13 - 05 - 2026

أزمة اللجوء في مصر: تحديات راهنة ومخاوف تغيير ديموغرافي

أزمة اللجوء في مصر: تحديات راهنة ومخاوف تغيير ديموغرافي

- قانون التجنيس في مصر بين الماضي والحاضر.. ماذا فعل السادات لتأمين مصر؟
- خطر اللاجئين.. هل يواجه المجتمع المصري خطر "الإزاحة" السكانية؟
- كانتونات اللجوء والأفروسنتريك.. مهددات جديدة للهوية المصرية

كان لمصر النصيب الأكبر من تعداد اللاجئين، فحسب تصريح للدكتور مصطفى مدبولي منتصف الشهر الماضي، أعلن خلاله أن عدد اللاجئين يزيد عن 12 مليون، تكلفة استضافتهم سنويًا تزيد عن 10 مليارات دولار.

هجمات وانتقادات واسعة، واجهتها الحكومة المصرية بعد هذا التصريح، مطالبة بترحيل جميع اللاجئين، خاصة السوريون الذين استقرت بلادهم، والسودانيون والأفارقة وذلك على خلفية حوادث أمنية واجتماعية نُسبت إلى بعضهم، من بينها أعمال عنف وسرقات ومشاجرات أثارت جدلًا واسعًا في الشارع المصري.

أسباب الأزمة:

لم ينتقد المصريون فقط التصرفات غير المسؤولة من بعض اللاجئين داخل مصر، والاستفزازات المتتالية في فيديوهاتهم على منصات التواصل الاجتماعي فحسب، والتي نسب بعضها إلى شخصيات عامة ورسمية بالسودان، بل انتقد أيضًا محاولتهم الانخراط في الجدل الثقافي حول الحضارة المصرية وربطها بأصول إفريقية (الأفروسنتريك).

ما أثار حفيظة الشارع المصري أن الحكومة المصرية نفسها تقدم لهم تخفيضات لا تقدمها للمصريين، خاصة في المستشفيات ومعامل التحاليل وبعض العيادات الخاصة، ناهيك عن التحاقهم بكليات القمة في الجامعات المصرية بمجموع 70% فقط، في الوقت الذي ترفض فيه هذه الجامعات المصريين الوافدين من دول عربية بمجموع أقل من 99%.

كذلك الإعلان من مفوضية الأمم المتحدة وبعض جمعيات ومنظمات المجتمع المدني المصرية، عن مبادرات لدمج وتمكين وتوطين اللاجئين في مصر، على رأسها المبادرة التي أطلقتها مؤسسة حياة كريمة. 

الأثر الاقتصادي والاجتماعي:

أثر وجود الـ 12 مليون لاجئ في مصر؛ يتمركز أكثرهم في محافظات القاهرة الكبرى والإسكندرية، على ارتفاع أسعار الإيجارات، فقد زادت إلى 600% في بعض المناطق نتيجة زيادة الطلب من اللاجئين، كما أن ذلك ساهم في ارتفاع أسعار السلع الأساسية نتيجة زيادة الاستهلاك.

التناقضات الإقليمية:

في الوقت الذي يطالب فيه اللاجئون والمجتمع الدولي، مصر، أن تُدمج وتُمكِّن اللاجئين، أشارت تقارير إعلامية إلى رفض السودان نفسه استقبال لاجئين من جنوب السودان، رغم القرب الجغرافي والثقافي، وكونهما دولة واحدة في السابق، خوفًا من التوطين.

مخاوف:

أشار خبراء أمنيين واستراتيجيين، إلى خطر دمج ما يزيد عن 15% من تعداد الشعب المصري، لاجئين في الأراضي المصرية، لافتين إلى خطر التزاوج بينهم وبين المصريين، وشرائهم العقارات والأراضي في المحافظات المصرية، وتأثير ذلك على الهوية والديموغرافية في مصر.

من النحاس إلى السادات.. كيف تغيرت السياسة المصرية تجاه اتفاقيات اللجوء؟

نفّذت عصبة الأمم لحماية اللاجئين الأوروبيين في عام 1933، بعد الحرب العالمية الأولى، أول اتفاقية لاجئين في العالم، انضمت لها مصر في عام 1937، ووضع مصطفى النحاس باشا شرطين، هما: حق العمل: ألا تلتزم مصر بتوفير عمل لمن يحمل صفة لاجئ أو وافد ويتقاضى راتبا أو إعانة من عصبة الأمم، وحق التعليم: ألا يتم إلحاق أبنائهم بالمدارس والمدارس خانة المصرية الأميرية، ويتلقوا تعليمهم في المنازل، ولا يحق لهم إنشاء كيانات تعليمية، ومن يخالف ذلك يتعرض للترحيل.

