15 - 05 - 2026

فلسطين من جراح النكبة إلى مخاض الدولة | "إتفاقية أوسلو بين البندقية والدبلوماسية"

فلسطين من جراح النكبة إلى مخاض الدولة |

تأتي ذكرى النكبة هذا العام في ظروف معقدة محلياً وإقليمياً

فبعد مرور 78 عاما  (15 - 5 - 1948 \ 15 - 5 - 2026) مازال الواقع على الأرض مخُتلفا على رؤيته وتأويله، وبين ضفتي السنوات هناك حدث هو الأبرز في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المعاصر من حيث إرباك المشهد في صفوف العدو والصديق ، ومازال المشهد مرتبكاً أمام البعض من الطرفين وهو إتفاقية أوسلو (1993) حيث تُعتبر المنعطف الأوضح والأهم. فهناك من رآها خطوة أولى نحو الدولة، واعتبرها آخرون فخاً سياسياً أدى إلى تآكل المشروع الوطني.

لتتبع هذا المسار التاريخي الطويل والمعقد، يجب أن نقف وننظر إلى محطات لمفصلية شكلت الواقع الفلسطيني، وكيف تحولت الاستراتيجيات من الصدمة والشتات، إلى الكفاح المسلح، ثم إلى الدبلوماسية و بناء الدولة.

على مدار أكثر من سبعة عقود، لم تكن القضية الفلسطينية مجرد ملف سياسي يُتداول في أروقة الأمم المتحدة، بل شكلت ملحمة وجودية لشعب أُجبر على خوض أطول صراع في التاريخ الحديث.

من صدمة الاقتلاع الأول والشتات، مروراً بإرساء قواعد الكفاح المسلح، وصولاً إلى تعقيدات الدبلوماسية ومساعي بناء الدولة ، حيث تبدو الخريطة الفلسطينية اليوم كنص مفتوح يُكتب بالدم والتفاوض والتشبث بالأرض.

فكيف تحول الفلسطيني من صاحب أرض إلى"لاجئ" ينتظر الإغاثة، ثم إلى صانع قرار سياسي يبحث عن سيادة دولته؟

زلزال النكبة نقطة الصفر وتأسيس المأساة

بالطبع قبل سنوات عديدة من النكبة كان هناك إعداد وإستنفار من العدو على الأرض ولكن في عام 1948، لم تكن النكبة مجرد هزيمة عسكرية تقليدية أو تغيير للحدود، بل كانت اقتلاعاً ديموغرافياً وجغرافياً ممنهجاً ، أدت تلك اللحظة الفارقة إلى مسح أكثر من 500 قرية وبلدة، وتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين ليجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مجرد أرقام في مخيمات اللجوء. في تلك المرحلة، غابت الهوية السياسية الفلسطينية الموحدة لصالح صدمة البقاء، وأصبحت الجغرافيا الفلسطينية ممزقة بين دولة إسرائيل الناشئة، وإدارة أردنية للضفة الغربية، وأخرى مصرية لقطاع غزة...

"فتح" ومنظمة التحرير ، استعادة المبادرة والقرار المستقل

من رحم هذا الشتات، وفي ظل ارتهان القضية للتوازنات والوصاية العربية ، برزت الحاجة الملحة لبلورة كيانية وطنية مستقلة. ففي أواخر الخمسينيات، انطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، لتطلق رصاصتها الأولى، معلنةً تحولاً استراتيجياً الفلسطينيون سيأخذون زمام المبادرة عبر الكفاح المسلح.

تزامن هذا الحراك مع تأسيس "منظمة التحرير الفلسطينية" عام 1964، والتي سرعان ما انتقلت قيادتها إلى الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح بعد هزيمة عام 1967.

هذا التحول لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان إنجازاً سياسياً عميقاً؛ إذ تحولت المنظمة إلى "الممثل الشرعي والوحيد" للشعب الفلسطيني، منتزعةً القرار الوطني المستقل، وناقلةً القضية من مربع "اللاجئين" إلى مربع "حركة التحرر الوطني".

منعطف أوسلو ، من الكفاح المسلح إلى الدبلوماسية والحكم الذاتي

مع تغير النظام العالمي بانتهاء الحرب الباردة، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، أدركت القيادة الفلسطينية ضرورة استثمار الزخم الميداني سياسياً.

هنا، جاءت اتفاقيات أوسلو عام 1993 لتشكل التحول الأكثر إثارة للجدل في مسار القضية.

