12 - 05 - 2026

اكذب اكذب اكذب بلا خوف: العالم كما تراه السلطة لا كما تراه الحقيقة

اكذب اكذب اكذب بلا خوف: العالم كما تراه السلطة لا كما تراه الحقيقة

الكذب السياسي وفقا لمعطيات الحاضر الآني لم يعد فضيحة تُكتشف بعد عقود، ولا سرًا يُرفع عنه الغطاء عقب موت الرؤساء وخروج المسؤولين من قصور الحكم، بل بات يُفضح أحيانًا خلال ساعات، وربما دقائق، ومع ذلك يستمر أصحابه في ترديده بوقاحة مدهشة، وكأن انكشاف الكذب نفسه لم يعد مشكلة. وهذه واحدة من أخطر الظواهر التي كشفتها الحرب على غزة؛ إذ بدا العالم وهو يشاهد، لحظةً بلحظة، كيف يمكن لمسؤولين كبار، ورؤساء دول، ووسائل إعلام عملاقة، أن ينكروا ما تراه البشرية بأعينها مباشرة.

عبر التاريخ اعتادت الشعوب أن تكتشف زيف الروايات الرسمية متأخرا. احتاج الأمريكيون سنوات طويلة ليفهموا حجم التضليل الذي رافق حرب فيتنام، ثم احتاج العالم سنوات أخرى ليتأكد أن غزو العراق عام 2003 قام على أكذوبة أسلحة الدمار الشامل. يومها وقف وزير الخارجية الأمريكي كولين باول أمام العالم حاملاً قارورة صغيرة وصورًا وخرائط ليبرر حربًا حصدت مئات الآلاف من الأرواح، ثم تبيّن لاحقًا أن الأساس كله كان هشًا أو مختلقًا. وكذلك الأمر في فضيحة أوراق البنتاغون التي كشفت كيف كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعرف حقائق حرب فيتنام بينما كانت تقدّم للشعب روايات مختلفة تمامًا.

الآن في عصر الزمن الرقمي لم تعد هناك مسافة بين الجريمة واكتشاف الرواية الكاذبة حولها. في حرب غزة، لم تعد الحقيقة تنتظر لجنة تحقيق دولية أو وثائق تُرفع عنها السرية بعد ثلاثين عامًا. الهاتف المحمول نفسه صار شاهدًا، والكاميرا المباشرة صارت تقف وسط الأنقاض. المجازر تُبث مباشرة، وصور الأطفال الخارجين من تحت الركام تصل إلى العالم فورًا، ومع ذلك يخرج مسؤولون غربيون لينكروا، أو يشككوا، أو يخففوا، أو يقلبوا المشهد رأسًا على عقب. هنا لا يعود الأمر مجرد دعاية سياسية تقليدية، بل يتحول إلى حالة من الكذب والإنكار العلني للواقع.

لقد تابعنا الخطاب الأمريكي خلال الحرب، سواء في إدارة المهرج الدجال ترامب أو قبلها في إدارة العجوز الخرف جو بايدن، تصريحات تتحدث عن الحرص على المدنيين بينما صور الأحياء المدمرة والمستشفيات المقصوفة والأطفال الأشلاء تملأ الشاشات. يتحدثون عن  القانون الدولي ثم يبررون ما يناقضه حين يتعلق الأمر بحليفهم. والمفارقة أن التناقض لم يعد يحتاج إلى محلل سياسي لاكتشافه؛ يكفي أن يشاهد الإنسان البث الحي ثم يستمع إلى المؤتمر الصحفي التالي.

حين تعرّضت المستشفيات في غزة للقصف، سارع مسؤولون وإعلاميون إلى نفي المسؤولية أو التشكيك في الصور، قبل أن تتراكم الأدلة والشهادات الميدانية. تكرر المشهد ذاته مع قصف المدارس ومخيمات النازحين ومراكز الإغاثة. وفي كل مرة كانت الرواية الرسمية تتبدل: إنكار أولًا، ثم تشكيك، ثم تبرير، ثم انتقال سريع إلى حدث جديد. حتى المجاعة التي شاهدها العالم تتشكل تدريجيًا في القطاع، جرى التعامل معها بخطاب بارد يتحدث عن صعوبات لوجستية بينما كانت صور الأطفال الهزلى والموتى جوعا وعطشا تنتشر أمام العالم كله.

ولم يقتصر الأمر على غزة وحدها. فمع اتساع المواجهة إلى جنوب لبنان، ظهرت اللغة ذاتها تقريبًا. الحديث الرسمي الغربي ظل يكرر عبارات  خفض التصعيد وحماية الاستقرار بينما القصف يتوسع والقرى الجنوبية تُدمّر والسكان يُهجّرون. كان المشهد يحمل مفارقة صارخة: دعوات للسلام تُقال من على المنابر نفسها التي تواصل تبرير تدفق السلاح والنار.

وفي الحرب على إيران، برز شكل آخر من أشكال الكذب السياسي المعاصر؛ كذب يقوم على صناعة الخوف الدائم وإبقاء العالم في حالة توتر مستمر. فمنذ سنوات طويلة تُستخدم لغة  التهديد الوشيك والخطر الوجودي والضربة الضرورية، بينما تتبدل الروايات والذرائع بحسب اللحظة السياسية. وما إن تقع مواجهة أو عملية أو اغتيال حتى يبدأ سيل التصريحات المتناقضة والتسريبات المقصودة والحروب الإعلامية، بحيث يصبح المواطن العادي عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والحرب النفسية.