في عهد الرئيس عبد الناصر:

وفي عام 1951 أُنشئت مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين، وذلك بعد الاحتلال اليهودي للأراضي الفلسطينية، وتم إدراج مصر ضمن دول المفوضية، ولم تُطالب الأمم المتحدة الرئيس الراحل عبد الناصر بأي التزامات، وكان الرئيس قد عطَّل العمل بالاتفاقية.

في عهد الرئيس السادات:

وفي عهد السادات تم تعديل الاتفاقية بعدة شروط، تضمنت عدم لجوء اليهود أيًا كانت جنسياتهم، وإقرار الزواج والطلاق وفقًا للقانون المصري، وألا يحق للاجئ امتلاك وحدة سكنية أو محلا تجاريا أو قطعة أرض، وإنما السكن بأسلوب الإيجار بعقود مؤقتة تُجدد سنويًا، مع حظر وجودهم في المحافظات الحدودية.

كما اشترط السادات أن يكون التعليم المجاني للمصريين فقط وأن يُعامل اللاجئ معاملة الوافد الأجنبي ويتم الدفع بالعملة الصعبة، وأن تتحمل المنظمات الطبية العالمية الخاصة بالأمم المتحدة توفير الأمصال واللقاحات المقدمة للاجئين تحت إشراف وزارة الصحة المصرية، وألا تلتزم مصر بتوفير أي سلعة ناقصة نتيجة حرب أو وباء أو كارثة طبيعية بمصر، وإنما تُوجه إلى المصريين فقط.

كذلك اشترط عدم تعيين اللاجئين في القطاع العام ولا أحقية لهم في تقاضي المعاشات الاجتماعية، وبالفعل وافقت المفوضية على شروط السادات وتم توقيع الاتفاقية في مايو عام 1981.

في عهد الرئيس مبارك:

وقَّعت مصر اتفاقية الحريات الأربعة بين مصر والسودان في عام 2004، والتي تنص على حرية التنقل دون تأشيرات وقيود، وحرية الإقامة الدائمة والمؤقتة، وحرية العمل في القطاعات المختلفة، وحرية التملك.

واستقبلت مصر بعد حرب العراق في 2003 وحرب دارفور في 2004، أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ عراقي وسوداني، وأبلغت مصر بعدها المفوضية عدم إتاحة موارد تكفي اللاجئين وركزت على معاناة المصريين من أزمة السكن واستحالة إقامة مخيمات حدودية أمنيًا، ولم تقبل من طلبات اللجوء إلا القليل حتى عام 2011.

عاد أغلب اللاجئين العراقيين إلى العراق ولم يتبق منهم سوى القليل، وبداية من 2011 إلى الآن دخل مصر ما يزيد عن 17 إلى 19 مليون لاجئ – وفقًا لتقارير إحصائية غير حكومية - من 60 جنسية مختلفة، منهم 4 جنسيات هي الفلسطيني والسوري والسوداني واليمني؛ يحصلون على مزايا التعليم الحكومي مثل المصريين، كما يتمتع جميع اللاجئين بخصومات الوفود ولا يُعاملون معاملة الأجنبي.

بالإضافة إلى أنه يحق للاجئين المسجلين في المفوضية، والذين لا يزيدون عن 850 ألف لاجئ، الحصول على كافة الخدمات الأساسية مجانًا، من تطعيمات ولقاحات ورعاية مواليد وأم.

شروط التجنيس:

طبقًا للاتفاقية التي تم توقيعها في عهد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، يحق للاجئ الحصول على الجنسية المصرية إذا قام:

  • بشراء عقار قيمته 300 ألف دولار.
  • إنشاء مشروع استثماري بقيمة لا تقل عن350 ألف دولار مع إيداع 100 ألف دولار كإيراد مباشر لخزينة الدولة لا يُرد.
  • إيداع نقدي مبلغ 500 ألف دولار في حساب خاص بالبنك المركزي، يُسترد بعد ثلاث سنوات بالجنيه المصري ودون فوائد، أو إيداع 250 ألف دولار كإيراد مباشر للخزينة لا يُرد.
  • دفع 10 آلاف دولار غير مستردة عند تقديم طلب الحصول على الجنسية.

أو عن طريق زواج الأجنبية من مواطن مصري، فيحق لها طلب الجنسية بعد مرور عامين على الأقل من تاريخ الزواج بشرط استمرار الزواج وموافقة الزوج، كذلك أبناء الأم المصرية المتزوجة من أجنبي يحق لهم طلب الحصول على الجنسية.

كما تتيح إقامة اللاجئ لأكثر من 10 سنوات تقديم طلب الحصول على الجنسية المصرية، على أن يكون بالغًا سن الرشد، وملمًا باللغة العربية، وسجله الجنائي خال من جرائم مخلة بالشرف، كذلك المولود في مصر لأب أو أم من أصل مصري يمكن طلب الجنسية عند بلوغ سن الرشد.

وتُمنح تسهيلات بمنح الجنسية لأعداد من الجنسيات السورية والسودانية والعراقية والفلسطينية واليمنية، وتخضع جميع الطلبات للموافقات الأمنية مسبقًا.

إحصاءات علمية:

تناولت رسالة ماجستير للدكتور جيلان قاسم، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن 32.8% من حجم الجرائم المرتكبة في المدة من 2012 إلى فبراير 2026، قام بها لاجئون، تتنوع بين دعارة منظمة وفردية، وبلطجة وتجارة مخدرات وتورُّط في معاونة جماعات تنتهج الإرهاب، مما يشكل تهديدًا للأمن العام المصري.

مخاطر ديموغرافية:

طبقًا للإحصائيات يمثل أغلب اللاجئين في مصر شريحة الشباب والأطفال والسيدات، مما يؤثر بالسلب على قطاعات مثل التعليم، حيث التحاق عدد كبير من أطفال المدارس، وقطاع الصحة، حيث أن اللاجئين لا يخضعون لسياسة تنظيم الأسرة التي تقرها الدولة المصرية، وبالتالي زيادة عدد المواليد واستهلاك عالي للقاحات والأمصال المجانية للأمراض المناعية وشديدة العدوى، وقطاع العمل، بما يؤدي إلى الضغط على زيادة نسبة البطالة بين المصريين نتيجة قبول اللاجئ برواتب أقل.

ومن المخاطر التي تواجه المجتمع المصري؛ انتهاج اللاجئين لسياسة تكوين الكانتونات؛ وهي مناطق سكنية ذات طابع عرقي وهوية مختلفة عن الدول المستضيفة، مما يعيد للأذهان الاحتلالات التي طالت مصر في أوقات مختلفة، جراء نفس التجمعات البشرية في مناطق معينة.

إزاحة السكان الأصليين:

اقترنت ظاهرة إزاحة السكان الأصليين، بالتوسع الاستعماري، حيث تم تهجير السكان الأصليين أو قتلهم لإحلال مستوطنين جدد مكانهم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:

الولايات المتحدة الأمريكية: حيث تم تهجير وإبادة جماعية واسعة للسكان الأصليين (الهنود الحمر).

أستراليا: تم إزاحة السكان الأصليين (الأبوريجين) وتجريدهم من أراضيهم وتعرضوا لسياسات محو ثقافي واجتماعي.

كندا: اتبعت سياسات التهجير والإدماج القسري للسكان الأصليين (الميتيس، والإنويت، والأمم الأولى) في معسكرات ومدارس داخلية لفصلهم عن ثقافتهم.

نيوزيلندا: رغم وجود معاهدات، تم تهجير الماوري من مساحات واسعة من أراضيهم نتيجة التوسع الاستيطاني البريطاني.

الكيان الصهيوني (فلسطين): فتحت فلسطين باب اللجوء والهجرة لليهود من أوروبا، بشراء أراضي حتى استولى اليهود على بيوتهم وأراضيهم عبر التطهير العرقي لإنشاء دولة إسرائيل.

ولا يخفى علينا ما مرت به مصر من احتلال الهكسوس، من خلال استيطان مجموعات بشرية من فلسطين وسوريا لدلتا النيل، فتحولوا من ضيوف إلى قوة مهيمنة، وسيطروا على شمال مصر، واستمروا في احتلالهم حوالي 100 عام حتى طردهم الملك أحمس.

مستقبل السياسة في مصر:

أشار محللون سياسيون إلى خطر ذلك التجنيس على مستقبل مصر السياسي، خوفًا من اندماج المجنسين سياسيًا في البرلمان بعد مرور عقدين أو ثلاثة من الآن، خاصة أن مصر محاصرة سياسيًا وأمنيًا من جميع الاتجاهات.

الترحيل:

رغم إعلان الحكومة المصرية ترحيل المخالفين من الجنسيات المختلفة وعلى رأسهم السوريين والفلسطينيين، وتشميع محلاتهم التجارية في بعض المحافظات والمناطق، إلا أن المواطن المصري لم يستشعر بتأثير ذلك واقعيًا في الشارع، نظرًا لتجاوز أعداد اللاجئين لأعداد المصريين في بعض المناطق.

في النهاية، تبقى أزمة اللاجئين عقبة رئيسية أمام الاستقرار، وقضية معقدة تحتاج إلى تحليل موضوعي وإعادة صياغة للسياسيات المتبعة.
-------------------------------
إيمان جمعة
من المشهد الأسبوعية

أزمة اللجوء في مصر