11 - 05 - 2026

من دولة المشروع إلى مجتمع الخوف: أزمة الهوية في إسرائيل

من دولة المشروع إلى مجتمع الخوف: أزمة الهوية في إسرائيل

لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مجرد مواجهة سياسية بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه نفتالي بينيت، ولا حتى صراعاً تقليدياً بين حكومة ومعارضة. غير أن التحولات الراهنة داخل إسرائيل تكشف عن أزمة أكثر عمقا وتعقيدا كونها تتعلق بطبيعة الهوية الإسرائيلية نفسها، وبالسؤال الذي لم تتمكن الحركة الصهيونية من حسمه منذ تأسيس الدولة؛ ما هي إسرائيل فعلاً؟ وهل تستطيع الجمع بين كونها "دولة يهودية" و"دولة ديمقراطية" و"دولة طبيعية" في آن واحد؟.

فقد بدا لسنوات طويلة أن إسرائيل نجحت في تأجيل هذا السؤال عبر التفوق العسكري، والدعم الغربي، والقدرة على إدارة الصراع دون حسمه. لكن الواقع الذي أفرزته أحداث 7 أكتوبر 2023، أعادت تفجير التناقضات الكامنة داخل المجتمع الإسرائيلي، وكشفت أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالأمن أو بالسياسة، بل باتت أزمة "تعريف ذاتي" و"وعي جماعي" بل و"هوية متصدعة".

لقد سعت النخب الصهيونية في إسرائيل منذ سنوات تأسيسها الأولى إلى بناء هوية إسرائيلية حديثة تقوم على الدمج بين القومية اليهودية والمشروع الحداثي الغربي، بغرض إنتاج "يهودي جديد" مختلف عن صورة اليهودي التقليدي في أوروبا، يملك القوة والسلاح والدولة، ويعيش ضمن نموذج أقرب إلى الدولة الغربية الحديثة.

لكن هذا المشروع كشف عن تناقضاته بشكل تدريجي، إذ لم تستطع إسرائيل أن تتحول إلى "دولة طبيعية"، كونها جاءت أساسا بمشروع استيطاني إحلالي مرتبط بصراع مفتوح مع الشعب الفلسطيني ومحيطها العربي. وبالتالي، فكلما تعمق الصراع تراجعت النزعة المدنية لمصلحة الهوية الأمنية والعسكرية. وبمرور الوقت انتقلت الدولة الصهيونية من "دولة مشروع" تحمل رؤية سياسية وأيديولوجية، إلى دولة تعيش هاجس البقاء والخوف الدائم من التهديدات المحيطة، وهذا السياق تصاعد اليمين الإسرائيلي مستفيداً من تعاظم الشعور بالخطر ومن تراجع الثقة بإمكانية التسوية السياسية.

في المقابل، جاء هجوم 7 أكتوبر ليشكل صدمة وجودية للمجتمع الإسرائيلي، ليس فقط بسبب الخسائر الأمنية والعسكرية، بل لأنه أحدث تصدعا في أهم الركائز النفسية التي قامت عليها الهوية الإسرائيلية الحديثة ممثلة في فكرة "التفوق المطلق" والقدرة على السيطرة الأمنية الكاملة.

وللمرة الأولى منذ عقود، شعر الإسرائيلي العادي أن الدولة التي وعدته بالأمن المطلق عاجزة عن حمايته، وأن التكنولوجيا والجدران والجيش لم تمنع اختراق العمق الإسرائيلي. ولعل ذلك ما عمَّق الصدمة لتتجاوز بُعدَها العسكري لتتحول إلى أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والدولة. لكن بدلاً من أن تدفع هذه الصدمة نحو مراجعة سياسية أو أخلاقية، دفعت قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من الانغلاق والتشدد. وكأن المجتمع، حين اهتز شعوره بالأمان، عاد يبحث عن ذاته داخل الهوية الأكثر صلابة؛ الدين، والقومية، والعسكر.  هنا يمكن فهم التصاعد الكبير في النزعة اليمينية والدينية بين الشباب الإسرائيلي بعد الحرب، وكذلك تنامي التأييد لاستخدام القوة المفرطة والحصار والتجويع والحروب المفتوحة، باعتبارها وسائل "ضرورية" لاستعادة الردع والشعور بالأمان.

التحولات الأخيرة بدورها كشفت عن أزمة أخرى تتعلق بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي نفسه. فإسرائيل التي قدّمت نفسها لعقود بوصفها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، باتت تواجه انقساماً داخلياً متزايداً حول معنى الديمقراطية وحدودها. فاليمين الديني والقومي الصاعد لا يرى الديمقراطية باعتبارها منظومة قيم ليبرالية شاملة، بل كأداة تخدم "الطابع اليهودي للدولة". ومن هنا جاء التصادم المتزايد بين المؤسسة القضائية والتيارات اليمينية، وبين النخب الليبرالية في تل أبيب والتيارات القومية - الدينية في المستوطنات والأطراف.

