14 - 05 - 2026

عالم الاجتماع سيد فارس في حوار للمشهد: المجتمع المصري ليس قاسيا وإنما أعتبره مجتمعا مأزوما

عالم الاجتماع سيد فارس في حوار للمشهد: المجتمع المصري ليس قاسيا وإنما أعتبره مجتمعا مأزوما

-  أحذر من فقدان المجتمع هويته الثقافية والاجتماعية وتلاشي عناصر تراثه الثقافي المتفردة
- الهوية الثقافية تواجه تحديات غير مسبوقة في ظل سيولة عالمية تضغط على خصوصية المجتمعات
- طغيان لقيم الثقافة الفردية الوافدة بتأثير تكنولوجيا الاتصالات والثقافة الكونية المهيمنة عالمياً
- «الترقي الاجتماعي يشهد تحوّلًا عميقًا مع تراجع قيمة الاجتهاد وصعود معايير الامتلاك والقدرة على الإنفاق.
- الضغوط الاقتصادية تؤدي إلى ارتفاع معدلات الطلاق.. وهذه ملامح الطبقة الوسطى الجديدة 
- الدراسات الأنثروبولوجية في مصر فقدت "زخم الإنطلاق" الذي أسسه الرعيل الأول من الأنثروبولوجيين المصريين.
- انفصال النخبة الثقافية أفقدها ثقة المواطنين وفتح الباب لتيارات متشددة
- توثيق التراث الثقافي، وإعادة إنتاجه بطرائق عدة، ونقله إلى الأجيال الجديدة، وسيلة من وسائل مقاومة السيولة ونضوب مصادر تشكيل الهوية.

في لحظة تتسارع فيها التحولات الاجتماعية والثقافية على نحو غير مسبوق، يبرز علم الاجتماع والأنثروبولوجيا كأداتين ضروريتين لفهم ما يجري في عمق المجتمع المصري، بعيدًا عن الانطباعات السطحية والتفسيرات السهلة. من هنا يأتي هذا الحوار مع عالم الاجتماع المصري الأستاذ الدكتور سيد فارس، الذي ينشغل برصد التحولات الدقيقة التي تطال بنية القيم، وشكل العلاقات الاجتماعية، ومسارات الهوية في زمن العولمة والسيولة.

في هذا الحوار، يفتح فارس ملفات شائكة تبدأ من تراجع زخم الدراسات الأنثروبولوجية في مصر، مرورًا بتحولات الطبقة الوسطى وصعود النزعة الفردية، وصولًا إلى أزمة الثقة بين النخبة الثقافية والمجتمع، تلك الفجوة التي يراها أحد العوامل التي أفسحت المجال لتيارات فكرية أكثر تشددًا. كما يتوقف عند تأثير الضغوط الاقتصادية على الأسرة، وتغير مفهوم الترقي الاجتماعي، وتحولات هوية الشباب في ظل هيمنة الثقافة الاستهلاكية.


عالم الاجتماع سيد فارس مناقشا إحدى الرسائل العلمية

* كيف بدأت رحلتك مع علم الاجتماع والأنثروبولوجيا؟

التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة فرع بني سويف عام 1994. وحصلت على ليسانس الآداب الممتازة بتقدير جيد جداً عام 1997. عملت معيداً بقسم الاجتماع (شعبة الأنثروبولوجيا) عام 1998، وحصلت على درجة الماجستير بتقدير ممتاز مع التوصية بطباعة الرسالة على نفقة الجامعة وتبادلها مع الجامعات الأخرى. ثم عملت مدرساً مساعداً عام 2003، وكان موضوع رسالة الماجستير: "أنثروبولوجيا ما بعد الحداثة". حصلت على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطباعة الرسالة على نفقة الجامعة وتبادلها مع الجامعات الأخرى، وكان موضوع الرسالة: الاتصال الثقافي والشخصية: بحث في الأنثروبولوجيا النفسية لمجتمع الواحات. وعينت مدرساً عام 2006. رقيت إلى درجة أستاذ مساعد عام 2017 ، ثم إلى درجة أستاذ عام 2024.

