في السنوات الأخيرة، لم يعد اللجوء أو الهجرة، مجرد نتيجة للحروب أو الفقر، بل يخفي وراءه واقعًا أكثر تعقيدًا، حيث تحول إلى وسيلة ضغط سياسي تستخدمها الدول في صراعاتها، وتُعاد من خلالها صياغة موازين القوى.
وفي ظل تصاعد أزمات اللجوء عبر العالم، برز حديثًا مصطلح "تسليح اللجوء"، والذي يشير إلى استخدام تدفقات اللاجئين أو التهديد بها لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، ويُصنف هذا النهج ضمن أدوات الحروب التي تعتمد على وسائل غير عسكرية، مثل الاقتصاد والإعلام، وحتى البشر، لتحقيق النفوذ السياسي.
ولا يتطلب هذا الأسلوب قدرات عسكرية ضخمة، يكفي فقط التحكم في مسارات البشر لإحداث تأثير سياسي واسع، خاصة عندما تكون الدول المستهدفة تعاني من حساسية داخلية تجاه هذه الهجرة.
تركيا؛ الاستضافة الضخمة كورقة تفاوض:
بعد اندلاع الثورة في سوريا، فتحت تركيا حدودها عام 2011، واستقبلت موجات كبيرة من اللاجئين يُقدر عددهم بنحو 3.6 إلى 3.7 مليون لاجئ سوري تحت الحماية المؤقتة، مع استضافة مئات الآلاف من جنسيات أخرى أبرزها العراق وأفغانستان.
تعاملت تركيا في بداية الأمر بسياسية الباب المفتوح، حيث استقبلت السوريين وقدمت لهم خدمات صحية وتعليمية، وتصاريح عمل؛ لكن مع الوقت بدأت في التشديد التدريجي بسبب الضغط الاقتصادي وصعود خطاب داخلي مناهض لهم بين الأتراك، تمثلت في قيود على التنقل، وتسكينهم في خيام، مع حملات تنظيم وترحيل لبعض المخالفين.
دفع الاتحاد الأوروبي لأنقرة، مليارات اليوروهات مقابل الحد من تدفق اللاجئين إلى أوروبا، فيما لوَّحت تركيا بفتح الحدود نحو اليونان، مما يعني قدرتها على التحكم في فتح أو غلق مسار اللاجئين.
ألمانيا؛ استقبال واسع.. وتداعيات سياسية داخلية:
تبنَّت ألمانيا في عام 2015، سياسة الأبواب المفتوحة، حيث استقبلت أكثر من مليون طالب لجوء في الفترة من 2015 إلى 2016، وما زالت من أكبر الدول الأوروبية استقبالًا سنويًا.
قدَّمت في البداية نظام لجوء منظم من خلال تقديم السكن، والإعانات، وبرامج اندماج، لكن مع الوقت بدأ التشديد النسبي من خلال القيود الإدارية واتفاقات إعادة اللاجئين إلى بلدانهم، وذلك بسبب صعود انتقادات داخلية حادة.

شمال أفريقيا ممر رسمي وغير رسمي إلى أوروبا:
وتشهد دول أفريقيا خاصة تونس والمغرب وليبيا، تصاعدًا ملحوظًا في أعداد المهاجرين واللاجئين القادمين من دول أفريقيا، وعلى رأسهم السودانيون الفارون من الحرب التي بدأت في 2023، والتي دفعت الملايين منهم للنزوح خارج السودان.
ففي تونس؛ يتجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين 15.6 ألف شخص، أكثر من نصفهم سودانيون، في ظل وجود عشرات الآلاف غير مسجلين، وشددت السلطات التونسية إجراءاتها مؤخرًا، ونفذت برامج العودة الطوعية، التي أدت إلى إعادة نحو 10 آلاف مهاجر خلال 2025، مع إعلان رسمي برفض تحويل البلاد إلى نقطة عبور نحو أوروبا.
وفي المغرب؛ يشكل السودانيون أيضًا إحدى أكبر الجنسيات من اللاجئين، حيث بلغ عددهم نحو 9872 لاجئًا رسميًا بنهاية 2025، فيما هناك 12.543 طالب لجوء، جميعهم ينحدرون من أكثر من 60 دولة.
ورغم تبني الرباط سياسات إدماج نسبي، إلا أنها كثّفت في السنوات الأخيرة عمليات التفكيك الأمني لشبكات التهريب، إلى جانب حملات ترحيل غير نظامية خاصة في المناطق القريبة من الحدود مع أوروبا.
وفي ليبيا؛ تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 110.908 لاجئ وطالب لجوء مسجل لدى الأمم المتحدة في ليبيا حتى أبريل الجاري، 84% منهم سودانيون، فيما يُقدر عدد غير المسجلين نحو أكثر من 500 ألف منذ أبريل 2023.
لم تعد الهجرة مجرد قضية إنسانية مرتبطة باللجوء والحماية، بل أصبحت في كثير من الأحيان عنصرًا مؤثرًا في موازن القوى والعلاقات الدولية، يُستخدم أحيانًا كورقة ضغط أو وسيلة تفاوض بين الدول.
ويظل السؤال مفتوحًا حول مستقبل هذا الملف: هل سيبقى في إطاره الإنساني، أم يتعمق تحوله إلى أداة في الصراعات السياسية؟
-----------------------------
تقرير - إيمان جمعة
من المشهد الأسبوعية
اللجوء كسلاح سياسي