ما سبق تعززه نظرة للعمق الإسرائيلي إذ لم يعد الصراع فقط حول الفلسطينيين أو الحرب، بل تركز حول سؤال داخلي مفاده: هل إسرائيل دولة لكل مواطنيها، أم دولة لليهود فقط؟ وهل الأولوية للطابع الديمقراطي أم للطابع اليهودي؟ ومع كل أزمة أمنية أو حرب جديدة، يبدو أن الكفة تميل أكثر نحو الهوية اليهودية القومية على حساب القيم الليبرالية والديمقراطية.

رغم ذلك، فإن التحول الأخطر يتمثل في انتقال "الصهيونية الدينية" من هامش الحياة السياسية إلى مركزها، حيث لم يعد هذا التيار مجرد شريك صغير في الحكومات، بل أصبح أحد أهم محددات الهوية السياسية والثقافية للدولة. ولعل خطورة هذا التيار تكمن في كونه لا ينظر للصراع باعتباره نزاعاً سياسياً قابلاً للحل، بل باعتباره معركة تاريخية ودينية تتعلق بـ"أرض الميعاد" و"الخلاص اليهودي". وبهذا المعنى، يصبح التنازل السياسي ليس مجرد خطأ استراتيجي، بل خيانة دينية وتاريخية. ولذلك، فإن فكرة "التسوية" نفسها بدأت تفقد مكانها داخل الوعي الإسرائيلي الجديد، لتحل محلها مفاهيم الحسم والردع والسيطرة طويلة المدى، وهو ما يفسر تراجع التأييد لأي مشروع دولة فلسطينية حقيقية، حتى داخل ما يُسمى "الوسط الإسرائيلي".

في هذا السياق، لا يبدو الصراع بين نتنياهو وبينيت صراعاً على مستقبل إسرائيل بقدر ما هو صراع على الطريقة الأنسب لإدارة أزمتها الداخلية والخارجية. فنتنياهو يمثل نموذج "اليمين الصدامي" الذي يوظف الخوف والاستقطاب والعداء الدائم لتثبيت سلطته، بينما يحاول بينيت تقديم نموذج "اليمين المنظم"، القادر على الحفاظ على المشروع الصهيوني نفسه لكن بكلفة أقل وعلاقات أفضل مع الغرب. غير أن كليهما يتحرك داخل الإطار الأيديولوجي المتمثل في رفض الدولة الفلسطينية الكاملة، والإيمان بأولوية القوة العسكرية، والتوسع الاستيطاني، وتعريف إسرائيل باعتبارها دولة يهودية قبل أي شيء آخر. ولذلك، فإن تغيير الوجوه السياسية لا يعني بالضرورة تغيير الاتجاه العام للدولة.

المفارقة الكبرى هنا تكمن في أن المجتمع الإسرائيلي يبدو في الوقت نفسه أكثر قوة وأكثر خوفاً. فإسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً هائلاً، لكنها تعيش شعوراً متزايداً بالقلق الوجودي. وكلما ازداد تفوقها العسكري، ازداد اعتمادها النفسي والسياسي على القوة. ولعل في هذا التناقض ما يفسر التحول التدريجي من "هوية الدولة الطبيعية" إلى "هوية المجتمع المحاصر". فإسرائيل لم تعد ترى نفسها مجرد دولة قومية، بل كياناً يعيش في معركة دائمة من أجل البقاء، ما يدفعها باستمرار نحو مزيد من العسكرة والتشدد والانغلاق.

في النهاية، لا تبدو إسرائيل متجهة نحو حسم أزمتها الداخلية، بل نحو تعميقها. فالصراع لم يعد فقط مع الفلسطينيين أو مع الإقليم، بل داخل الهوية الإسرائيلية ذاتها: بين الدين والدولة، بين الديمقراطية والقومية، بين الليبرالية والأمن، وبين الرغبة في الاندماج مع الغرب والخوف الوجودي الذي يدفع نحو الانغلاق. ولهذا، فإن الانتخابات المقبلة، مهما كانت نتائجها، لن تغيّر الاتجاه العميق الذي يتحرك فيه المجتمع الإسرائيلي. فاليمين لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح انعكاساً لأزمة هوية متجذرة، أعادت تشكيل إسرائيل من الداخل، وربما ستحدد مستقبلها لعقود قادمة.
----------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد


مقالات اخرى للكاتب

من دولة المشروع إلى مجتمع الخوف: أزمة الهوية في إسرائيل