخوف من الرأي المختلف أكبر من الخوف من الظلم نفسه. وأصبح كثيرون يفضلون التصفيق للكذب، فقط لأن قول الحقيقة صار مكلفًا.

لكن الحقيقة مهما حاصروها لا تموت. قد تتأخر، قد تُشوَّه، قد يحاول البعض دفنها تحت الضجيج، لكنها تعود دائمًا… لأن الزيف لا يصمد طويلًا.

الواقع اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب الرنانة، ولا إلى وجوه تتاجر بالقيم، بل يحتاج إلى شجاعة حقيقية. شجاعة أن تقول كلمة حق دون حسابات، أن تنصف المظلوم حتى لو لم يكن قريبًا منك، أن تدافع عن الحرية حتى لمن يختلف معك، وأن تكون إنسانًا في كل الظروف، لا حسب المصلحة.

لقد تعب الناس من الأقنعة. تعبوا من الوعود التي لا تُنفذ، ومن المبادئ التي تتغير حسب الاتجاه، ومن أولئك الذين يطالبون الآخرين بالأخلاق بينما لا يطبقون منها شيئًا على أنفسهم.

الحقيقة الواضحة التي لم يعد أحد قادرًا على إنكارها:

أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الفقر ولا الأزمات فقط، بل سقوط المعايير، حين يصبح الكذب مهارة، والنفاق ذكاء، والصمت عن الظلم نوعًا من الحكمة.

حينها تتحول الإنسانية إلى شعار فارغ، ويتحول العدل إلى لافتة، وتتحول الحرية إلى كلمة جميلة بلا روح.

ورغم كل هذا، سيبقى هناك من يرفض الانحناء، من يؤمن أن الكرامة ليست رفاهية، وأن الحق لا يحتاج إلى إذن، وأن الإنسان الحقيقي لا يبيع ضميره مهما كانت المغريات أو الضغوط.

لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحمى بالمنافقين، ولا تتقدم بمن يزينون الواقع خوفًا أو طمعًا.

الأوطان تُبنى بالصدق، بالعدل، وبالناس الذين لا يبدّلون مبادئهم كلما تغيّرت المصالح.

وفي النهاية… سيظل السؤال الذي يطارد الجميع: كيف تتحدثون عن الإنسانية… وأنتم أول من يقتل معناها كل يوم؟
------------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

حين تتحول الإنسانية إلى مسرحية علنية