* حصلت على درجاتك العلمية من جامعتي القاهرة وبني سويف، كيف أثّرت هاتان البيئتان في تكوينك الفكري؟

- هيمنت على التكوين العلمي والتأهيل الأكاديمي لطلاب قسم الاجتماع في ذلك الوقت مدرستان علميتان: مدرسة جامعة القاهرة السسيولوجية بتياراتها وتنويعاتها، ومن روادها الأستاذ الدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الاسكندرية وعالم الاجتماع والمنظر السسيولوجى الأبرز؛ ومدرسة أنثروبولوجية من روادها الأستاذة الدكتورة عليه حسين أستاذة الأنثروبولوجيا المبرزة والباحثة الميدانية الإثنوجرافية المؤثرة في تطور أنثروبولوجيا مصر. وكانت هذه المدرسة امتداداً لمدرسة الاسكندرية التي كان من أبرز روادها الأستاذ الدكتور أحمد أبوزيد. فهيمن في بني سويف تياران مترافقان: التنظير والدراسة الحقلية الإثنوجرافية. وكان هذا الترافق دافعاً إلى تجديد نظري ومنهجي تبدى في بحوث مدرسة بني سويف الأنثروبولوجية، وتجلى في التحرر من ربقة منظور الأنساق والنظرية الوظيفية البنائية التي كبّلت الأنثروبولوجيا المصرية لعقود.

* كيف ترى تطور الدراسات الأنثروبولوجية في مصر خلال العقدين الأخيرين؟ 

فقدت الدراسات الأنثروبولوجية في مصر ما يمكن أن نطلق عليه "زخم الإنطلاق". إذ كانت انطلاقة الأنثروبولوجيا قوية بفضل الرعيل الأول من الأنثروبولوجيين المصريين. ثم خف تأثيرها تدريجيا. ولذلك مسببات عدة منها انشغال معظم الباحثين والأساتذة بالعمل والترقي الإداري داخل الأكاديميا، وإهمالهم الدراسات الحقلية، السمة المميزة للأنثروبولوجيا، والتعاطي مع المشكلات الحياتية الملحة. ينضاف إلى ذلك هيمنة تصور كلاسيكي جامد يتنافر مع تطور الدرس الأنثروبولوجي عالمياً، ويحصر الدراسة الأنثروبولوجية في مجالات كلاسيكية فيما يعرف بإضفاء الطابع الفولكلوري على الأنثروبولوجيا.  

* كيف تفسر حالة القلق الاجتماعي التي يعيشها جزء كبير من المصريين اليوم من منظور أنثروبولوجي؟ 

- القلق الاجتماعي مفهوم فضفاض ومسبباته متعددة من أبرزها انحسار الشعور بالأمن الاقتصادي Economic insecurity بتأثير التوجهات الليبرالية الجديدة وأزمة اقتصادية ظني أنها مؤقتة نتجاوزها بتواصل العمل الجاد والحكم الرشيد والتخطيط العلمي. إذن انعدام الامن الاقتصادي هو القلق وعدم اليقين الذي تفرزه التوجهات والسياسات والتوجهات الليبرالية الجديدة، وما تخلقه من انعدام الأمن الاقتصادي في ميادين التوظيف، والرعاية الصحية، والأسرة، والثروة، إضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم.

* هل تغيّرت منظومة القيم في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة؟ وكيف يظهر ذلك في الحياة اليومية؟ 

- تكشف نتائج البحوث الأنثروبولوجية عن تحول من قيم الثقافة الجمعية (المتمركزة حول الجماعة) إلى قيم الثقافة الفردية (المتمركزة حول الفرد)؛ وطغيان قيم الثقافة الفردية الوافدة بتأثير تكنولوجيا الاتصالات والثقافة الكونية المهيمنة عالمياً، والتفاعل بين ما هو محلي وما هو كوني فيما يعرف بالكونمحلية. يتسم الأفراد في الثقافات الجمعية بالاعتماد المتبادل داخل جماعاتهم كما يحددون, ويوجهون سلوكهم على أساس معايير الجماعة. وتتداخل في الثقافة الجمعية العلاقات الاجتماعية والثقافة التعبيرية والمشاعر وتترابط. والعلاقات الاجتماعية , أينما وجدت , هي مسائل تتعلق بالعاطفة والشعور تماما مثل الرموز والمعاني الاجتماعية. ويتسم الأفراد في الثقافة الجمعية بالشعور بهوية جمعية موحدة, وتتضاءل لديهم مشكلات الهوية وأعراض الاغتراب. باختصار ، تنحسر قيم الثقافة الجمعية وتأثيرها في تشكيل الهوية. 

* إلى أي مدى أثّرت الضغوط الاقتصادية على شكل العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة المصرية؟ 

- القاعدة أن الأزمة والضغوط الاقتصادية تدفع إلى التحرر من الالتزامات الاجتماعية الخاصة بالدعم والتضامن الاجتماعي، ومنها التكافل داخل سياق الجماعة القرابية. وربما تؤدي إلى ارتفاع معدلات الطلاق. 

* هل نشهد اليوم إعادة تشكيل للطبقة الوسطى في مصر؟

- عانى المصريون، قبيل ثورة يناير، ظروفاً معيشية قاسية. وافترس المواطن العادي فقر مدقع (بلغت نسبته حوالي40% من السكان). وبلغ الفساد الاقتصادي والسياسي مستويات مرتفعة غير مسبوقة. فقد حقق رجال الأعمال، الداعمون لنظام مبارك، ثراءً فاحشاً، في حين عانى غالبية المصريين لتوفير ما يسد رمق عائلاتهم. وقد تجاهلت سياسات الحكومة أية تنمية حقيقية في الخدمات الحيوية كالتعليم والصحة. وتراجع دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية. وأفضت السياسات الحكومية إلى ارتفاع معدلات التضخم والبطالة. تأثر غالبية أفراد الطبقة الوسطى المنحسرة والمحتضرة بهذه السياسات، وكذا الفقراء الذين يصارعون للحصول على رغيف الخبز. كانت تلك بداية ما نراه من انحسار للطبقة الوسطى بتأثير السياسات الليبرالية الجديدة.

وبتأثير التغير الاجتماعي تشكلت طبقة وسطى جديدة تتألف من أفراد حاصلين على تعليم عالِ، ويشعرون بالأمان من الناحية الاقتصادية. والطبقة الوسطى الجديدة مثل الطبقة العاملة، بعيدة عن ملكية وسائل الإنتاج، لكن على النقيض من الطبقة العاملة، تُمارس الطبقة الوسطي الجديدة قدراً من السيطرة الفعالة على الأصول أو المصادر التنظيمية أو المهارات. وتمتلك الطبقة الوسطى الجديدة، نتيجة لما تتحكم فيه من موارد ولمركزها الاجتماعي، القدرة على لعب دور محوري في الصراعات الجديدة. وقد انبثقت الحركات الاجتماعية التي قادت ثورة يناير من رحم الطبقة الوسطى الجديدة التي لم تعد تتحدد على أساس القوة الاقتصادية أو السياسية بل على أساس استعراض الرموز الثقافية. كما بات من المتعذر فصل الثقافي عن الاقتصادي حيث تتمازج الثقافة والتجارة معاً، يتضح ذلك بجلاء  في الدور المحوري للإعلان في الثقافة المعاصرة. والطبقة الوسطى الجديدة مؤهلة للدفاع عن قضايا معينة مثل حقوق المرأة أو الحقوق المدنية.

محموعة من أغلفة كتب عالم الاجتماع سيد فارس

* كيف أثّرت التحولات الاقتصادية على مفهوم "الترقي الاجتماعي" لدى الشباب؟

- يطغى على مفهوم الترقي الاجتماعي اليوم تصور مادي إذ يتراجع الترقي الاجتهادي ويبرز الترقي مدفوع الثمن، من يمتلك قادر على الحصول على تعليم جيد والالتحاق بجامعات خاصة أو أهلية. لذلك يتعين إعادة الاعتبار للترقي الاجتهادي بوسائل منها دعم الجامعات الحكومية والتعليم الحكومي وتخصيص منح دراسية للطلاب المتفوقين وغير ذلك. 

* كيف ترى تحولات هوية الشباب المصري في ظل العولمة ووسائل التواصل؟

- الهاجس الذي يؤرق الباحثون اليوم هو الحفاظ على الهوية في مواجهة التغيّر السريع. لم تعد الهوية تتشكل وتنبني وفقاً للإطار التقليدي. لذا يتعرض نشاط الإنتاج الثقافي المعياري للخطر، خاصة بعد أن صارت الميديا وأساليب الاتصال توفر كثرة من أساليب الحياة الممكنة ونماذج لتوحد الفاعلين الأفراد داخل السياقات المحلية، وتتيح تكوين تصورات ومنظورات لا تماثل التمثيلات وأساليب الحياة المحلية.

إن العولمة المعاصرة، بضغطها للزمان والمكان، وإضفائها الطابع التعددي على عوالم الحياة، قد أوقعت تأثيراً في "الاجتماعي" و"الثقافي" و"الذاتي" بما يدعم تحولات الهوية. 

لقد أضحت الروابط الاجتماعية أكثر ضعفاً. وصارت الهوية أكثر إشكالية بعد تزايد الخيارات المتاحة. وبتأثير النزعة الاستهلاكية، تشكّلت مجموعة من الهويات الخيالية. وتشجع الثقافة الشعبية الأجساد المثالية كمواقع لصور الصحة والجمال والموضة التي تتخذ صيغة سلعية. واليوم تُجرّد الجماعة، والتنظيم الاجتماعي من مهامه التقليدية: فلم يعودا أبعاد الهوية للذات وقادرين على توفير مجموعة من المعايير والقواعد. ويصير الفرد وحدة منعزلة تبحث دوماً عن أشكال جديدة للتنشئة الاجتماعية، والتي بدلاً من أن توفر الأمن والرفاهية والسعادة، تزيد من الفجوة بين الإنسان والذات، وبين الإنسان والآخر. إنه نسق اجتماعي – برغم خضوعه لوسائل مبتكرة ومتجددة بصورة متزايدة للاتصال بالآخرين، والتفاعل معهم – يولد عدم الارتياح والوحدة، وذلك بصفة أساسية لأنه ابن الفردية المتصلة بالشبكة.

وتتآكل بعنف الأطر التقليدية والجمعية لتشكيل الهوية التي استمرت في تقييد وكبح اللعب الحر لتشكيل الهوية الشخصية. ومع هذا التآكل حدث انحسار متميز في السلطة التنظيمية لمجموعات الدور المرتكزة على الطبقة، والنوع، والعرقية، والدين، تاركة الأفراد أحراراً بصورة غير مسبوقة في صياغة مسارات حياتهم الخاصة. لقد تحرر الأفراد وتخلصوا من الموارد المقيدة، والمحققة للاستقرار مع ذلك، لأشكال الجمعية الملزمة. ولا يعني ذلك اختفاء الجمعية وتلاشيها من الحياة الاجتماعية في العقود الأخيرة، ولكن يعني أن وظيفتها قد تغيرت بصورة واضحة. 

* وما تأثير ذلك على أرض الواقع؟

- يتمثل الدور، بالغ الأهمية، الذي يؤديه الإنترنت في تشكيل العلاقات الاجتماعية في إسهامه في بناء نموذج جديد للمجتمعية sociability يرتكز على الفردية. وتدريجياً، تنتظم أعداد هائلة من البشر في شبكات اجتماعية تتواصل عن طريق الكمبيوتر. 

وتتنامى في عوالم ما بعد الحداثة، وما بعد - ما بعد الحداثة، والحداثة السائلة النزعة الفردية وإضفاء الطابع الفردي علي العلاقات الاجتماعية. وكان من نتائج ذلك أن اتجه الأفراد إلى تشكيل هوياتهم في عزلة متزايدة. وعند هذه النقطة تصبح الهوية "خاصة"، وتتحول إلى نوع من التحديد الإجباري للذات، وينفصل تشكيلها عن كل مسئولية جمعية. ليتحول تشكيل الهوية إلى عبء فردي بحيث تقع مسئولية الخطأ أو الإخفاق على الفرد. ويسود الغموض، والازدواجية، والتناقض، والاحتمالية، وعدم اليقين.

* من هذا المنظور كيف ترى العالم اليوم؟

- الحقيقة أننا نعيش اليوم في عالم معولم من المستهلكين، ومن المحتم أن يؤثر السلوك الاستهلاكي في كل وجوه حياتنا الأخرى، ومن تلك العمل والحياة الأسرية. كلنا اليوم تحت ضغط أن نستهلك أكثر، وعلى الطريق نصير أنفسنا سلعاً في أسواق الاستهلاك والعمل. ويتغلغل الشكل السلعي ويعيد تشكيل أبعاد الحياة الاجتماعية المستثناة حتى ذلك الحين من منطقه إلى حد تصبح معه الذاتية نفسها سلعة تُشترى وتُباع في السوق بوصفها جمالاً ونظافة وإخلاصاً واستقلالاً ذاتياً. ويحتاج الاستهلاك إلى مزيد من المال الذي يؤدي إلى تمدية حتى الحب الذي يحتاج إلى سلع تُستهلك، ومال يُنفق حتى يُكتسب ويستمر. هذا العالم الاستهلاكي عالم سائل متغير بالساعة أو ربما بالدقيقة. ونحن مطالبون دائما أن نجاري ونستمر. فإن توقفت تركك الزمن، وسارت القافلة وأنت واقف. اللهاث، إذن، من مظاهر العصر الحديث . ويتحول السعي النهم نحو التسوق أياً كان شكله إلى نوع من الإدمان. 

