لم يكن البيان المطول الذي أطلقه دونالد ترامب عبر منصته "تروث سوشال" مجرد زلة لسان لدبلوماسية مرتجلة، بل كان وثيقة سياسية كاشفة لآليات "صناعة الوهم" في أروقة القرار الأمريكي. في هذه الوثيقة، يمارس الرئيس الأمريكي استعلاءً إمبراطوريًا يكاد يكون غير مسبوق في التاريخ الحديث، حيث يفرض "أوامر إلزامية" بالانخراط الجماعي في "اتفاقيات أبراهام" كشرط لوقف الحرب في المنطقة. لكن المفارقة الصارخة والعار الأكبر الذي يتجلى بين سطور هذا البيان، هو أن واشنطن وتل أبيب تحاولان انتزاع نصر سياسي مطلق على رقاب العواصم العربية والإسلامية، في الوقت الذي تجر فيه آلة الحرب الإسرائيلية أذيال الخيبة والعجز عن تحقيق أي من أهدافها العسكرية الإستراتيجية.
1. قراءة في العقلية واللغة: الإملاء والغطرسة كبديل عن الإنجاز
من الناحية السيكولوجية والسياسية، يعكس الخطاب ذهنية "رجل العقارات" الذي يدير العلاقات الدولية بمنطق الابتزاز والصفقات القسرية. استخدام ترامب لمصطلحات مثل "إلزامي" (Mandatory) و**"سوء نية"** لمن يرفض التوقيع، يُسقط السيادة الوطنية للدول المخاطَبة تمامًا.
إن هذا الأسلوب الفوقي يعيد إلى الأذهان معاهدات الإخضاع التاريخية، لكن بفارق جوهري وصادم: في الماضي، كانت القوى المنتصرة تملي شروطها على الدول المهزومة؛ أما هنا، فإن أمريكا وإسرائيل - اللتين استنزفتا مخازن سلاحهما وهيبتهما الإستراتيجية على مدار أشهر من الصراع دون حسم - تمليان شروط الاستسلام على جبهة "المتفرجين" والوسطاء العرب، وليس على جبهة المقاتلين.
2. الابتزاز بالخراب: التطبيع أو إحراق الخليج
في أخبث مضامين هذا الخطاب، يطرح ترامب معادلة صفرية مرعبة: إما التوقيع الفوري على اتفاقيات التطبيع، أو العودة إلى ساحة المعركة "بشكل أكبر وأقوى من أي وقت مضى". هذا التهديد بتوسيع رقعة الحرب ليس موجهاً لإيران فحسب، بل هو موجه بالأساس إلى حلفاء أمريكا في المنطقة.
ترامب ونتنياهو يعلمان علم اليقين أن اندلاع حرب إقليمية شاملة سيدفع طهران - كخيار انتقامي حتمي - إلى تدمير البنية التحتية، وموارد الطاقة، وعصب الحياة الاقتصادية في دول الخليج. وهنا تتجلى ذروة الانحطاط السياسي؛ فالإدارة الأمريكية وإسرائيل تستخدمان سيناريو "الدمار الخليجي الشامل" كسلاح لترويع وابتزاز دول تظن أنها حليفة لواشنطن.
الأدهى من ذلك، أن هذا الخراب الموعود قد يكون هدفاً مبطناً يسعى إليه التحالف الأمريكي-الإسرائيلي؛ فإخراج مقدرات الخليج من المعادلة، وتدمير ثرواته، يضمن تحويل إسرائيل إلى القوة الاقتصادية والمهيمنة الوحيدة بلا منازع، ويُبقي العرب في حالة ارتهان وضعف لعقود قادمة. أن يُهدد الحليف بإحراق دارك إذا لم توقّع على صك خضوعك، هو أحقر ما أنتجته السياسة الدولية الحديثة.