فلم يعد الكفاح المسلح هو الخيار الوحيد لمنظمة التحرير وتم تأسيس "السلطة الوطنية الفلسطينية" ككيان انتقالي يُمهد لدولة مستقلة.

وكان نتيجة الكفاح الدبلوماسي بعض المكاسب مثل :

الاعتراف السياسي، حيث نالت منظمة التحرير اعترافاً دولياً وإسرائيلياً كممثل شرعي، وتثبتت الهوية القانونية للشعب الفلسطيني عالمياً ، وتم تأسيس السلطة الفلسطينية حيث أُنشئت "السلطة الوطنية الفلسطينية" كأول كيان حكم ذاتي لإدارة الشؤون الداخلية (صحة، تعليم، أمن ...إلخ) لأول مرة على الأرض.

وانتقال الثقل القيادي حيث انتقل مركز صناعة القرار الفلسطيني من دول الشتات إلى داخل الأراضي المحتلة (غزة والضفة). وعاد ما بين 150,000 إلى 250,000 فلسطيني في السنوات الأولى للاتفاق (1994-1999). حيث شملت فئات العائدين نحو 30,000 إلى 50,000 من الكوادر العسكرية والسياسية، بالإضافة إلى الآلاف عبر نظام "جمع الشمل".

وعلى الرغم من المكاسب لهذا الأتفاق لكن الوقائع على الأرض كانت تسير في اتجاه معاكس؛ فقد استغلت إسرائيل تقسيمات أوسلو (مناطق أ، ب، ج) لتكريس احتلالها، وتوسيع الاستيطان الاستعماري بشكل غير مسبوق، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، محولةً حلم الدولة إلى كانتونات معزولة جغرافياً واقتصادياً.

المؤتمر الثامن لحركة فتح ، تحدي التجديد في زمن الجمود

اليوم، وفي ظل انسداد الأفق السياسي والانقسام الداخلي الحاد، تقف حركة فتح - بصفتها العامود الفقري للسلطة والمنظمة - أمام استحقاقات مصيرية. يمثل "المؤتمر العام الثامن" للحركة نقطة ارتكاز حيوية؛ فهو ليس مجرد استحقاق تنظيمي داخلي لانتخاب قيادات جديدة (اللجنة المركزية والمجلس الثوري)، بل هو محطة إجبارية للإجابة عن أسئلة وجودية ، كيف يمكن استعادة ثقة الشارع الفلسطيني؟ وما هي الاستراتيجية البديلة في ظل تنصل الحكومات الإسرائيلية اليمينية من كل الاتفاقيات؟ المؤتمر مطالب بضخ دماء جديدة قادرة على صياغة مشروع وطني يتجاوز مرحلة "سلطة بلا سلطة" إلى مرحلة المواجهة السياسية والميدانية الشاملة.

من النكبة إلى "صناعة الدولة"  واقع معقد وسيادة منقوصة

عند رصد المسار الممتد من 1948 وحتى اليوم، نجد مفارقة تاريخية صارخة؛ الدبلوماسية الفلسطينية حققت اختراقات استراتيجية هائلة بتكريس الحضور القانوني لدولة فلسطين (دولة مراقب في الأمم المتحدة، وعضوية محكمة الجنايات الدولية، واعترافات أوروبية متتالية)، إلا أن هذه "الدولة" المعترف بها دولياً تفتقد إلى أبسط مقومات السيادة على الأرض.

فالمعابر، والموارد، والحدود، وما يزيد عن 60% من مساحة الضفة الغربية (مناطق ج)، لا تزال تحت القبضة الإسرائيلية المباشرة.

في النهاية، تثبت مسيرة السبعة عقود ونيف أن مشروع "صناعة الدولة" لم يكن يوماً منحة تفاوضية، بل هو عملية اشتباك مستمرة. انتقل الفلسطينيون من محاولة إثبات الوجود بعد النكبة، إلى فرض الهوية عبر المنظمة، ثم صراع السيادة وبناء المؤسسات عبر السلطة، ليبقى التحدي الأكبر اليوم متمثلاً في كيفية تحويل هذه الاعترافات الدولية المكتوبة على الورق، إلى سيادة حقيقية على الأرض.

التحية لـ"فتح" حركة التحرير الوطني الفلسطيني ، رائدة الكفاح الفلسطيني الوطني المستقل.

التحية لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي شرعيا للشعب الفلسطيني.

التحية لمصر حكومة وشعبا حاضنة القضية على مر العصور.
---------------------------------
بقلم: حاتم نظمي

مقالات اخرى للكاتب

فلسطين من جراح النكبة إلى مخاض الدولة |