والأمر ذاته يتكرر لدى عدد من القادة الأوروبيين الذين يرفعون رايات الحرية وحقوق الإنسان ليل نهار، ثم يدخلون في حالة كذب ونفاق وانحطاط رخيص حين تصبح الضحية خارج الجغرافيا الغربية. فجأة تصبح اللغة مطاطة، والمجازر أخطاء، والحصار إجراءً أمنيًا، وقتل الأطفال ضررًا جانبيًا. إنها عملية لغوية كاملة تهدف إلى إعادة تسمية الواقع حتى يصبح مقبولًا سياسيًا.

ولعل الحرب في أوكرانيا قدمت هي الأخرى مثالًا واضحًا على كيف تتحول الحقيقة إلى مادة تعبئة متبادلة. فكل طرف يقدّم روايته المطلقة، وكل معسكر إعلامي ينتقي ما يناسبه، حتى أصبح العالم يعيش في جزر معلوماتية منفصلة؛ لكل جمهور حقائقه الخاصة وصوره الخاصة وخبراؤه الخاصون. وهكذا لم تعد الحقيقة ضحية الحرب فقط، بل أصبحت ساحة حرب بحد ذاتها.

السؤال الأخطر ليس: لماذا يكذب السياسي؟ فالسياسة عبر التاريخ لم تكن حقلًا للأخلاق المثالية. السؤال: كيف يكذب وهو يعلم أن كذبه سينكشف بعد ساعات وربما دقائق وربما بينما يتحدث؟ هنا ندخل إلى طبيعة العصر نفسه. لقد دخل العالم مرحلة لم تعد فيها السلطة تهدف إلى إقناع الجميع بالحقيقة الرسمية، بل يكفيها أن تربك الناس، وأن تُغرق المجال العام بسيل من الأكاذيب والتضليلات. ليس مطلوبًا أن تصدق الكذبة بالكامل، بل أن تتعب من البحث عن الحقيقة، أو أن تشعر أن كل شيء نسبي ومشوش. وهكذا يتحول الكذب من محاولة لإخفاء الواقع إلى وسيلة لتفتيت الإدراك ذاته.

إن هؤلاء السياسيين/ مجرمون معاصرون يكررون الادعاء نفسه حتى بعد افتضاحه، وهم يدركون أن سرعة الأخبار، وكثافة الأحداث، والاستقطاب الحاد، تجعل الذاكرة العامة للناس قصيرة ومتعبة. لذلك يكذبون في الصباح، ثم يعدّلون الرواية مساءً، ثم يناقضون أنفسهم في اليوم التالي، دون أن يشعروا بأن ذلك يهدد موقعه بالضرورة. لقد تغيّرت قواعد الفضيحة نفسها.

من هنا نفهم لماذا تتكرر اليوم عبارات من نوع: ما رأيتموه ليس دقيقًا، أو السياق مختلف، أو المعلومات لم تتأكد بعد، حتى عندما تكون الصور واضحة وضوح الشمس. إنها محاولة لفرض سلطة الرواية على سلطة العين نفسها؛ أي دفع الإنسان إلى الشك فيما رآه مباشرة. وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على تعميق هذه الأزمة بصورة هائلة. صحيح أنها كسرت احتكار الإعلام التقليدي وكشفت ما كان يُخفى، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام طوفان لا ينتهي من التضليل والتشويش والانتقاء. فكل حقيقة يقابلها جيش إلكتروني للتبرير أو التشكيك أو تغيير زاوية النقاش. وإذا كانت الأنظمة القديمة تخفي المعلومات، فإن أنظمة اليوم تُغرق الناس بالمعلومات المتضاربة حتى يضيع المعنى نفسه.

أخطر ما في المشهد أن الكذب لم يعد يُمارس بوصفه استثناءً اضطراريًا، بل كأسلوب حكم دائم. دون أي شعور بالحرج. كأن البشرية دخلت مرحلة جديدة من الوقاحة السياسية، مرحلة لم يعد المسؤول يخشى فيها انكشاف التناقض، لأنه يراهن على سرعة النسيان، وعلى ضجيج الأحداث، وعلى انقسام الجماهير.

لهذا تبدو الحروب الممتدة من غزة إلى جنوب لبنان إلى التوترات مع إيران لحظة كاشفة لا سياسيًا فقط، بل حضاريًا وأخلاقيًا أيضًا. لقد كشفت ليس فقط ازدواجية المعايير الدولية، بل كذلك التحول العميق في طبيعة الخطاب السياسي العالمي؛ حيث لم يعد الكذب محاولة لتغطية الحقيقة، بل صار إدارة يومية مكشوفة للوعي العام. إنهم يكذبون، ثم يكذبون على الكذب نفسه، ثم يطالبون الشعوب بأن تنكر ما رأته بأعينها وسمعته بآذانها.

هنا المأساة الأكبر: ليس في وجود الكذب، فذلك قديم قدم السلطة، بل في أن يتحول الكذب إلى هواء تتنفسه السياسة الحديثة، وإلى ممارسة تتم بلا خوف تقريبًا من السقوط الأخلاقي أو الفضيحة. كأن العالم دخل زمنًا جديدًا لم تعد فيه الحقيقة غائبة، بل حاضرة بقوة… ومع ذلك يجري إنكارها علنًا أمام الجميع. باختصار يدفعون الناس للجنون أو الانتحار.
---------------------------
بقلم: محمد الحمامصي



مقالات اخرى للكاتب

اكذب اكذب اكذب بلا خوف: العالم كما تراه السلطة لا كما تراه الحقيقة