3. المفارقة الإستراتيجية: عجز عسكري يتحول إلى بلطجة سياسية
تكمن المفارقة التاريخية في المقارنة الإستراتيجية بين سلوك الأطراف المتصارعة:
إيران وحزب الله: تعرضت البنية التحتية القيادية والعسكرية لإيران وحزب الله لضربات واغتيالات وتدمير هائل، ومع ذلك، لم توقّع طهران صك استسلام، ولم يتراجع حزب الله عن فرض معادلاته الميدانية. لقد أثبتت جبهة المقاومة رغم فداحة خسائرها البشرية والمادية أنها لا تقبل الإملاءات.
المقاومة في غزة: رغم الإبادة الجماعية والتدمير الشامل الذي لحق بالقطاع، عجزت إسرائيل عن انتزاع مشهد استسلام واحد من حماس، أو تفكيك إرادتها السياسية، ليسقط شعار "النصر المطلق" الذي تبناه بنيامين نتنياهو ميدانيًا.
المنظومة العربية المهرولة: في المقابل، تُدفع عواصم عربية لم تطلق رصاصة واحدة، ولم تتعرض لحصار أو تدمير، لقبول شروط إذلال وتطبيع مجاني تحت وطأة التهديد. يسعى ترامب إلى تحويل صمود المقاومة وعجز إسرائيل إلى "جسر عبور" يُحقق من خلاله حلم مجرم الحرب نتنياهو بـ "النصر المطلق"، ليس بحد السيف في الميدان، بل عبر حبر التوقيعات العربية المرتعشة.
4. الداخل الأمريكي: استغراب من "سينما" ترامب السياسية
حتى من داخل الولايات المتحدة، لم يمر هذا البيان دون انتقاد. تشير التقارير والتسريبات من واشنطن إلى حالة "الصمت المطبق والمحرج" التي سادت بين الزعماء خلال طرح هذا المطلب الإلزامي. يرى المحللون الأمريكيون أن ترامب، المحاصر بضغوط داخلية وتعقيدات تفاوضية، يلجأ إلى تصدير الأزمات عبر "بروباغندا" تظهره بمظهر الإمبراطور المخلص. إنها محاولة مكشوفة لبيع الوهم للناخب الأمريكي والتغطية على الفشل الإسرائيلي في حسم المعركة.
5. السنن الكونية: عدالة السماء تخذل من خذل فلسطين
إن المشهد في عمقه يتجاوز التحليل السياسي ليدخل في باب السنن الكونية. عندما تقاعست المنظومة الرسمية العربية عن نصرة غزة، وشاركت بالصمت أو الحصار في خذلان الشعب الفلسطيني، سلّط الله عليها من يسومها سوء العذاب السياسي.
لقد جاءهم رئيس مهووس بالغطرسة، ليواجههم بحقيقتهم في بيان علني مخزٍ، يضع كرامتهم على المحك. إنه تجسيد للمقولة: "من أعان ظالماً سُلِّط عليه". فمن خذل دماء الأطفال والنساء في فلسطين طمعاً في الحماية الأمريكية، خذله الله بأن جعل هذه الحماية نفسها أداة لابتزازه وإذلاله وإجباره على التنازل عن سيادته.
أي عار نحن فيه؟
إن قبول الأوامر من دولة استنزفت هيبتها الردعية في الشرق الأوسط هو العار الأكبر. إذا مررت العواصم العربية هذا البيان وهذا التهديد المبطن بإحراق مقدراتها دون رد حاسم وسيادي، فإنها لا توقّع على "اتفاقيات سلام"، بل توقّع على وثيقة "انتداب أمريكي جديد". إن التاريخ لن يرحم، والذاكرة ستحتفظ بأن غزة المحاصرة والمجوعة بقيت عزيزة لم تركع، بينما عواصم الثروات والجيوش النظامية ركعت أمام بيان نُشر على منصة رقمية، يُخيرهم بين الخضوع المطلق، أو إشعال النيران في عقر دارهم خدمةً لمجرمي الحرب في تل أبيب.
-------------------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري







