15 - 05 - 2026

حروب البقاء السياسي

حروب البقاء السياسي

في كثير من الأحيان، لا تبدأ الحروب فقط بسبب تهديدات أمنية أو خلافات استراتيجية، بل قد تتحول إلى وسيلة للهروب من أزمات داخلية، أو محاولة لاستعادة شعبية سياسية تتآكل تدريجيًا.

هل أصبحت الحروب وسيلة للبقاء السياسي؟

هذا السؤال عاد بقوة مع تصاعد الضغوط الداخلية على نتنياهو، وسط انتقادات متزايدة لأدائه السياسي والعسكري، وتراجع مستويات الثقة داخليًا، فالتاريخ السياسي يقدم نماذج عديدة لقادة لجأوا إلى التصعيد الخارجي لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية، حين تتزايد الضغوط، تصبح المعارك الخارجية أحيانًا وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي، في هذه الحالة، يواجه نتنياهو تحديات متعددة؛ انقسامات سياسية داخلية، احتجاجات متكررة، وضغوط مرتبطة بملفات أمنية واقتصادية، لذا يرى بعض المراقبين أن استمرار التصعيد يمنح الحكومة مساحة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية، أو على الأقل تأجيل الحسابات السياسية، وكأنه يتبع أسلوب الشارع "اضرب واجري".

غير أن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر جسيمة، فالحروب التي تبدأ لهذه الأهداف تتحول إلى أزمات أكبر يصعب احتواؤها لاحقًا، كما أن الرهان على توظيف الصراعات الخارجية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية ليس مضمون النتائج دائمًا، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا طالت الحرب أو ارتفعت تكلفتها البشرية والاقتصادية، الأمر لا يقتصر على نتنياهو وحده، فالتاريخ الحديث شهد حالات متعددة استخدمت فيها الحكومات النزاعات الخارجية كوسيلة لتعزيز شرعيتها.

وكمثال على هذا استعادت مارغريت تاتشر جزءًا كبيرًا من شعبيتها بعد انتصار المملكة المتحدة في حرب جزر فوكلاند، بينما استخدم جورج بوش الابن خطاب الحرب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر لتبرير غزو العراق عام 2003 وسط دعم داخلي واسع في البداية، وعلى الجانب الآخر، لجأ النظام العسكري في الأرجنتين بقيادة ليوبولدو جالتييري إلى التصعيد الخارجي للهروب من أزماته الداخلية، لكن الهزيمة العسكرية سرّعت من سقوطه السياسي، وهو ما يؤكد أن الحروب قد تمنح الحكومات مكاسب مؤقتة، لكنها كثيرًا ما تترك وراءها أثمانًا باهظة تدفعها الشعوب، سواء داخل الدول المنخرطة في الصراع أو في الدول المجاورة التي تتأثر بتداعياته، كما يحدث في مصر الآن رغم عدم تورطها في الحروب الدائرة من حولنا، في النهاية، يجب أن تبقى الحروب آخر الخيارات، لا أن تتحول إلى وسيلة للبقاء في السلطة أو الهروب من الأزمات الداخلية، لأن الثمن دائمًا أكبر من أي مكسب سياسي مؤقت.
---------------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع

مقالات اخرى للكاتب

حروب البقاء السياسي