ويتسم المجتمع الاستهلاكي الذي تعزز وتضخم مع الرأسمالية ومسار التفريد مع الحداثة بكثرة الفرص، فهناك فرص وخيارات كثيرة متاحة أمام الفرد في المجتمع. وتؤثر كثرة الفرص والخيارات سلباً على الفرد من عدة نواح، إذ تُدخله في حالة من عدم الانتهاء، وعدم الاكتمال، واللايقين، والقلق. 

محموعة من أغلفة كتب عالم الاجتماع سيد فارس

* هذا يعني أن قدرة الفرد على الاستهلاك باتت من المعايير التي تحدد مكانة الفرد في المجتمع؟

- لقد صار الاستهلاك أو القدرة على الاستهلاك معيار السواء والمكانة، وهو معيار يخرقه الفقراء والعاطلون. ويفضي ذلك إلى تمييز الفقراء والعاطلين ووسمهم بأنهم غير أسوياء، وبالتالي فإن كفاءة الاستهلاك، لا العمل أو الوظيفة، صارت هي المعيار. إن الفقراء اليوم (أي من يمثلون مشكلة للآخرين) هم، أولاً وقبل كل شيء، مستهلكين، لا عاطلين. وهم يُعرَّفون ويُحددون بصفة أساسية بناءً على حقيقة كونهم مستهلكين سيئين: الواقع أن الالتزامات الاجتماعية الأساسية، التي لا يمتثلون لها، تتمثل في أن يكونوا مشترين نشطاء وفاعلين للسلع والخدمات التي يعرضها السوق. ويعنى ذلك أن أنه إذا كان الاستهلاك في الأزمنة الحديثة يؤدي وظيفة ثانوية تقارن بالإنتاج، فإنه في العالم المعاصر تحدد قدرة الشخص على الاستهلاك تكامله الاجتماعي في مجتمع لم يعد مقصوراً على السياق المحلى، أو المجال الكلى للوجود اليومي، ولكن في مجتمع ماكرو يتطلب شروط قبول معينة ومحددة. ويمثل القبول مسئولية الفرد الذي يفضل، في سبيل بناء فرديته، أن يستثمر موارده المادية المتاحة لشراء الوسائل الملائمة للتصنيف، والتحديث، والولوج إلى قائمة البارزين المهمين.

* كيف يمكن التوفيق بين الحفاظ على التراث والانخراط في الحداثة؟

- لقد بات من المقطوع به أن المجتمعات المحلية، عالمياً، تشهد عملية تحول بنائي عميقة، وانفتاحاً غير مسبوق للسياقات الثقافية، وعملية تغير ثقافي هائل. وتتعرض ثقافات المجتمعات المحلية لقوى التجانس والتماثل الكوني وعمليات العولمة الثقافية التي تنخر جسد الثقافات المحلية وتهدد بتقويضها. إذ تضفي العولمة التجانس على الثقافات المحلية، وتفضي إلى تفكيك عوالم الحياة المحلية داخل أبنيتها وسياقاتها المحلية التقليدية..   

لقد بلغت عملية تدمير المجتمع المحلي في المجتمعات النامية ذروتها، علي حد تعبير أنتوني جيدنز، إذ تستسلم التقاليد والتراثات التي عاشت ودامت طويلاً لقوي "التفريغ الثقافي" Cultural Evacuation. وقد صارت التقاليد والتراث، في ظل تفاقم عمليات إضفاء الطابع الكوني، أكثر عرضة لآليات التقّويض والإفناء، ومُطالب بتبرير ذاته على الدوام. ويقول جيدنز "إن دوام التقاليد والتراثات وبقائها يكون ممكناً إذا كانت قابلة للتبرير الخطابي، وعلي استعداد للدخول في حوار مفتوح مع تقاليد وتراثات أخرى، وأساليب بديلة لإنجاز وتحقيق الأشياء". ومن شأن الانتشار الكوني للثقافة الاستهلاكية أن يدمر الأصالة الثقافية، وذلك عن طريق استبدال الأشكال والممارسات الثقافية الزائفة والسطحية والضحلة بالأصيل. 

