15 - 05 - 2026

بين أنين المريض وضغط الطبيب.. تضيع الإنسانية أحيانًا

بين أنين المريض وضغط الطبيب.. تضيع الإنسانية أحيانًا

في الفترة الأخيرة، تدخلت في عدد كبير من الأزمات والخلافات داخل المستشفيات، وكان الملفت بالنسبة لي أن أغلب هذه المشكلات لم تكن بسبب سوء نية من الطبيب، ولا تعنت من المريض. بل كانت نتيجة طبيعية لضغط نفسي وإنساني رهيب يعيشه الطرفان.

المريض يأتي إلى المستشفى وهو مكسور من القلق والخوف على ابنه أو والدته أو زوجته، يترك عمله ودنياه ويجري خلف سرير مريضه، يحمل في قلبه وجعًا وخوفًا وغضبًا أحيانًا، فيتصرف بعصبية لأنه يشعر أن حياته كلها معلقة بلحظة.

وفي الجهة الأخرى يقف الطبيب أو أفراد الطاقم الطبي، بعد ساعات طويلة من العمل المتواصل، وضغط لا يراه كثيرون، وحالات متتالية، وإرهاق نفسي وجسدي يومي.

طبيب ربما لم يجلس مع أسرته منذ أيام، ولم ينم بالشكل الكافي، ويقف أمام عشرات الحالات المطلوبة منه في نفس اللحظة أن يكون هادئًا ومبتسمًا ودقيقًا ومنقذًا للحياة بهدوء اعصاب يتحمل الكل ولا يتحمله أحد .

وهنا تبدأ المشكلة

المريض يظن أن الطبيب لا يشعر به، والطبيب يشعر أن أحدًا لا يقدّر حجم ما يتحمله.

وخلال تدخلي في هذه الأزمات، اكتشفت شيئًا مهمًا جدًا:

الكلمة الطيبة تغيّر الكثير.

حين تتحدث مع الطبيب باحترام، وتقول له إن الناس تقدر مجهوده وتعبه، تجد أن حالته النفسية تختلف، وصدره يتسع للشرح والتوضيح، ويبدأ في احتواء الموقف بهدوء أكبر.

وحين تشرح للمريض أن من أمامه ليس خصمًا، بل إنسان وطبيب له طاقة وقدرة وحدود بشرية، يبدأ هو الآخر في الهدوء وتفهم الموقف.

للأسف، هناك من يتعامل مع الطبيب داخل المستشفى الحكومي وكأنه “مأمور مُلزم بتنفيذ الأوامر”، بينما الحقيقة أن الطبيب إنسان محترم، له كرامته وتربيته وتعبه وسنوات عمر أفناها حتى يصل إلى هذه المهنة.

نعم للمريض حقوق كاملة لا جدال فيها، ومن حقه الحصول على خدمة طبية محترمة وآمنة وآدمية. لكن كما أن له حقوقًا، فعليه أيضًا واجبات، أهمها احترام من يحاول مساعدته وإنقاذ حياة أحبائه.

وفي المقابل، لا أحد ينكر أن هناك بعض النماذج المقصرة داخل المنظومة الطبية، وهذه الحالات يجب أن تُحاسب بالقانون وبالإجراءات الرسمية، لأن احترام مهنة الطب لا يعني أبدًا تبرير الإهمال.

ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الصدام بل مزيدًا من الإنسانية.

أن يشعر المريض أن الطبيب يقدّره، وأن يشعر الطبيب أن المجتمع يحترم رسالته.

لأن الحقيقة التي يغفلها البعض: أن الذي يقف أمامك داخل المستشفى ليس عدوك بل شخص يحاول، وسط كل هذا الضغط، أن ينقذ حياة إنسان.
-----------------------------
بقلم: أحمد صلاح سلمان


مقالات اخرى للكاتب

بين أنين المريض وضغط الطبيب.. تضيع الإنسانية أحيانًا