28 - 05 - 2026

أكلتُ عند زميلي

أكلتُ عند زميلي

 أتى علينا حينٌ من الدهر كنا نلتهم فيها الورق التهامنا للحوم النادرة على موائدنا، ثم أتى حينٌ آخر كنا نستمع بشغف للعلماء وهم يتحدثون عن الذاكرة الخطيرة في الحروب، وكيف أن العلماء الأمريكيون طوروا أشعة معينة يمكنها تصوير أشياء وأحداث في الليل تدلهم على الأعداء وتحركاتهم، ثم يتمُّ عرضها لاحقاً، وهذا الاختراع جعل علماء المسلمين يقولون بإمكانية استنساخ أعمال الناس وعرضها يوم القيامة، تصديقاً لقوله تعالى:"وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)(الجاثية: 28-29)

وقد مرت عليَّ لحظاتٌ كثيرةٌ لا يمكنني أن أظلَ محتفظاً بأحداثها كلها، فمن من بني الإنسان يمكنه تذكر وقائع يومه بكافة ملامحها؟ ثم مع ها التراكم الهائل للأيام لابد أن يُنسي بعضها بعضاً.

لكن الثابت أن الذاكرة تحوي كل شيء، ويبقى التحدي الهائل في إمكانية استرجاع هذه الأمور.

لذا فور أن جاءني نبأ موت الدكتور عماد في الصباح الباكر، قفزت إلى الذاكرة الكثير من المواقف التي جمعتني به عبر أكثر من أربعة عقود كاملة هي تاريخ معرفتي به، كان زميلاً لأخي الأكبر، وصديقاً للأسرة كلها، وكثير الزيارات لبيتنا، ونحن نزوره، ونلتقي في المناسبات كافة، وكنتُ من الساعين مع والدي في زيجته من قريبتنا، ولكن رغم هذا الازدحام الشديد للمواقف، نحَّت ذاكرتي كلَ هذا وأوقفتني في ليلة شاتية، كنا نجتمع حول المائدة ووضعت أمي الكثير من اللبن بعد غليه على الأرز الأبيض، وبجانبه طبق مخلل، وكان أخي الأكبر يجلس جوارنا يقرأ، فقالت له أمي: انزل تعشى معنا.

فقال لها: أكلتُ عند زميلي عماد.

فوافقته أمي.

كانت الإجابة بسيطة، وهادئة، فقد تناول من الطعام ما كفاه ليلته، لاحقاً كان أمر تناوله الطعام عند زميله أمراً مألوفاً، بل ربما لا يزوره إلا ويتناول عنده الطعام.

وكانت هذه اللقيمات البسيطة مما يوثق عرى الصداقة والألفة والمحبة، ويجعل الزميل صديقاً للأسرة كلها.

ولقد تناول الطعام عندنا مئات المرات، لكن كل مرة كان يأكل فيها عندنا، كان هو المتفضل علينا، وآخر مرة كان عائداً من خطبة الجمعة في بلدة قريبة، التقيته، أوقف سيارته، سألني عن أخي الأكبر، أخبرته أنه في البيت، فقال: هل يمكننا أن أراه الآن؟

قلت: وتتفضل علينا بتناول الغداء معنا.

فأدار السيارة، وعاد معي لتناول الغداء معنا.

كانت حياته بسيطة وسهلة للغاية.

اليوم ملأ نبأُ موته ورحيله وانتقاله وغيابه الفضاءَ، وزادوا فقالوا: العزاء قاصر على تشييع الجنازة.

حين وقفت على نعشه لأودعه، رأيتني أبكيه، أو أبكي الماضي كله فيه، أيغيب عنا ولا يعود إلينا؟ تغيب هذه البشاشة والبساطة واليُسر؟

يقولون إن مات كلبُ العمدة، يأتيه الناس جميعاً للتعزية في الكلب، وإن مات العمدة ذاته لا يأتي أحد، أما جنازته فقد كانت شعبية وكل الناس تربطهم به أواصر صداقة حقيقية، كلهم جاء وفاءً وتقديراً وعرفاناً بفضل أسداه يوماً إليه، كلهم مدينٌ له بشيءٍ، وربما يكون مالاً أو سؤالاً أو مواساة أو مجرد ابتسامة هادئة تزرع الأمل في النفس وتنزع اليأس والقنوط من الجذور.

أكلتُ عند زميلي.

عبارة قالها أخي منذ أربعة عقود، قد أوجدت في نفسه شِبعاً من الطعام، وزرعت في نفسه قيمة العطاء.

لعل أخي الأكبر لا يذكرها، لكني لا أنساها؛ أعطتني ثقة في الإنسان.

توطدت صداقة الأسرتين، ولما كنت في الثانوية العامة، كان شقيقه الصغير الطالب في كلية الألسن جامعة عين شمس يزور أخي الأكبر، وجدني أذاكر اللغة الإنجليزية، فساعدني أكثر من ساعتين، ثم طلب أخي طعاماً بعد هذا المجهود، فقمت وأعددت خبزاً وجبناً وخضاراً، ودون كلمة من أخيه الصغير مدَّ يده، شاركنا طعامنا البسيط، كان مبتهجاً، وكان في الطعام بركة عظيمة.

لما خرج من عندنا كنتُ محرجاً، فسألت أخي: ألم يجدر به أن يخبرنا عن جوعه لأجهز طعاماً أفضل؟

قال: هو لا يجوع، ويرضى بكل شيء.

محظوظون نحن الذين وجدنا إخوة كبار يغرسون قيماً عظيمة نقتات عليها إنسانيتنا، وننجو بها من الموج المتلاطم الذي لا يهدأ.

أكلتُ عند زميلي، قفزتْ من الذاكرة؛ لتؤكد قيمة الطمأنينة والأنس، وتعمق عطاء الإنسان للإنسان، وتزرع إيماناً بالعطاء وتخليداً للصداقة.

رحم الله هذا الصديق الأغر، الذي حيَّرني اليوم بتلك اللقطة البعيدة، لكني أواسي النفس بأن الذاكرة أبتْ إلا أن تستحضر موقفاً كان غائباً فيه عني، بل لم أكن رأيته ولا عرفته قبلها، واستبعدت كل مواقفي ومناقشاتي وحواراتي معه، ربما يؤكد هذا كله أن الغياب الجسدي شيءٌ هامشيٌ في العلاقات العميقة، وأن العطاء له قيمة أكثر من الأخذ وأن الإنسان حاضر مهما غاب.
-------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش

مقالات اخرى للكاتب

أكلتُ عند زميلي