ومع ذلك كان من قبيل المفارقة، أنه في سياق العولمة المتزايدة، باتت كثرة من الشعوب والمجتمعات المحلية عالمياً تدرك أهمية تراثها الثقافي – سواء المادي أو غير المادي – باعتباره مساهمة في التنوع الثقافي العالمي. إذ أضحت المجتمعات المحلية في كل مكان تدرك أن تراثها الثقافي، الهش الضعيف بطبيعته، يؤدي دوراً حاسماً في الحفاظ على هويتها وإعادة إنتاجها، وتحقيق طفرات في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. وأن مشاركتها في أنشطة إنقاذ هذا التراث يُسهم في تحقيق استمراريته.

* هل تعتقد أن المجتمع المصري أصبح أكثر قسوة؟

- لا أميل إلى وصف المجتمع المصري بالقسوة ولكن أعتبره مجتمعا مأزوما يسعي، رغم الأزمة، إلى دعم الفئات الأكثر ضعفا واحتياجا. لقد سلكت مصر منذ تسعينيات القرن الماضي مساراً ليبرالياً جديداً، عزّزه تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الذي أطلقته الدولة المصرية عام 2016. وفي سبيل تخفيف وطأة التوجهات الليبرالية الجديدة، تؤدي الدولة أدوار رعاية وحماية متعددة.

فقد بلغ عدد المستفيدين من كافة أشكال الدعم النقدي عام 2020 (3.8) مليون أسرة، وذلك بعد نقل (1.7) مليون أسرة من معاش الضمان الاجتماعي إلى برنامج تكافل وكرامة. وبالإضافة إلى ذلك أطلقت الوزارة مبادرة "حياة كريمة" بقصد توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل القرى الأكثر احتياجات بما يحقق تلبية احتياجات سكانها المتنوعة (تقرير التنمية البشرية في مصر، 2021: 210، 112، 116).

ويتجسد أحد أدوار الرعاية في توفير الدعم الغذائي. والبادي أن دعم السلع الغذائية يرتفع بصورة مستمرة، إذ ارتفع من 16,8 مليار جنيه في 2009/2010 إلى 89 مليار جنيه في 2019/2020. ويستفيد من نظام بطاقات التموين قرابة 69 مليون نسمة، بينما يستفيد 79 مليون نسمة من منظومة دعم رغيف الخبز (تقرير التنمية البشرية في مصر، 2021: 92، 118). 

وفيما يتعلق بتوفير الإسكان الاجتماعي، أبدت الدولة حرصاً على تمكين أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة من الحصول على وحدات سكنية. وقد بلغ عدد المستفيدين من برنامج الإسكان الاجتماعي حتى يونيو من العام 2020 حوالي 312 ألف مستفيد حصلوا على دعم نقدي من صندوق الإسكان الاجتماعي وصل إلى 4,9 مليار جنيه. ويبلغ الإنفاق الحكومي (الوظيفي) على قطاع الإسكان والمرافق المجتمعية حوالي 63,4 مليار جنيه، ليشكل بذلك ما نسبته 4% من إجمالي الإنفاق الحكومي، و(1%) من الناتج المحلى الإجمالي (تقرير التنمية البشرية في مصر، 2021: 53، 71).

 وفيما يتعلق بالتعليم، بلغ الإنفاق الحكومي (الوظيفي) على التعليم (قبل الجامعي والعالي) حوالي 132 مليار جنيه وفقا لموازنة العام المالي 2019/2020. وعلى الرغم من ارتفاع الإنفاق الحكومي، فقد شهد تراجعاً خلال الفترة ذاتها كنسبة من جملة الإنفاق الحكومي (من 12% إلى 8,4%)، وكذا كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (من 3,5% إلى 2,1%) (تقرير التنمية البشرية في مصر، 2021: 63 – 64). وقد أفضى تراجع الإنفاق الحكومي على التعليم إلى مظاهر قصور في جودة الخدمات التعليمية المقدمة.

برغم ما تسهم به جهود الرعاية والحماية التي تقوم بها الدولة بقصد التخفيف من وطأة التوجهات الليبرالية الجديدة، ثمة حاجة ملحة إلى المزيد بما يحقق الاستقرار المجتمعي.

