17 - 07 - 2026

سوف تظل فلسطين.. البوصلة واليقين

سوف تظل فلسطين.. البوصلة واليقين

في لحظات التحول الكبرى التي تشهدها الجغرافيا السياسية العالمية، وبينما تعيد القوى الدولية والإقليمية رسم تحالفاتها وتوازناتها، يبرز السؤال الأزلي حول القضايا التي تملك قدرة الصمود في وجه التعرية الزمنية والسياسية.

فمنذ ما يقرب من مائة عام ، مراراً وتكراراً، راهنت مشاريع الهيمنة على عامل الوقت لإذابة الهوية الفلسطينية وتحويل القضية من حكاية شعب وأرض إلى مجرد ملف إنساني أو عبء ديبلوماسي يُناقش في أروقة المنظمات الدولية.

بيد أن القراءة العميقة لمسار التاريخ، وصولاً إلى حروب العصر الراهن والمخاضات العسيرة التي تعيشها المنطقة اليوم، تؤكد حقيقة بنيوية واحدة ، سوف تظل فلسطين هي البوصلة ومحور اليقين السياسي والأخلاقي.

لم تكن فلسطين يوماً مجرد بقعة جغرافية محصورة بين النهر والبحر، بل كانت دائماً المركز العصبي للشرق الأوسط.

عندما سقطت الدولة العثمانية، دُفعت فلسطين إلى عين العاصفة الاستعمارية عبر هندسة "وعد بلفور" وصدمة الانتداب، لتبدأ مواجهة شرسة ضد مشروع إحلالي ركيزته إلغاء الآخر.

ومع توالي العقود، من النكبة والنكسة إلى منزلقات الاتفاقيات السياسية والاتفاقات الإطارية التي حاولت احتواء الحق الفلسطيني ضمن معازل جغرافية وإدارية، أثبت الواقع أن "الهندسة القسرية" للسلام لا تصنع استقراراً.

إن حروب العصر الراهن، وما تحمله من كلفة إنسانية باهظة وتدمير ممنهج، جاءت لتعيد التذكير ببديهية سياسية غيبتها أوهام "السلام الاقتصادي" والتطبيع المجاني ؛ لا يمكن الوصول إلى أمن إقليمي مستدام دون حل العقدة التأسيسية للمنطقة، وهي قضية فلسطين.

ونظراً لما يمر به العالم اليوم من "السيولة الاستراتيجية"؛ حيث تتآكل نظم القطبية الأحادية، وتتداخل الخطوط الفاصلة بين المحاور الدولية، وتتحول رقعة الشطرنج العالمية إلى صراع نفوذ شرس يمتد من شرق أوروبا إلى مضائق الملاحة الدولية. في وسط هذا الضجيج، تحاول خطابات إعلامية وسياسية متعددة إزاحة القضية الفلسطينية عن صدارة المشهد، أو تصويرها كمعركة ثانوية في صراع قوى كبرى.

لكن اليقين السياسي يتجلى في كون فلسطين هي "الفلتر" الذي ينكشف من خلاله زيف الخطاب الدولي بشأن حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، والقانون الدولي. إنها البوصلة التي تصحح اتجاه الوعي الشعبي والنخبوي، فكلما اعتقد المخططون الاستراتيجيون أن الملف قد أُغلق بفعل الحصار، أو التهويد، أو الاستيطان، تُعيد الأرض ولادة ديناميكيات جديدة تفرض حضورها على طاولة صناع القرار في واشنطن، وعواصم الغرب، ومراكز القرار الإقليمي.

إن المحصلة السياسية لحروب العصر الراهن، رغم مآسيها، تقود إلى استنتاج استراتيجي حتمي وهو العجز عن الإلغاء.

إن الجيل الذي يواجه آلات الحرب اليوم هو جيل يعيش في عصر الذكاء الاصطناعي والتدفق المعلوماتي، ورغم ذلك، لم تفلح حداثة العصر ولا ضغوط الواقع العنيف في فصله عن إرث أجداده الذين عايشوا النكبة الأولى.

هذا التوارث العابر للأجيال يحوّل فلسطين من قضية سياسية خاضعة للمساومات والتنازلات، إلى ثابت وجودي. فالشعوب قد تنكفئ تكتيكياً تحت وطأة الخلل الهائل في موازين القوى، لكنها لا تتنازل عن وعيها بذاتها وبحقها التاريخي.

ولا يمكن قراءة مستقبل المنطقة بمعزل عن هذا اليقين. إن أي هندسة أمنية أو سياسية تحاول دول كبرى فرضها في العصر الراهن ستبوء بالفشل طالما استمرت في تجاهل جوهر الصراع.

سوف تظل فلسطين هي المبتدأ والمنتهى؛ المبتدأ لأن من عندها انطلقت معادلات الصراع والتوازن منذ انهيار النظام الإقليمي القديم بعد الحرب العالمية الأولى، والمنتهى لأن أي استقرار حقيقي، وأي صياغة لمستقبل مشرق لشعوب هذه المنطقة، لن يمر إلا عبر بوابة العدالة الناجزة للشعب الفلسطيني واستعادة حقوقه المشروعة.

إنها حتمية التاريخ، ويقين الجغرافيا، وبوصلة كل من ينظر إلى السياسة بعين الحكمة والاستشراف الدقيق.

"فلسطين يقين الذاكرة وحتمية الوجود"
--------------------------------
بقلم: حاتم نظمي


مقالات اخرى للكاتب

كيف تحولت أموال المسلمين إلى