عالم الاجتماع سيد فارس خارج الجدران الأكاديمية

* هل فقدت النخبة الثقافية تأثيرها الحقيقي في المجتمع؟

- تبدو النخبة الثقافية منفصلة عن واقع الحياة اليومية وهموم المواطن العادي وشواغله. وصارت أكثر انعزالا لأسباب عدة، وقد أفقدها ذلك ثقة المواطنين، وأفسح المجال لتيارات فكرية أكثر تشدداً.

* إذا طُلب منك وصف المجتمع المصري اليوم في جملة واحدة، ماذا تقول؟ 

- مجتمع يمر بأزمة، ككثرة غيره من المجتمعات، أتمنى أن تتبدد في أقرب وقت شريطة أن يسود مناخ من الثقة الاجتماعية والسياسية.

* إذا كان عليك أن تحذر من خطر اجتماعي واحد يهدد المجتمع المصري اليوم، ماذا سيكون؟ 

- الأزمة الاقتصادية سوف نتجاوزها لا ريب في ذلك. الأخطر فقدان المجتمع هويته الثقافية والاجتماعية وتلاشي عناصر تراثه الثقافي المتفردة. أخشى أن نفيق من الأزمة ثم يفجعنا تبدد وتلاشي عناصر تراثنا الثقافي. ثمة أشياء يتعذر تعويضها. 

* هل ترى أن المستقبل يحمل استقرارًا اجتماعيًا أم مزيدًا من السيولة والتغير؟ 

- مصر جزء من مجتمع كونى سمته السيولة والتغير. وتؤكد تيارات فكرية مثل ما بعد الحداثة علي السيولة والمراوغة. خلال العقود القليلة الماضية وقع تحول عميق في طبيعة الحياة الحديثة، صوَّره ثلاثة من المفكرين الاجتماعيين البارزين المعاصرين، وهم زيجمونت باومان، وأولرش بك وأنتوني جيدنز. وقد ارتأوا أنه خلال نصف قرن مضى صار التغير في اللحظة التاريخية الراهنة العادة الأكثر استقراراً في حياتنا الفردية والجماعية والعامل الذي يشكل، في رأي باومان، ثقافتنا اليومية والمعيشة، وبه نواجه الصدمات، وننجح – أو نفشل – في مواجهة الإخفاقات

فالأشكال الاجتماعية، بمعنى الأبنية التي تحدد الاختيارات الفردية، والمؤسسات التي تضمن دوام العادات وأنماط السلوك المقبول، لم تعد قادرة على الاحتفاظ بشكلها زمناً طويلاً؛ إنها تتحلل وتنصهر بسرعة فائقة. ويتجه العالم نحو مزيد من السرعة والميوعة والتبدل المستمر إلى حد غيَّر من طبيعة الإنسان المعاصر الذي لم يعد يحتمل أشكال الثبات والديمومة. الواقع المعاصر تقدَّر فيه الحياة أو تمنح قيمة للزائل العابر لا الدائم، والفوري العاجل لا طويل المدى، وتصير الأولوية للفائدة أو المنفعة على أي قيمة أخرى. بتعبير آخر، يُفسح الثابت والدائم الطريق للزائل العابر، وتُفسح الحاجة المجال للرغبة، وتفسح الضرورة الطريق للمنفعة أو الفائدة . وتوسم فوضى العوالم الحياتية عالم اليوم. ويُلاحظ تفسخ الشبكات الاجتماعية، وتهاوى مؤسسات الفعل الجمعي الفعالة، بقدر كبير من القلق غالباً، وقد اُعتبرا من الآثار الجانبية للسيولة الجديدة التي تميز القوة المتحركة والزلقة والمتحولة والمراوغة والهائمة بصورة متزايدة. وتمثل الروابط والشبكات الاجتماعية عقبة في طريق السيولة التي تفرضها وتؤثرها القوى الكونية. وتُقارب الروابط والأواصر والمشاركات كأشياء تُستهلك، لا تُنتج؛ إنها خاضعة لنفس معايير التقييم، تماما كموضوعات الاستهلاك الأخرى. إن توثيق التراث الثقافي، وإعادة إنتاجه بطرائق عدة، ونقله إلى الأجيال الجديدة، وسيلة من وسائل مقاومة السيولة ونضوب مصادر تشكيل الهوية.
------------------------------
حاوره: عبدالكريم الحجراوي
من المشهد الأسبوعية

عالم الاجتماع سيد فارس في حوار للمشهد الأسبوعية